; ظاهر الفساد في جهاز الشرطة (1 من 3).. خلاصة الخبرة العالمية | مجلة المجتمع

العنوان ظاهر الفساد في جهاز الشرطة (1 من 3).. خلاصة الخبرة العالمية

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1939

نشر في الصفحة 24

الأربعاء 02-فبراير-2011

يتفق الأكاديميون والدارسون لظاهرة «فساد جهاز الشرطة» على أن هذه الظاهرة عالمية لا تقتصر على مجتمع دون آخر، وهي وإن كانت شديدة الظهور في الدول النامية؛ فإنها قائمة أيضًا في الدول المتقدمة، وأنها في حد ذاتها مشكلة اجتماعية مستعصية، هناك صعوبة في تعريفها، وصعوبة في تحديد مداها، وصعوبة أكثر في محاربتها.

وليس هناك من شك في وجود ظاهرة الفساد في العديد من أجهزة الدولة الأخرى غير جهاز الشرطة، ولكن نظرًا لحساسية هذا الجهاز، وما يملكه من سلطة ومن قوة، فإن وجود الفساد بداخله جعله يحظى باهتمام أكبر من الناس ومن أجهزة الإعلام، وخاصة في الدول الغربية الصناعية.

إن الشرطة كجهاز مفوض لخدمة المجتمع، يمنحه المجتمع سلطة لا يمنحها لغيره من الأجهزة، يستطيع رجل الشرطة وفقًا للسلطة المخولة له أن يوقف، وأن يحتجز، وأن يقبض على المواطنين العاديين لأسباب أمنية، لكن المشكلة هنا هي أن بعضًا من رجال الشرطة قد يسيئون استخدام هذه السلطة المخولة لهم، وقد يستخدم بعضهم القوة المفرطة أثناء أدائه لدوره أو اضطلاعه بمسؤوليته، أو يخطئ أخطاء مقصودة أو غير مقصودة، وهذا من شأنه أن يثير أسئلة مهمة حول علاقة رجل الشرطة بالمجتمع، فعند حدوث واقعة معينة فيها خروج عن المألوف يطرح الناس أسئلة عديدة، منها: هل بإمكاننا أن نثق في جهاز الشرطة؟ هل هذه الواقعة مجرد واقعة على السطح أم أن هناك وقائع أخرى غير معروفة ولم نسمع عنها؟ كيف يمكن تصور العلاقة بين رجال الشرطة وكبار المجرمين أو العصابات الإجرامية؟.. إلخ، إن فساد جهاز الشرطة يعني بالنسبة للجمهور افتقاد هذا الجهاز إلى التكامل، وكل هذا من شأنه أن يشكل عائقًا قويًا في العلاقات الجيدة بين الشرطة والشعب.

وينبه الباحثون في الفساد الشرطي من «هونج كونج» إلى الارتباط بين الفساد الشرطي والنظام السياسي، فيقولون: إن دراسة الفساد الشرطي لا يمكن أن تنفصل عن السياق السياسي؛ ذلك لأن الفساد الشرطي هو جزء متكامل من التفاعل بين الصفوة الحاكمة والجماهير، ولهذا يرى بعض الخبراء أن مشكلة جهاز الشرطة الرئيسة تكمن في أن رجاله لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مهنيون بعد أن تم تسييسهم بدرجة كبيرة، وأصبحوا أداة في يد النظام السياسي والقادة السياسيين، فالسياسيون يتحكمون في تعيينهم في المناصب العليا لحماية النظام أساسًا، وعلى حساب المصالح العامة، كما يتدخل السياسيون كذلك في تنقلات ومكافآت وجزاءات الضباط، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام الفساد، طالما أن الجهاز يعمل لخدمة النظام، وذلك على حد رؤية خبراء هونج كونج.

وبينما يرى بعض الناس أن غالبية رجال الشرطة فاسدون، يرى البعض الآخر أن حفنة قليلة منهم هي المتورطة في الفساد، وأن الفساد ليس مرتبطًا برتب معينة، ولكنه ينتشر بين مختلف الرتب، لكن القاعدة كما يرى هؤلاء - هي أننا يجب ألا نحكم على كل جهاز الشرطة بالفساد بسبب انحراف بعضهم.
الواقع أنه قد يصعب معرفة درجة انتشار الفساد داخل الجهاز ذاته، طالما أنه ليس هناك من تقارير تثبت حدوثه، لكن هناك العديد من التحقيقات الصحفية والرسمية فساد تكشف عن وجود في الجهاز الشرطي؛ مما يعطي انطباعًا بأنه شائع، هذا وقد أجرى البروفيسور «بن سميث» في عام ۱۹۹۸م دراسة على ۲۰۰ من محققي الشرطة الأمريكيين، ووجه إليهم سؤالًا مؤداه: هناك مقولة تقول: إن العديد من مسؤولي الشرطة فاسدون.. فهل تؤيد ذلك؟ أجاب جميع المحققين بعبارة: «نعم».

 كما يمثل عدم الانضباط في وحدات الشرطة مشكلة مهمة، وقد سئل المحققون المشار إليهم في الدراسة السابقة سؤالًا مؤداه: هناك عدم انضباط في وحدات الشرطة.. فهل توافق على ذلك؟ أجاب جميع المحققين «نعم» أيضًا. 

والشيء المسلم به هو أن انتشار الفساد في مختلف وحدات الجهاز الشرطي يشكل عائقًا كبيرًا أمام عملها وكفاءتها، كما أنه يقلب أهداف التنظيم الشرطي رأسًا على عقب، ومن ثم يتسبب هذا الفساد في انتشار الجرائم بدلًا من أن يكون رادعًا لمرتكبيها، وقد دفع هذا الأمر بعض الباحثين إلى دراسة مدى ودرجة الفساد داخل جهاز الشرطة.

 وجد الخبراء أن هناك ثلاثة عوامل تحد من قدرة الباحثين على تحديد مدى ودرجة الفساد في جهاز الشرطة.
أولًا: العوامل التصورية:

يضع بعض العلماء تعريفات صارمة للفساد، ويرى أن أي خروج عن التعليمات المقررة في جهاز الشرطة يعتبر فسادًا، لكن المشكلة هنا هي أن هذه القواعد التي يتحتم على رجل الشرطة الالتزام بها كثيرة جدًا، فهناك تعليمات تلزمه بطريقة ارتداء الزي وكيف يخرج من سيارته، وكيف يسأل المشتبه فيهم. وهل يقبل أو لا يقبل دعوة المواطن على شرب فنجان من القهوة مثلًا.. إلى آخر ذلك من التعليمات التي يكون الالتزام بها صعبًا في كل الأوقات، فإلى أي مدى يعتبر سوء تصرفهم في مثل هذه المواقف فسادًا؟

 وهناك من العلماء الآخرين من يعرفون فساد الشرطة بطرق أكثر مرونة من الفريق الأول، فيتغاضى هذا الفريق عن ارتكاب رجال الشرطة لبعض المحظورات طالما أن ذلك لا يصيب أحدا بسوء بصورة مباشرة، أو يتسبب في ظلم الآخرين، ويرون أن مثل هذه الانتهاكات لقواعد الشرطة هي مجرد انحراف عن جادة المهنة، ويستند هذا الفريق إلى العديد من المخالفات التي تحدث في الأجهزة الأخرى للدولة، فبعض العاملين في المصالح الحكومية وغيرها يتجاوزون الفترة الزمنية المحددة لفترة الراحة المسموح بها في العمل، وبعضهم يأخذ أشياء من مواقع العمل من المفترض ألا تخرج من هذه المواقع، وبعضهم يتلاعب بقواعد الإجازات المرضية، ويستخدمها بطريقة غير مناسبة، بعض العمال في بعض المطاعم يتناولون طعامًا دون دفع ثمنه، وكل هذه الأمور لها ما يشابهها في جهاز الشرطة، يعني الخبراء من ذلك أن هناك عدم وضوح في تصور ما يمكن أن نعتبره فسادًا، وما لم يمكن أن نعتبره كذلك.
ثانيًا: العوامل المنهجية:

هناك صعوبة في دراسة مدى الفساد في جهاز الشرطة باستخدام وسائل البحث التقليدية، فقد أوضحت الدراسات في هذا المجال مدى الصعوبة التي يجدها الباحثون في دراسة ظاهرة فساد ضباط الشرطة هناك صعوبة تكمن في عدم ثقة الضباط في هذه البحوث، وهناك صعوبة في الطريقة التي يجيب بها المبحوثون من رجال الشرطة على الباحثين حينما يجيبون عن أسئلة تتعلق بسوء تصرفات رجال الشرطة، تسبب هذه الأسئلة انزعاجًا عند الضباط الشرفاء، ولا ينفتح الضباط الفاسدون في الحديث عنها، والواقع هو أنه من الصعب على الباحثين سبر غور عالم الشرطة والاقتراب من أنشطة رجالها وحياتهم وأمورهم، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالفساد ، هذا بالإضافة إلى قاعدة معروفة في عالم البحث الاجتماعي، وهي أن المبحوثين يغيرون من سلوكياتهم في حضور الباحثين، وبالتالي يصعب عليهم الوقوف على الكثير من المسائل المتعلقة بالفساد، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تحيز في نتائج الدراسة، وعدم إمكانية الحصول على تصور دقيق عما يجري في جهاز الشرطة. 

ثالثًا: العوامل الثقافية:

تحد هذه العوامل من قدرة الباحثين على فهم ظاهرة فساد جهاز الشرطة، والمقصود بالعوامل الثقافية اختلاف معتقدات الأفراد حول السلوكيات المناسبة، وغير المناسبة لرجل الشرطة، فما يعتبره بعضهم سلوكًا فاسدًا، ينظر البعض الآخر عليه على أنه سلوك مقبول، والعكس صحيح.

وهذه أمثلة لبعض السلوكيات الفاسدة في جهاز الشرطة في عدة دول مختلفة:

 في «بنجلاديش»، أظهرت أحد المسوح أن جهاز الشرطة هو أشد أجهزة المجتمع فسادًا، وأشار ثلاثة أرباع المبحوثين أنهم في العام الذي سبق إجراء المسح كانوا قد قدموا رشى لرجال شرطة.

في «بوليفيا»، ارتكبت عصابة إجرامية سلسلة من السرقات المروعة، ثم تبين أن بعضًا من الرتب الكبرى في جهاز الشرطة منخرطون في هذه العصابة.

في «كينيا»، يحتج الطلاب والمتظاهرون دومًا على الفساد في جهاز الشرطة.

في «هايتي»، استأجرت زوجة أحد مسؤولي الشرطة ثمانية رجال لقتل صبي في السابعة عشرة، لمجرد أنه دخل فناء بيتها.

 في «نيومكسيكو سيتي»، ادعى أحد ضباط الشرطة أن شخصًا ما قد صدمه بسيارته وهو يركب دراجته النارية، في محاولة للحصول على تعويض من صاحب السيارة، وساعده في ذلك اثنان من زملائه وشهدا زورًا بصحة الواقعة.

في «جنوب أفريقيا»، ارتفعت معدلات جرائم السرقة والابتزاز من قبل رجال الشرطة، وأصبحت تمثل مشكلة كبرى لهذا الجهاز، وانتشرت ظواهر إطلاق رجال الشرطة سراح المشتبه فيهم مقابل مال يدفعونه لهم، وقبض على العديد من الضباط حصلوا على مبالغ مالية مقابل شهادات كاذبة تفيد بأن رجلًا استخدم سيارته في ارتكاب جريمة.

وفي «الهند»، حكم على رجل شرطة بالسجن اثنتي عشرة سنة بتهمة اغتصاب فتاة قاصر.

وفي «الولايات المتحدة»، هناك قول مقتضاه: «طالما أن هناك رجل شرطة أمريكيًا فهناك فساد».

(*) دكتوراه في علم الاجتماع العسكري- أستاذ مشارك في جامعات عربية وإسلامية. 

مشكلة جهاز الشرطة الرئيسة تكمن في أن رجاله لا ينظرون إلى أنفسهم كمهنيين بعد أن تم تسييسهم بدرجة كبيرة.

دراسات: من الصعب على الباحثين سبر غور عالم الشرطة والاقتراب من أنشطة رجالها وحياتهم الخاصة.

في الولايات المتحدة قول مقتضاه: طالما أن هناك رجل شرطة فهناك فساد

وفي جنوب أفريقيا ارتفعت معدلات جرائم السرقة والابتزاز من قبل رجال الشرطة.. والأمثلة كثيرة

الرابط المختصر :