العنوان عام جديـد يمنح الفرص للتوبة
الكاتب عاطف أبو السعود
تاريخ النشر السبت 16-مارس-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1492
نشر في الصفحة 56
السبت 16-مارس-2002
الهجرة.. نقطة تحول تاريخية دائمة ومناسبة لتجديد الإيمان والحياة
هاجر الصحابة بقلوبهم قبل أبدانهم وفضلوا حب الله والولاء له على حب الوطن والبقاء فيه.
في زمان كثرت فيه الفتن والشهوات تشتد الحاجة للهجرة إلى الله بالطاعة.
ها هو شهر الله المحرم قد أظلنا بنفحاته المباركات وذكرياته العاطرات، ذكرى أعظم حدث من أحداث الإسلام بعد مولد سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، فيه عز الدين، وصار لدولته كيان وأمن المسلمون بعد خوف وتعذيب وافتتان وكثروا بعد قلة وقووا بعد ضعف.
وكلما أقبل هذا الشهر الكريم كل عام أحيا في قلوبنا مشاعر، وجدد ذكريات وساق إلينا أطيب النفحات.
لقد قرن الله تعالى الحديث عن الهجرة في مواضع من كتابه الكريم بالجهاد في سبيله فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218)، كما أشار سبحانه إلى بعض ما يناله المهاجرون في سبيله من أجر عظيم وخير عميم، فقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (آل عمران: 195).
وعندما نتحدث عن هذه المناسبة العظيمة، وهذا الحدث التاريخي الكبير نستحضر بعض المعاني الكريمة، وعلى رأسها معنى التضحية بكل أنواعها، فهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله تعالى قدموا أغلى التضحيات، وتجشموا أصعب المشقات ولولا الله تعالى ثم جهاد هؤلاء الأبرار لما وصل إلينا الإسلام ولما تفيأنا ظلاله الكريمة، ولما عشنا في رحاب تعاليمه وفيوضاته العظيمة.
صور للتضحية
وتتعدد نماذج التضحية وصورها في الهجرة المباركة، وتأتي في مقدمتها تضحية الرسول ﷺ وصاحبه الصديق رضي الله عنه، الذي رفع الله ذكره وأعلى شأنه بفضل هذه الصحبة المباركة وسجل في كتابه الذي يتلى إلى يوم القيامة هذا الموقف الشجاع فقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).
كما نستحضر أنواعاً عدة للتضحية من جميع أبناء المجتمع المسلم، صغاراً وكباراً، شيبة وشباباً، رجالاً ونساء، فأسماء بنت الصديق رضي الله عنها- ذات النطاقين- كانت فتاة صغيرة، ومع ذلك ضحت، وتحملت مشاق خدمة أبيها وصاحبه، وضربت المثل في نصرة هذا الدين بما يعجز عنه كثير من شباب المسلمين اليوم.. وعلي- كرم الله وجهه- كان فتى صغيراً ومع ذلك نام في فراش النبي ﷺ ، ولم يعباً بالسيوف البارقة بأيدي أعداء الله ورسوله الذين يقفون خارج بيته يتحينون الفرصة للانقضاض عليه، وأبو بكر رضي الله عنه جاوز الخمسين ولم يمنعه ذلك من التضحية، وأم سلمة امرأة ضعيفة، ورغم ذلك تحملت المشقة والصعاب وبعد السفر وقلة المؤنة ووحشة الطريق وتحملت فراق زوجها وأبنائها، وتاجرت مع الله تعالى فربحت تجارتها وعلت مكانتها، وحظيت بعد ذلك بشرف عظيم وفضل عميم، إذ صارت إحدى أمهات المؤمنين.
إن هؤلاء الصحابة الميامين والمهاجرين الأولين قد هاجروا بقلوبهم قبل أن يهاجروا بأبدانهم، وفضلوا حب الله تعالى والولاء له على الوطن والبقاء فيه.
وهذا هو الحبيب المصطفى ﷺ يغادر مكة ويودع جبالها ووهادها، وسهولها ووديانها بعينين باكيتين، وقلب حزين من ألم الفراق للبلد التي فيها نشأ وعلى أرضها مشى ومن خيرها طعم، وعلى جبالها أطال التأمل والنظر في الكون، فاختاره الله من بين خلقه أجمعين واصطفاه بالنبوة والرسالة. ها هو يغادر مكة قائلاً: «والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت» (رواه مسلم).
لقد كان هذا الحدث العظيم نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية، لذا حفلت به كتب السيرة والتاريخ، فألقت عليه الأضواء واستخرجت منه الدروس والعبر، غير أنني أود النظر إلى هذا الحدث من زاوية مختلفة.
لقد كانت الهجرة بمعناها الواسع- ولا تزال- تعني الفرار إلى الله، والتخلص من كل ما يعوق السير إليه سبحانه من نفس أو مال أو ولد أو شهوة أو غير ذلك.
الهجرة.. والفرار إلى الله
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات: 50). هذا إذًا أمر دائم بالهجرة إلى الله، والفرار إليه سبحانه، والاحتماء به واللياذ بجنابه. وينبغي أن نعترف بأننا في أشد الحاجة الآن إلى هذه الهجرة، خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الشهوات وتعددت المحبطات وتكالبت الفتن، وضعفت الهمم، وخارت قوى المسلمين إلا من رحم رب العالمين.
فكثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ صفحة جديدة في حياته، ولكنه يقرن هذه البداية المرغوبة، والغاية المطلوبة، بموعد مع الأقدار المجهولة كتحسن في حالته أو تحول في مكانته، وقد يقرنها بموسم معين أو مناسبة خاصة كغرة عام مثلاً أو في رمضان أو بداية أسبوع أو ما شابه وهو في هذا التسويف يشعر بأن رافداً من روافد القوة قد يجيء مع هذا الموعد، فينشطه بعد خمول ويمنيه بعد إياس.
وهذا وهم وخيال، لأن تجدد الحياة والهجرة إلى الله تنبع قبل كل شيء من داخل النفس.
والرجل المقبل على الله، المهاجر إليه الساعي لرضاه الراغب في قربه، لا تخضعه الظروف المحيطة مهما ساءت ولا تصرفه وفق هواها إنه هو الذي يطوعها لتحقيق ما يريد، ويحتفظ بخصائصه أمامها، كالبذور التي تُطمر تحت أكوام التراب ثم هي تشق طريقها إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس ومتغلبة على ما يحيط بها من ظروف، وما يقف في طريقها من معوقات، لقد حولت الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح» (من كتاب «جدد حياتك» للشيخ محمد الغزالي رحمه الله بتصرف). وهذا ما فعله المهاجرون إلى الله تعالى من مكة إلى المدينة، لقد قهروا- بفضل الله وعونه- كل الظروف المحبطة والعقبات المحيطة من خوف وجوع وطول سفر، ووحشة طريق وقلة زاد وحر نهار وظلمة ليل، وقطعوا مئات الأميال على أقدامهم أو على ضوامر مجهدة مكدودة.
احذر التسويف
إن الإنسان بقواه الكامنة، وملكاته المخبأة فيه والفرص المتاحة له قادر على أن يبني- بإذن من الله- حياته من جديد، وأن يهاجر إلى الله تعالى فيعيش في رحابه ويذوق لذة القرب وحلاوة الجوار، وجمال الطاعة.
ولا مكان لتريث.. إن الزمن قد يفد بعون جديد يشد به أعصاب السائرين في طريق الحق، أما أن يهب المُقعَد طاقة على الخطو والجري فذاك مستحيل، فما للمُقعد والمرقاة، وما للأعمى والمرآة!
والسؤال: لماذا لا يطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق والحب، بدلًا من أن يساقوا إليه بسياط من الرهبة والتخويف؟
وأقول لنفسي ولك- أخي الكريم- إن الحاضر الماثل بين يديك، ونفسك هذه التي بين جنبيك والظروف الباسمة أو الكالحة المحيطة بك هي وحدها الدعائم التي يتمخض عنها مستقبلك فلا مكان لإبطاء، ولا مجال لانتظار. قال رسول الله ﷺ «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء
النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». (رواه مسلم).
ثم إن كل تأخير في إنفاذ منهاج تصلح به أعمالك وتعالج فيه أخطاءك لا يعني إلا إطالة الفترة التي تبغي الخلاص منها، وبقاءك مهزوماً أمام نوازع الهوى والتفريط بل قد يكون ذلك طريقاً إلى انحدار أشد وهنا الطامة. وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات نافذة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات القصيرة والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهنات التي تزري به. إن المسلم أحوج ما يكون إلى التنقيب في أرجاء نفسه، وتعهد حياته الخاصة والعامة، بما يصونها من العلل والتفكك والله عز وجل يهيب بالبشر- قبيل كل صباح- أن يبدأوا صفحة جديدة، وأن يخطوا خطوات سديدة مع كل نهار مقبل. إن صوت الحق يهتف في كل مكان ليهتدي الحائرون ويتحرك الواقفون وينشط المتكاسلون، قال رسول الله ﷺ:«إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» (رواه مسلم). (المرجع ذاته بتصرف أيضاً).
إنها لحظة إدبار الليل وإقبال النهار، وعلى أطلال الماضي القريب أو البعيد، يمكنك أن تبني مستقبلك، وعلى دابتك الضعيفة يمكن أن تهاجر فالألف ميل تبدأ بخطوة، وأول الغيث قطرة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 2، 3).
زاد المهاجرين.. الصبر واليقين
أيها المهاجر إلى الله: لا تزعجنك كثرة العقبات، ولا تؤودنك كثرة الخطايا، فلو كانت ركاماً أسود ما بالى الله عز وجل بالتعفية عليه، إن أنت اتجهت إليه قصداً، وانطلقت إليه ركضاً، إن الجحود القديم أو الشيطان الرجيم لا يجوز أن يكون أيهما عائقاً أمام أوبة صادقة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).
إن المسلم وهو يستقبل عاماً هجرياً جديداً لَيحمد الله أن أمد له في عمره، ومنحه فرصة للتوبة والأوبة والندم والعودة. والحق أن الله تعالى لم يرد للناس قاطبة إلا اليسر والسماحة والكرامة، لكن أكثر الناس أبوا أن يستجيبوا لله، وأن يسيروا وفق ما رسم لهم فزاغت الأهواء في كل فج وطفحت الأقطار بتظالمهم وتناكرهم. ومع هذا الضلال الذي خبطوا فيه، وهذا الجهل الذي وصموا به، فإن منادي الإيمان يهتف بهم أن عودوا إلى بارئكم وهاجروا إلى خالقكم وأن تخلصوا من ثقلة الطين والجسد وألقوا عن كواهلكم حب الدنيا وشهواتها، وحلقوا بأرواحكم في سماء الطهر والنقاء والعفة والصفاء. فها هي أبواب الهجرة إلى الله تعالى مفتوحة لمن يريد أن يلج، وها هي يداه مبسوطتان لكل من يريد أن يتوب قال ﷺ :«لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا» (رواه مسلم).
والمقصود أنه لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ إذ أصبحت دار إسلام وليس معنى الحديث منع الهجرة مطلقاً، إذ إن المسلم يهاجر إلى بلاد العالم وأقطار الأرض، يمشي في مناكبها، طالباً للرزق أو ناشراً للعلم، أو باحثاً عن علاج أو غير ذلك من أسباب الهجرة المشروعة، ودواعيها المباحة.
وقال ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (رواه مسلم).
إن القعود والتراخي والتكاسل، والبعد عن الله لن يثمر إلا علقماً، إن مواهب الذكاء والقوة والجمال والمعرفة تتحول كلها إلى نقم ومصائب عندما تُعرى عن توفيق الله وتحرم من بركته وإن الصبر واليقين بوعد الله ونصره، هما خير زاد للمهاجرين إلى الله تعالى.
والمسلمون جميعاً الآن في حاجة ماسة إلى هجرة من نوع خاص، هجرة من المعصية إلى الطاعة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن التناحر إلى التناصر، ومن اللهث وراء الشهوات والملذات إلى السعي لإرضاء رب الأرض والسموات، فهل هم لها مستعدون؟
صبر ساعة ثم تعقبها لذة العمر، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).