; عاقبة الإصرار.. على الفساد | مجلة المجتمع

العنوان عاقبة الإصرار.. على الفساد

الكاتب العم عبد الله المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1974

مشاهدات 81

نشر في العدد 209

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 16-يوليو-1974

عاقبة الإصرار.. على الفساد درس.. من القرآن الكريم الخوف ونزع النعمة.. وتسلط الهدامين تجرع العصاة كأس الجريمة والجنون لا نضحي بالوطن من أجل الفاسدين عبد الله علي المطوع حضر رجل مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- ولم يلبث أن بادره بقوله «اتق الله يا عمر». فاستنكر بعض الناس هذا القول وقالوا للرجل: ويحك أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ وفي مثل ضياء الشمس حسم عمر بن الخطاب هذه القضية وقال: «لا خير فيكم إن لم تقولوها. ولا خير فينا إن لم نسمعها». فخير الدين والأمة مرتبط بتبادل كلمة الحق.. بين الحاكم والمحكوم. فإذا خافت الأمة أن تقول كلمة الحق.. وإذا ضاق الحاكم بكلمة الحق.. فقد نزع الخير. إن من طبيعة البشر.. الخطأ.. وبقدر حجم المسئولية يكون حجم الخطأ. وحين تقع الأخطاء نكون أمام ثلاثة مواقف. موقف يزين الخطأ، أو يبرره. وهذا غش يؤذي الدين والأمة والحاكم نفسه. موقف يلتزم الصمت، وهذه سلبية من شأنها ترك الأخطاء تتراكم حتى يتعذر علاجها. وموقف يجهر بكلمة الحق. وينتقد ويبذل النصح - وهذا الموقف يعبر عن العلاقة الطبيعية بين السلطة والشعب.. ويعبر عن مشاركــة الشعب مشاركة حقيقية في رقابة السلطة. وتوجيه النصح لها ونحن- بحمد الله في مجتمع أنعم الله عليه بالحرية. وحماه من التسلط والدكتاتورية والقهر. لقد فرطت بعض المجتمعات في حريتها. فجثم على صدرها أناس جعلوا القمع مكان الإقناع والكبت مكان الحوار.. والنفاق والملق مكان الصراحة والوضوح. فوقعت الأمة في حياة مظلمة ملؤها الخوف والشك والتربص فلا ارتاح الشعب.. ولا ارتاح الحاكم. والحرية في عرفنا ليست هي حرية شرب الخمر. ولا حرية الرقص ولا حرية العبث والفساد.. فهذه تسمى «فوضى الغرائز» ولا علاقة لها بحرية العقل. والإرادة والقيم. وبهذا التصور لمعنى الحرية ينبغي أن تستخدم هذه النعمة في الجهر بكلمة الحق.. ونقد الأخطاء. وتدعيم نهضة البلاد بكل فكرة بناءة واقتراح مفيد. وفي ضوء هذا التصور نكتب.. وبهذه النية نخاطب المسئولين. في كلمتنا في العدد الماضـي أشرنا إلى بعض الأخطاء والمفاسد التي تريد أن تطوي المجتمع الكويتي في ظلامها وتعاستها. وفي هذه الكلمة نركز على عواقب هذا الفساد ومضاعفاته. إن القرآن الكريم قد قدم لنا العبرة بمن سبقنا. وعرض علينا نماذج من مصائر الأمم الفاسدة. وإن البلاء الذي نزل بها كان بسبب انغماسها في الفساد: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:40). وإذا كان الله تعالى قد استثنـى أمة محمد -صلى الله عليه وسلم - من عذاب الاستئصال فإن هناك أنواعًا أخرى من العذاب والعقاب. الاضطرابات. الفتن. الخوف الدائم. نزع النعمة. الأفكار الهدامة، والتيارات المخربة كالتي تسلطت على بعض الأقطار العربية. وهو عذاب شديد الوقع.. حاد اللذع.. ينغص العيش ويكدر كل شيء.. ولا يعرف الناس الجهة التي يأتي منها: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام:65). إن الاستقرار الحقيقي، والأمن الراسخ يتمثل في الإيمان باللـه والاستقامة على شريعته والبعد عن ظلم المعاصي وظلامها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:82). إن الذين يتصورون الفساد متعة شخصية مخطئون، فهم - بفسادهم -يعرضون البلاد للمتاعب والبلاء. وما من أمة عاقلة تضحي بنفسها ومقدراتها من أجل الفاسدين فيها. وباستعراض المجتمعات المعاصرة في أوروبا وأمريكا والعالم العربي قادت الأخطاء والانحرافات إلى مشكلات سيئة وخطيرة ومعقدة. جرائم حيرت أجهزة الأمن. أمراض نفسية حيرت علماء النفس ومستشفيات الأمراض العصبية. فوضى جنسية. تخطت كل الحدود. حتى وصلت إلى أن يتزوج الأخ أخته - كما حدث في أسوج - بموافقة الكنيسة والبرلمان.. وحتى وصلت الفوضى الجنسية إلى أن تقر برلمانات أوربية اللواط وأن يتزوج الرجل رجلًا كما حدث في هولندا بعقد أبرمه القساوسة. فقدان للذمة في إدارة الحكم فكثير من الوزراء في بعض الدول باع وطنه من أجل الغواني ولا تزال أنباء ووترجيت تنعي للعالم شرف المسئولية. وأمانة الحكم. في هذه الأجواء المريضة نبتت أجيال ضائعة. اتخذت الفوضى طريقًا والإهمال والاختلاط الهمجي مسلكًا.. والمخدرات غذاء. هذه الانحرافات إنما هي عقاب معجل. وقصاص من الذين أفسدوا والذين رضوا بالفساد.. أو سايروه ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:117). ولا نريد لوطننا أن يرد هذا المصير المخيف. والشعب – كشعب- لا ينقصه الاتجاه إلى إسلامه وربه. فأعماق الناس خيرة. وحاجتهم إلى ربهم قائمة أبدًا، ويلحظ المخلصون - بارتياح - اتجاه الناشئة نحو الدين. وليس من السياسة الحكيمة تجاهل هذا الاتجاه الطيب.. والعريق الأصول في هذه البلاد. وتجاهله يتمثل في التوجيه المنحل، والإعلام الفاسد ومحاولات فرض حياة اجتماعية دخيلة عليه. إننا نعتبر هذه الانحرافات أحجارًا وأشواكًا ترمى في طريق النشء المتجه نحو الدين. ليت الذي لم يكن بالحق مقتنعًا يخلي الطريق فلا يؤذي من اقتنعا وبصراحة.. فلا اليسار الدخيل البغيض. ولا الفاسدون يمثلون الأمة ويعبرون عن اتجاهها. إن تضخم حجم هؤلاء.. وبالتالي محاولة إرضائهم بدفع البلاد في طريق المتاعب والأزمات والفساد.. هذا الموقف يقتضي إعادة نظر تتناسب مع نمو الوعي الديني. وتذمر الناس من الفساد. المسلمون هم أصحاب الوزن الحقيقي في الكويت. ولقد راعى دستور البلاد هذه الحقيقة.. فيجب مراعاتها عند تقرير السياسات وخطة التطبيق.. واختيار أفضل الرجال للمسئولية والعمل. إن يد الإصلاح يجب أن تمتد بالتطهير الشامل في جميع المرافق، والمؤسسات بجد، وإخلاص، وجرأة. فهذا هو الطريق إلى الاستقرار والنهضة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11). وإنني إذ أطالب المسئولين بإجراء إصلاحات جذرية وشاملة وسريعة في هذا الوطن، إنما أفعل ذلك من أجل إرضاء الله وإعلاء كلمته وحماية البلاد مما قد تتعرض له من كوارث ومخاطر نتيجة التآمر الذي بدأت نذره تلوح بالأفق.. وتقترب من تحقيق أهدافها المخربة المدمرة. ولا علاج لحسم هذه الأمور وإيقافها عند حدها سوى النهج السليم الذي يتخذ من الإسلام منطلقه وقوته ومنهج عمله. وكنا وما نزال عند رأينا في أن السلطة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء تملك - دستوريًا وعمليًا -إمكانيات التغيير والإصلاح.. عن طريق إصلاح أجهزة الإعلام.. ومناهج التربية، وتطهير البلاد من مظاهر الفساد والانحلال.. وهي المسئولة الأولى بين يدي الله - عز وجل-عن كل مخالفة شرعية ترتكب في هذا المجتمع المسلم. الذي ينص دستوره على أن دين الدولة هو الإسلام. ألا إن الحكم مسئولية. ألا إن الحكم أمانة. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة:283).
الرابط المختصر :