; ظلم الأقلية للأكثرية! | مجلة المجتمع

العنوان ظلم الأقلية للأكثرية!

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999

مشاهدات 69

نشر في العدد 1359

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 20-يوليو-1999

الغدر بالدولة التي وجدوا فيها الأمن. خيانة الأرمن وترحيب اليهود بجيوش الحلفاء

يتهم المسلمون بالإرهاب فيما 75% من المهاجرين الذين لا مأوى لهم في بلاد الله الواسعة هم من المسلمين.. يتهمون بذلك ودماؤهم لم تجف بعد في البوسنة وكوسوفا وفي كشمير وفي فلسطين.. والحقيقة التي أريد تناولها هنا هي أن المسلمين ظلموا حتى من الأقليات التي حكموها بكل عدل وإنصاف وتركوا لها حرية العقيدة الدينية وسنستعرض هنا بعض الحوادث والنماذج من التاريخ القريب.

الأنموذج الأول: عندما بلغت الجيوش الروسية تحت قيادة الجراندوق نيقولا «شقيق قيصر روسيا» مشارف إسطنبول عقب هزيمة الدولة العثمانية في حربها مع روسيا القيصرية في أوائل عام ۱۸۷۸م عسكرت هذه الجيوش في منطقة «يشيل كوي» التي فيها الآن مطار أتاتورك الدولي. بقيت هذه الجيوش حتى توقيع معاهدة «إستيفانوس» التي فرضت شروطًا قاسية على الدولة العثمانية حتى أن صفوت باشا رئيس الوفد العثماني ووزير الخارجية وقع على هذه المعاهدة القاسية وهو يبكي وقام أحد الرسامين الروس برسم صورة الوزير الباكي ليخلد هذه اللحظة التاريخية.. في تلك الأيام القاسية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية قام وفد من الأرمن على رأسهم البطريرك «نرسيس» بزيارة الجراندوق نيقولا ليطلب منه مساعدة الأرمن فيتشكيل دولة أرمينية في شرقي الأناضول.

 تمت هذه الزيارة في وضح النهار، والغريب أنه ما من أحد حاسب هذا البطريرك على هذا العمل الذي يعد في جميع الأعراف الدولية خيانة عظمى عقوبتها الموت.. لم يحاسبه أحد أنداك. ولم يحاسبه أحد عندما انسحبت هذه الجيوش وغادرت إسطنبول بعد توقيع المعاهدة. ولم يكتف البطريرك بهذا، بل أرسل وفدًا إلى الدول الأوروبية للغرض نفسه. هذا علمًا بأن الأرمن قاسوا في تاريخهم الطويل الويلات من جميع الدول والإمبراطوريات التي وقعوا تحت حكمها مثل إمبراطورية الفرس والبيزنطيين والإسكندر الكبير.. لقد حوربوا في عقائدهم ولغتهم ولم يجدوا طعم الراحة إلا عند المسلمين في العهدالأموي والعباسي ثم في العهد العثماني وعاشوا في سلام مئات الأعوام وكان لقبهم الأمة المخلصة، وكان منهم الوزراء والأعيان والنواب حتى ضعفت الدولة العثمانية فأصبحوا آلة بيد القوى الأجنبية لاسيما روسيا القيصرية.

الأنموذج الثاني: في 13/11/ 1999م دخلت خمس وخمسون سفينة حربية لقوات الحلفاء إلى مضيق البسفور ورست أمام قصر دولمة بغجة وصويت مدافعها نحو قصر الخليفة «22 منها كانت تعود لإنجلترا، و١٢ منها لفرنسا، و۱۷ منها لإيطاليا، و٤ منها لليونان».

 بعد أيام خرج اليهود والأرمن والروم لاستقبال القائد الفرنسي المتعجرف الجنرال «فرانس بيرس» الذي امتطى جوادًا أبيض تشبهًا بالفاتحين العظام واخترق شارع «بك أوغلو» في إسطنبول متوجهًا إلى السفارة الفرنسية دون أن ينسى أن يدوس على العلم العثماني بحوافر جواده.. خرجت الأقليات غير المسلمة فرحة مستبشرة ومرحبة بالغزاة وشامتة بالدولة التي آوتها ومنحتها حرية العقيدة والدين وأعفت أبناءها من الخدمة العسكرية مما ساعدهم على التفرغ للتجارة والصياغة وتكديس الأموال، لقد نسي اليهود كيف أنهم عندما هربوا من القتل والتعذيب الوحشي لمحاكم التفتيش الإسبانية لم يجدوا بلدًا يقبلهم سوى الدولة العثمانية وذلك في عهد السلطان سليمان القانوني ـ.. لقد أنقذت الدولة العثمانية اليهود من القتل ومن التشرد في بلدان العالم التي لهم في كل بلد منها قصة مذبحة، وتعذيب، وإهانة، وطرد.. لقد طردوا منإنجلترا عام ۱۲۹۰م، ومن فرنسا عام ١٣٠٦م ومن إسبانيا عام ١٤٩٣م، ومن روسيا عام ١٨٨١م، وفي سنة ١٤٨٣م خيرهم لويس الثاني عشر ملك فرنسا بين الطرد والتنصر فقام يهود فرنسا باستشارة حاخامي اليهود في إسطنبول في هذه الكارثة فتلقوا منهم الجواب التالي:

«... إن ملك فرنسا يطلب منكم أن تعتنقوا الديانة المسيحية فلبوا طلبه، إذ ليس باقتداركم مخالفته، ولكن احفظوا على الدوام شريعة موسى في قلوبكم وتقولون بأنهم يقصدون الاستيلاء على أموالكم، فاجعلوا أبناءكم تجارًا، فبواسطة التجارة تسترجعون مالكم وتضيفون عليه مالهم، تؤكدون لنا بأنهم يهدمون مجامعكم وكنائسكم فابذلوا الجهد لكي يصير أولادكم كهنة أو إكليريكيين، وهكذا يتسنى لكم أن تهدموا كنائسهم».

 هذه كانت حال الأقلية اليهودية.. هذه الأقلية التي خرجت تستبشر بقدوم جيوش الاحتلال إلى البلد الذي آواهم وأحسن إليهم.

 الأنموذج الثالث: في ١٤/ ٥ / ١٩١٩ وصل قبيل الغروب نبأ صاعق لأهل أزمير «سيدخل الجيش اليوناني إلى المدينة غدًا صباحًا»، وبينما استولى الهم والحزن على المسلمين لحلول مصيبة جديدة عليهم فرحت الأقلية الرومية وبدأت تتهيأ للاحتفال بدخول الغزاة من جيش الاحتلال.

في اليوم الثاني اصطف الروم على جانبي الطريق الذي سيدخل منه جيش الاحتلال إلى المدينة وقد لبسوا أزهى ملابسهم وبدأوا يلوحون بالأعلام اليونانية ويصفقون للمحتلين وهم يهتفون: زيتو فازينالوس... زيتو فازينالوس «كان فازينالوس رئيس وزراء اليونان آنذاك» لا نريد إطالة الكلام، ولكننا نقول باختصار إن هذا الجيش قام في اليوم الأول بقتل الصحفي الشاب «حسن تحسين» ثم قتلوا «العميد سليمان فتحي» ثم «العقيد الطبيب شكري بك»، وبعد أيام قاموا بمذبحة «أزمير» الشهيرة ثم بمذبحة «منمن».

 لا شك في أن هذه الأقلية نسيت كيف أن السلطان محمد الفاتح منح اليونانيين حقوقًا عرفت في التاريخ باسم «الامتيازات الدينية» لا بضغط خارجي ولا تحت تأثير أي قوة، بل بسبب من شهامته وكرمه وتطبيقه لشرع الإسلام الذي يقول ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256) وسمح لهم ببقاء البطريركية اليونانية في الآستانة، ثم منحهم سلسلة من الحقوق الشخصية تتعلق بالزواج والوراثة والتعليم.

 لو قام المسلمون باستعمال السيف والإكراه كما حدث مثلًا في إسبانيا ضد المسلمين، لكانت إسبانيا وجميع بلدان البلقان بلدانًا إسلامية، ولما بقيت هناك أقلية دينية في طول الإمبراطورية العثمانية التي حكمت هذه البلدان مئات السنين. الأنموذج الأخير: أنموذج قبرص:

تعرضت جزيرة قبرص في تاريخها الطويل لسيطرة العديد من القوى المتصارعة كالحيثيين والقبائل الأيجية والآشوريين والرومان والبيزنطيين والبنادقة، والمماليك، والعثمانيين، والبريطانيين.

 هذه الجزيرة بقيت تحت حكم المسلمين منذ أن فتحوها في عهد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- مرورًا بحكم المماليك ثم حكم العثمانيين الذين فتحوها عام ١٥٧١م وبقيت في يدهم ۳۰۷ سنوات بشكل فعلي و٣٥٧ سنة بشكل قانوني.. سنوات الحكم الإسلامي هي السنوات التي ذاق فيها الشعب القبرصي طعم الراحة والحرية، فلم يتعرض أحد لدينهم أو لمذهبهم أو لكنائسهم على عكس ما جرى لهم عندما استولى البنادقة الكاثوليك على الجزيرة، إذ حاولوا إكراه أهلها على تغيير مذهبهم الأرثوذوكسي إلى المذهب الكاثوليكي، وأغلقوا كنائسهم وضيقوا على حريتهم الدينية.

وعندما قامت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليم الثاني ابن السلطان سليمان القانوني، بفتح جزيرة قبرص التي كانت قد أصبحت بؤرة للقراصنة في البحر الأبيض المتوسط في عام ١٥٧١م أعطت الدولة العثمانية الحرية الدينية لجميع سكان الجزيرة كعهدها مع جميع الأديان والمذاهب في الدولة.

ولم تكتف الدولة العثمانية بإعطاء الحرية الدينية للأقلية الرومية في الجزيرة، بل أعادت فتح كنائسهم التي كانت قد أغلقت من قبل البنادقة، وتعمير الكنائس المتهدمة التي لم يكن البنادقة يسمحون للروم بتعميرها طوال حكمهم.

 ليس هذا فحسب، بل أعطت الدولة العثمانيةلرئيس الأساقفة الروم في الجزيرة كل الصلاحيات المدنية وحق تمثيل جماعة الروم، كما أعطت له امتياز إيصال شكاوى الروم إلى القصر السلطاني مباشرة، وهذا أعطى لرئيس الأساقفة قوة سياسية كبيرة، إذ أصبح هو المسؤول الثاني في الجزيرة بعد ممثل الدولة العثمانية.

وصلاحية أخرى مهمة أعطيت للكنيسة الأرثوذوكسية لروم الجزيرة وهي صلاحية القيام بجمع الضرائب من طائفتهم، أي أعطت لهذه الطائفة نوعًا من الحكم المحلي.

بعد كل هذه الصلاحيات والحريات المعطاة للأقلية الرومية في هذه الجزيرة ترى كيف كان جوابها وردها لمن أحسن إليها؟! كان أول جوابها قيامها بعد الثورة اليونانية التي نشبت في اليونان ضد الدولة العثمانية في سنة ١٨٢١م بالمال وبالسلاح، ثم التهيؤ لتنفيذ مجزرة كبيرة لمسلمي جزيرة قبرص في السنة نفسها.

علمًا بأن الروم في تلك السنة «أي في سنة ۱۸۲۱م» لم يكونوا أكثرية في الجزيرة، بل كانواأقلية، ذلك لأنه كان من الطبيعي أن تكون الأكثرية للمسلمين في هذه الجزيرة التي لا تبعد عن تركيا إلا ٦٠- ٧٠ كلم، بينما تبعد عن اليونان ما بين 800-1050 كلم ولا ننس أن الهجرة كانت مستمرة إلى هذه الجزيرة من الأناضول طوال أكثر من ثلاثمائة عام.

ولو رجعنا إلى الإحصائيات والأرقام الأجنبية لرأينا هذه الحقيقة واضحة على الرغم من جميع المبالغات في تضخيم عدد الروم في الجزيرة.

- في عام ١٧٥٤م ذكر القنصل الإنجليزي في حلب و «الذي زار الجزيرة للاطلاع على الوضع العسكري فيها»، أن عدد المسلمين في الجزيرة ١٥٠ ألفًا وعدد المسيحيين ٥٠ ألفًا. أي أن نسبة المسلمين هي 75%.

- جاء في كتاب لرئيس الأساقفة في الجزيرة في عام ١٧٧٤م أن عدد المسلمين في الجزيرة هو ٤٧ ألفًا وعدد المسيحيين ٣٧ ألفًا.

- في عام ١٧٩٠م زار قنصل بريطانيا في حلب الجزيرة فذكر أن عدد المسلمين هو ٦٠ ألفًا وعدد المسيحيين ٢٠ ألفًا أي نسبة المسلمين هي 75%.

هذه الأرقام مع كونها غير دقيقة لأنها تذكر أرقامًا قليلة للعدد الإجمالي للجزيرة، إلا أنها مع هذا تقر أن الأكثرية كانت للمسلمين. ويقول مصدر «روضة الأبرار» إن عدد المسلمين بعد عدة أعوام من الفتح العثماني بلغ «360» ألفًا، وأن عدد المسيحيين كان «120» ألفًا.

ولم تتغير النسبة في الجزيرة لصالح الروم إلا بعد إيجار الجزيرة إلى بريطانيا في سنة ۱۸۷۸م حيث عملت الإدارة البريطانية ما وسعها لتهجير المسلمين منها.

 وعندما أصبح الروم أكثرية في الجزيرة قاموا بمذابح ١٩٦٣- ١٩٦٤م وبمذابح ١٩٦٧م لا نريد إثارة الأحقاد والضغائن، فهذا أبعد شيء عن غايتنا وعن مبادئنا، فنحن كنا سابقًا ولا نزال نقابل الإساءة بالإحسان، وربما كانت الإنسانية مقبلة على عصر أكثر تسامحًا وفهمًا وسيؤدي التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصالات إلى نبذ الكثير من سوء الفهم ومحاولات التشويه وإنما نريد فقط ذكر حقائق تاريخية قد تبدو غريبة وهي قيام الأقليات في بعض الأحيان بظلم الأكثرية وبخيانة الدولة التي وجدوا الأمن والسلام في ظلها.

 كما نريد الإشارة إلى أن أهم صبغة للحضارة الإسلامية هي الصبغة الإنسانية ومعاملتها الإنسانية للأقليات غير المسلمة إلى درجة قد لا يمكن تصديقها أحيانًا.

إنه تصرف أصيل للمسلمين نحو الأقليات لكن هذا التصرف النبيل لم يقابل من قبل الأقليات غير المسلمة إلا بالجحود في كثير من الأحيان.

 وختامًا نقول كما قال الشاعر:

حكمنا فكان العدل منا سجية

فلما حكمتم سال بالدم أبطح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا

  وكل إناء بالذي فيه ينضح.

الرابط المختصر :