العنوان ظواهر مرضية داخل صفوف الحركات الإسلامية
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
مشاهدات 54
نشر في العدد 1217
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
بديهي ألا يكون هناك مجال للاختلاف في أن ولاء المسلم يجب أن يكون لله تعالى ولرسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأن الولاء لأمير أو قائد أو إنسان، مبني على خضوع هذا الولاء بالإطلاق - جندية وقيادة- لله تعالى، وبالتالي احتكام الجميع لشرع الله سبحانه، لقوله جل جلاله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
ومن هنا ربطت الطاعة للقيادة وقيدت بقيود شرعية، جاء التعبير عنها في البيان النبوي القائل: «الطاعة بالمعروف»، و«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، ومن خلال نموذج آخر قدمه الخليفة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- في خطاب الولاية الذي قال فيه: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم». و«إني وليت عليكم ولست بخيركم... فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني».
شرع الله فوق الجميع:
ثم إن الفارق الكبير بين الديمقراطية، وبين «الإسلام» أن الحكم في الديمقراطية للشعب، بينما الحكم في الإسلام لله، من خلال شرعه الذي أنزل ورسوله الذي أرسل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللُه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾، وقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22).
وقدسية طاعة الأمير والقائد في الإسلام مبنية على أساس ولاء هذا الأخير لله، وليست مبنية على اعتبارات شخصية أو وجاهية أو دنيوية أو عائلية أو ما أشبه ذلك. وهذا ما يقطع به قوله عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا، ولو تأمر عليكم عبد حبشي رأسه زبيبة»، وهذا بالتالي يجعل معصية هذا القائد معصية لله ورسوله، مصداقًا لقوله: «من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى الأمير فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله».
وجوب تربية القيادة والأفراد على هذا المفهوم:
إن هذا المفهوم يجب أن تبنى على أساسه شخصية القائد كما شخصية الجنود وشخصية الأمير كما شخصية الرعية، كذلك يجب أن تتشكل من خلال العلاقة بين الفريقين ضمن مناخ الولاء لله وشرعه، وألا تبقى هذه التربية نظريات «مقالة ومكتوبة»؛ لأن الوهم من كل هذا وذاك أن يجري ترجمة هذا المفهوم من خلال الممارسة اليومية للحركة، قيادة وأفرادًا.
من المظاهر المرضية:
هناك ظواهر مرضية كثيرة تكشف الخلل الكبير والانحراف الفادح والتفكير الفاسد والممارسة الشنيعة باسم الإسلام.
مثال رقم (1): بين الوقوع في الغيبة والتأخر عن اجتماع تنظيمي وبين الامتناع عن دفع الزكاة والتخلف عن دفع الاشتراك:
- لا أحد يجهل بأن الغيبة والنميمة وتتبع العورات.. من المعاصي التي حرمها الشرع وحذر منها أيما تحذير.. كما لا أحد يجهل كذلك وجوب احترام الوقت أي الانضباط بالمواعيد، والذي يجري أن نتغاضى عن الحرمة الشرعية الأولى، بينما نعاتب وتعاقب عن الثانية، ثم لا أحد يجهل أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وإخراجها فريضة وفق شروطها وأحكامها، ولكننا لا نتوقف عند من يعطل ركنًا من أركان الإسلام، بينما قد نسقط عضوية فرد من التنظيم بسبب امتناعه عن دفع الاشتراك الشهري (!!).
مثال رقم (2): تخلف عن صلاة الجماعة...وتخلف عن نشاط الجماعة: لا يختلف اثنان على أن التخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر معصية شرعية، بينما حضور أي نشاط من أنشطة الجماعة عمل تطوعي قد يؤجر صاحبه -وبحسب نوع النشاط - ولكنه لا يوزر، والعرف التنظيمي أننا قد لا تتوقف طويلًا عند المعصية الأولى، بينما نشتد في الثانية.
مثال رقم (3): علاقتنا بالمسلمين والناس أجمعين: ولا يختلف اثنان أيضًا على أن المسلم أخو المسلم أحب أم كره. وليس فقط «أعضاء التنظيم».. إن على المسلمين جميعًا أن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وليس فقط «أعضاء التنظيم».. وإن حق المسلم على المسلم «كذا وكذا.. الحديث»، وليس فقط حق «عضو التنظيم على عضو التنظيم».
وفي الواقع المعاش الصورة مقلوبة تمامًا.. فأعضاء التنظيم قد يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، وأن من عداهم خارج عن الملة، وقد يعتبرون شريحتهم الشريحة الناجية، وأن من دونهم على ضلال كبير، وأن واجباتهم تجاه الآخرين مندوبة، بينما هي فيما بينهم فريضة وواجبة -هذا إن وجد- والنتيجة انعزال التنظيم عن المسلمين، ونشوء فرق إسلامية أشد انعزالًا وكراهية للآخرين، كما نسمع ونشاهد في أكثر من مكان، فأين «أم الأولاد» الحركة التي تحنو على أبنائها جميعًا، فلا تقطعهم وإن قطعوها، ولا تكرههم وإن عقوها، وتبقى تحبهم وإن كرهوها..؟.
كان الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله- لا يألو جهدًا في زيارة هذه المؤسسة وتلك، وفي توثيق عرا المحبة بين هذه الجمعية وتلك، وفي اجتذاب الجميع في إطار مشروع الأمة، من خلال «مشروع التنظيم».. وكان استشهاده - رحمه الله - وهو خارج من مقر جمعية الشبان المسلمين.
مثال رقم (4): بدعة الإلغاء والشطب: ولا يختلف أحد على أن التعاون بين المسلمين واجب شرعي، والحفاظ على حرمات المسلمين ودمائهم وأموالهم وأعراضهم من الفرائض والواجبات، فما بال جماعات اليوم يكفر بعضها بعضًا.. ويبدِّع بعضها بعضًا.. ويمكر بعضها ببعض.. بل وصل الأمر ببعض هؤلاء إلى استباحة دماء إخوانهم؛ لأنهم خرجوا من تنظيمهم، وأنشأوا تنظيمات أخرى؟ وما يجري في بعض الأقطار لم يعد خافيًا على أحد... وصدق في هؤلاء قول الرسول الأعظم ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ويلعن بعضكم بعضًا».
ويحضرني في هذا المقام حادثة جرت في بلدي وسمعتها بأذني حين أجرت إحدى الجمعيات الخيرية النسائية انتخابات المجلس إدارتها، ففاز من فاز وسقط من سقط كما هي العادة، وسمعت زوج إحدى اللواتي لم ينجحن في الانتخابات يتهدد ويقول: «سأعمل على شطب الجمعية كلها من وزارة الداخلية».
مثال رقم (5): الحب في الله والبغض في الله: ولا يجهل أحد أن من واجب المسلم أن يحب أخاه المسلم، سواء كان في التنظيم أو خارج التنظيم، وبخاصة إن كان من الملتزمين بالإسلام ومن أهل المساجد والغيرة على دين الله، والمسلم الذي يحمل في قلبه الحب الحقيقي لأخيه في التنظيم لا يمكن إلا أن يحمل نفس الحب لأي مسلم في العالم.. بل إنَّ المسلم يحب الخير والهداية للناس أجمعين، فعندما يحدث الجفاء وتحل البغضاء بين فرد في حركة إسلامية وبين عامة الناس، فهذا دليل على أن قلبه لا يحمل الحب الحقيقي حتى لإخوانه في التنظيم، وإنما القضية قضية تعصب وتحزب.
إن ما جرى ويجري من انشقاقات وصراعات ضمن التنظيمات الواحدة، وبين أبناء الصف الواحد لأقوى دليل على أن الحب الحقيقي لله، والولاء الحقيقي لله والالتزام الحقيقي بشرع الله، لا يزال ضمن دائرة النظريات والفلسفات والشعارات.
هذه نماذج من مئات من النماذج الماثلة على ساحة العمل الإسلامي، وفي إطار معظم الحركات الإسلامية، عرضت لها على سبيل المثال لا الحصر. والتي قد يؤدي تفاقمها وعدم معالجتها إلى بروز صنمية مقنعة باسم الإسلام؟!
من هنا أود أن أقرع جرس الإنذار المبكر، في أذن كل إسلامي، قياديًّا كان أم داعية أو فردًا للمبادرة إلى العلاج: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل