; ظاهرة انتشار الفاحشة | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة انتشار الفاحشة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 74

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

ما من حضارة قامت ثم تحطمت إلا وكان انتشار الفاحشة سببًا رئيسًا في زوالها

جاءني وكأن شررًا يخرج من عينيه، وحريقًا يندلع في جوفه، وقد انتفخت أوداجه، وتسارعت ألفاظه، وعلا صوته، وتتابعت عباراته، حتى غدا من الصعب متابعة ما يقول، لسرعة الكلمات التي تتقاذف من قلبه وأعماقه كالقذائف التي تشعرك بشعاعها وحرارتها وآلامها، حتى وقفتُ مذهولًا لما أسمع منه، وكأنها نسْجُ خيال، أو مبالغات مسرحية، ولولا أن مَنْ أمامي ثقة معروف بصدقه، ولولا تواتر الروايات من أكثر من ثقة، لما صدَّقتُ حرفًا مما سمعت!

صورة من الظاهرة

الصورة الأولى: قال لي: «بينما كنت جالسًا لوحدي على ساحل البحر، وإذا بي أرى سيارة قريبة منِّي تعجبت مما يدور في داخلها، وترددت بالذهاب قريبا منها للتأكد، وجاءتني الشجاعة بالتحرُّك، وعندما قربت من المكان، وإذا بي أرى ما لا يُصَدَّقُ، إنها الفاحشة بأسوأ أنواعها، فأردت أن أنكر هذا المنكر، فزجرت ذلك الشاب المنغمس بالفاحشة، وما إن بدأت معه الكلام، وفي لحظات لم أتوقعها، وإذا بمجموعة من الشباب تحيط بي من كل مكان فاكتشفت أنهم أصحابه بالمعصية، وإذا مع كل واحد منهم خليلة في سيارته، ولعلهم كانوا يقومون بما كان يقوم به ذلك الشاب، فماذا أفعل، وماذا نفعل ونحن نرى ظاهرة انتشار الفاحشة تزداد يومًا بعد يوم، وهو منكَرٌ يجب علينا إنكاره؟».

الصورة الثانية: كنت أظن أن ما سمعت هو أقصَى درجات هذه الظاهرة، وما ظننت أنني سأسمع بأخت هذه الرواية، وبينما كنت أتحدث بهذا الحديث في إحدى الديوانيات، وإذا بأحد الحضور ينقل ما يراه كل يوم الساعة السادسة صباحًا في أحد مواقف السيارات التابع لإحدى الجمعيات التعاونية من وصول أحد الشباب وإحدى الفتيات إلى هذا الموقف، فينزل من سيارته ليركب سيارتها ويغرقون في عناق طويل وفاحشة مُعْلَنة، لا يهمهم من يراهم أو يراقبهم».

ويقول بعد أن سأله أحد الحضور عن موقفه من هذا الأمر عندما رآه، فقال: «والله إنني أخشى إن أنكرت عليهما أن يُلبِسُونِي من التُّهَمِ ما لم أقم به، ثم أكون المُتَّهَمُ والمُلامُ في النهاية».

الصورة الثالثة: يقول آخر: «بينما كنت مصطحبًا زوجتي وأبنائي بعد صلاة العصر، في جولة على ساحل السالمية، وإذ بي أرى جمهرة من الناس، قد تجمهرت على سيارة، فقلت لعله حادث مروري، ودعاني تطفُّلِي لأن أرى ما يدور وعندما اقتربت من السيارة وإذا بشاب وفتاة يقومان بفعل الفاحشة علنًا في الساعة الرابعة والشمس لم تغِب بعد والأدهى والأمَرُّ، أنهما لا يشعران بحرج وكل هذه الوجوه تتجه إليهما».

الصورة الرابعة: وهي صورة يستطيع أن ينقلها إليك سكان منطقة الرقعي وسكان الفنطاس وأبو حليفة، فقد ملَّ القاطنون في هذه المناطق كثرة الشقق المفروشة والتي يؤجرها الشباب والفتيات على السواء لاستخدامها مرات في الأسبوع لفعل الفاحشة، مما حدا بأهل المنطقة إلى الشكوَى إلى محافظ الأحمدي، وقام مشكورًا -جزاه الله خيرًا- بمراقبة هذه المواخير المُعَدَّة للدعارة على شكل شُقق مفروشة.

لقد أصبحت صور مقدمات الفاحشة من الصور المألوفة التي لا ينكرها إلا النادر من الناس، مثل إلقاء أرقام الهواتف وإيقاف السيارات في الموقف والدخول معه أو معها في السيارة، والرقص المُختَلَط في حفلات الفرق الموسيقية والتي انتشرت في الآونة الأخيرة والمغازلات التلفونية وانتشار الصور العارية، وأفلام الفيديو الداعرة وغيرها من الصور الساقطة التي أصبحت رائجة ليعتاد عليها الناشئة.

هذه بعض الصور من هذه الظاهرة الخطيرة التي اتسعت انتشارًا، ولا نستطيع نقل جميع الصور، وتفاصيل صور أخرى لما للموضوع من حساسية؛ واحترامًا لذوق قرَّاء هذه المجلة، وابتعادًا عن التعامُل مع ألفاظ يأبَى سماعها الحرُّ الشريف.

ماذا نعني بالفاحشة؟

وحتى يتبين مقصدنا من هذا المقال لابد من تبيين معنى «الفاحشة» التي نقصدها، وخير ما نرجع إليه في هذا الأمر هو القرآن الكريم، فقد ذكرت كلمة «الفاحشة» في القرآن الكريم ثلاثة عشر مرة، كما ذكرت كلمة «الفحشاء» سبع مرات، وذكرت كلمة «الفواحش» أربع مرات، ومعنى «الفحشاء» هو كل ما استفحش ذكره وقَبُحَ مسموعه، و«الفواحش» هي جمع الفاحش والفاحشة.

وذكر الإمام الطبري في تفسيره بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ (آل عمران:١٣٥).

قال: ومعنى الفاحشة الفعلة القبيحة الخارجة عما أذن الله عز وجل فيه، وأصل «الفحش» القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء، ومنه قيل للطويل المفرط الطول: «إنه لفاحش طول» يراد به قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن، ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد «كلام فاحش»، وقيل: إن «الفاحشة» في هذا الوضع معنِيٌّ بها «الزنا» ([1]).

 يقول الإمام القرطبي في تفسيره «والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثر اختصاصها بالزنا».([2])

الفاحشة إذن هي الزنا وجميع مقدماته، ولكنها عندما تطلق في القرآن فغالبًا يكون معناها الزنا الحقيقي، إلا إننا نقصد ها هنا الزنا ومقدماته المُفضيَةِ إليه.

تعريف الفاحشة:

وفي القانون الوضعي يجزِّئ الفاحشة إلى جزاء:

أ- جريمة الزنا: وتعريفه كما جاء في المادة ۱۹۰ من التشريعات الجزائية الكويتية «كل شخص متزوج -رجلًا كان أو امرأة- اتصل جنسيًّا بغير زوجه، وهو راض بذلك، وضبط تلبُّسًا بالجريمة» ([3]).

بينما يُعرَّف الزنا بالإسلام «بأنه وطء رجل من أهل دار الإسلام امرأة مُحَرَّمَة عليه من غير عقدٍ ولا شبهة عقد، ولا مِلْكٍ ولا شبه مِلْكٍ، وهو عاقل بالغ مُختار عالم بالتحريم». ([4])

ب- جريمة المُوَاقعة الجنسية: وهنا يفرِّق القانون الوضعي بين زنا الأزواج وزنا العُزَّاب، من حيث التعريف هي اتصال جنسي بين ذكر غير متزوج أو أنثى غير متزوجة».([5])

ج – جريمة هتك العرض: وهو ما يطلق عليه «الفعل الفاضح المخلُّ بالحياء».

 ويعرِّفه القانون الوضعي «من أتى إشارة أو فعلًا فاضحًا مخلًا بالحياء في مكان عام أو بحيث يراه ويسمعه من كان في مكان عام».([6])

وفي المادة ۱۹۹ «كل من ارتكب في غير علانية فعلًا فاضحًا، لا يبلغ من الجسامة مبلغ هتك العرض، مع امرأة دون رضاها».([7])

د – جريمة التحريض على الفجور والدعارة:

فتعرف كل من حرض ذكرًا أو أنثي على ارتكاب الفجور والدعارة، عن طريق الإكراه أو التهديد أو الحيلة، وكل من يعتمد في حياته رجلًا كان أو امرأة بصفة كلية أو جزئية على ما يكسبه شخص من ممارسة الفجور والدعارة، وكل شخص أنشأ، أو أدار محلًّا للفجور والدعارة، وكل من حرض علنا في مكان عام على ممارسة الفجور والدعارة، وكل من طبع أو باع أو وزَّع أو عرض صورًا أو رسومًا أو نماذج أو أي شيء يخلُّ بالحياء».([8])

خطورة انتشار الظاهرة:

لا شك أن انتشار الفاحشة في كل مجتمع من المجتمعات رهين بأن يحطم ذلك المجتمع بكل ركائزه وأصوله، ونعلم من التاريخ أنه ما من حضارة قامت ثم تحطمت إلا وكان انتشار الفاحشة سببًا رئيسيًّا في زوالها، والأمم الشريفة لم تَزُل إلا عندما انتشرت فيها الفاحشة والإباحية بشتَّى أنواعها، لذلك لم يكن من الغريب أن يستخدم المنظِّرون للماسونية هذا الأمر في تحطيم المجتمعات، وذلك عندما قرروا ذلك في بروتوكولاتهم بأنهم سوف يسيطرون على المجتمعات بنشر التعرِّي والجنس، وسوف يستخدمون بذلك نساءهم، والصحف التي يسيطرون عليها وجميع الوسائل، ذلك لأنهم يعلمون أنه إذا اهتمَّ شباب هذه الأمة أو أي أمَّة أخرى بالجنس فلا يفكرون في أمر آخر، فيسهل بعد ذلك قيادتهم.

__________________________

المراجع

  1. تفسير الطبري – ط المصرية – ۲۱۸/۷
  2. تفسير القرطبي 1452/2.
  3. مجموعة التشريعات الجزائية ص ٧٤
  4. المهذب ٢٦٦/٢ للشيرازي
  5. الهجرة الوافدة – الأمانة العامة لمجلس الوزراء ص 30
  6. مجموعة التشريعات الجزائية ص 5
  7. مجموعة التشريعات الجزائية ص 5
  8. مجموعة التشريعات الجزائية المواد من ۲۰۰ إلى ٢٠٤– ص ٧٧،٧٦
الرابط المختصر :