العنوان عبدالحليم عويس.. والصحافة الإسلامية
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الأربعاء 01-مايو-2019
مشاهدات 67
نشر في العدد 2131
نشر في الصفحة 64
الأربعاء 01-مايو-2019
أثناء وجوده بالسعودية واصل دوره الصحفي بالكتابة عن القضايا الإسلامية المعاصرة في «الدعوة»
جامعة الإمام ابن سعود وجدت ضالتها فيه ففرغته بصورة شبه كاملة للعمل التحريري والتأليف
بذل جهوداً كبيرة وحقق من خلال الصحافة فوائد عديدة بمجال التعريف بالإسلام والدفاع عنه
في عام 1971م عرّفني الأستاذ أنور الجندي يرحمه الله على مجلة «الاعتصام»، بعد أن قدَّم لها مقالاً لي نشرتْه في صدر صفحاتها، كنت أيامها مشغولاً بالكتابات الأدبية، ومع بداية حكم الرئيس «السادات» وفتح نوافذ محدودة للتعبير عن الشأن العام، ازداد اهتمامي بالقضايا التي يعيشها الوطن وعلى رأسها قضية الحرية, خاصة بعد إعادة إصدار مجلة «الدعوة».
في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، أعيد إصدار مجلة «الدعوة» الناطقة باسم الإخوان المسلمين، وقد شاركت فيها بالكتابة، وكان عبدالحليم عويس رحمه الله يتردد على القاهرة كثيراً قادماً من الرياض أو في طريقه إلى بعض العواصم للمشاركة في مؤتمر أو ندوة، وقد أتاح له ذلك فرصة المشاركة بالكتابة في «الدعوة» المصرية، وكانت إمكاناتها المادية أفضل من إمكانات «الاعتصام»، بالإضافة إلى وجود هيئة تحرير معينة ومستقرة، فحققت فرصة الانتظام في الصدور أول كل شهر عربي، وحققت انتشاراً ملحوظاً أزعج السلطات، فقد شكلت مع «الاعتصام» رأس حربة للدفاع عن الشريعة والدعوة إلى تطبيقها، ورفض مبادرة «السادات» واتفاقيات «كامب ديفيد»، بالإضافة إلى تناول قضايا المجتمع وتبني حقوق الناس والدعوة الإسلامية بطريقة مباشرة.
أما في مجلة «الدعوة» السعودية، فقد وجد عبدالحليم فرصة مواصلة دوره الصحفي والكتابة عن القضايا الإسلامية المعاصرة في أثناء وجوده بالمملكة، وقد أسس «الدعوة» في الرياض الشيخ عبدالله بن إدريس، وهو من أبرز أعلام الأدب العربي الحديث في السعودية، كتب الشعر والنقد والدراسة الأدبية -وكان هواه مصرياً- بالإضافة إلى القضايا العامة وفي مقدمتها قضايا الإسلام، وكان مقر المجلة آنئذ في منطقة الثميري آخر شارع الوزير بمدينة الرياض، وقد صدرت على هيئة صحيفة أسبوعية أولاً ثم تحولت إلى مجلة، وتولى بعده الشيخ سعد الفريان، ثم الأستاذ عبدالعزيز العيسى الذي ما زال مستمراً حتى الآن، وقد تنقّلتْ في أكثر من مكان بعد الثميري، حتى استقرت في مقر فخم شمال الرياض.
الجامعة.. والصحافة
كان عبدالحليم يذهب إلى عمله في جامعة الإمام صباحاً، ثم يواظب على الدوام في «الدعوة» مساء، يساعد في تحريرها، ما بين تناول موضوعات تاريخية وأخرى تتناول القضايا العامة الراهنة، وقد انضم إلى هيئة تحرير المجلة في تلك الفترة صديقنا الراحل د. محمد جاد البنا، الذي كان معاراً إلى وزارة المعارف، ثم انتقل إلى «الدعوة».
بالإضافة إلى ذلك، كانت لعبدالحليم مشاركات واضحة في المجلات الأكاديمية التي كانت تنشرها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأيضاً سلاسل الكتب التي كانت تصدر عنها بالتحرير والتأليف، وقد ترأس تحرير مجلة كلية العلوم الاجتماعية، التي كانت تصدرها الجامعة، ويبدو أن الإدارة الجامعية وجدت فيه ضالتها ففرغته بصورة شبه كاملة للعمل التحريري والتأليف.
وقد كتب عبدالحليم في معظم الدوريات الإسلامية التي كانت تصدر في العالم العربي والإسلامي، كما شارك بالكتابة في مجلة «الأدب الإسلامي» الفصلية.
وقد بذل عبدالحليم جهوداً كبيرة، وحقق من خلال الصحافة فوائد عديدة في مجال التعريف بالإسلام والدفاع عنه، ورد كثير من الشبهات التي لحقت بالإسلام أو التاريخ الإسلامي، ويلاحظ أنه كان يحرص أن يفيد في مقالاته من كتب غير المسلمين لإثبات الوقائع التاريخية التي يربطها بالواقع المعاصر.
ويمكن أن نأخذ مثالاً في هذا المجال فيما كتبه ليكشف زيف اتهام المسلمين بالإرهاب والعنف، وقد اتخذ من احتلال الصليبيين للقدس الشريف دليلاً على الفارق بين المسلمين وسلوكهم الحضاري الذي تمثل في مواقف صلاح الدين الأيوبي، والصليبيين وسلوكهم الشائن انطلاقاً من رؤيته لضرورة أن المقارنات التاريخية بين سلوك المسلمين وسلوك النصارى عبر التاريخ مطلوبة الآن جداً؛ لا لنثبت أننا الأرحم والأرقى والأكثر تسامحاً واحتراماً لحقوق الإنسان فحسب، بل ليعرف إخواننا في عالم النصرانية أنهم عند الحساب الصحيح -بعيداً عن التضليل الإعلامي وتزييف التاريخ- سيخسرون كثيراً، وأنهم -أكثر من غيرهم- هم الذين ضاقت صدورهم بالآخرين، ورفضوا الاعتراف بحقوق الإنسان، وبقيم التسامح والرحمة، ولعلهم بالتالي -وهو الأهم- يعودون إلى الحوار بدل الصدام، ويفتحون صفحة جديدة مع المسلمين والإنسانية كلها، وليراجعوا سلوكهم معنا ومع غيرنا مثل الهنود الحمر في أمريكا، ومع بعضهم بعضاً من خلال ما يسمَّى بحروب المذاهب المسيحية، وما تولد عنها من محاكم التفتيش، ورمْي كل طائفة بالهرطقة واستباحة إبادتها بأرقى الطرق الوحشية.
نموذج من «يوم المأتم»
وقد يلجأ في ثنايا مقالته إلى السخرية ليتفاعل معه القارئ، ويتابع براهينه وأدلته كما نرى في حديثه عن يوم المأتم ودموية الصليبيين:
كان يوم الجمعة الموافق 15 يونيو 1099م (492هـ)، يوماً من الأيام السوداء في تاريخ القدس، كان يوم المأتم بحقّ، أو بتعبيرنا المصري القديم يوم «الجنائز الجماعية»، إنه اليوم الذي كان كل شيء قبله قد انتهى..
فلعدة أيام سابقة كانت جيوش الصليبيين (الباسلة) التي كانت امتداداً لما عرف بحملة الأمراء (لاحظ «الأمراء» فكيف لو كانوا غوغاء؟!) قد اقتحمت أسوار القدس، ودخلتها وقتلت معظم من فيها من السكان، لدرجة أنهم في ساحة المسجد الأقصى قتلوا أكثر من سبعين ألفاً (كما يذكر المؤرخ المسلم ابن الأثير)! وذلك في يوم الجمعة 15 يونيو 1099م (492هـ).
لكن ربما كان ابن الأثير -المسلم- مبالغاً، فلنترك الحديث للمؤرخ الصليبي «وليم الصوري»، يقول «الصوري»: «لقد اندفعوا -أي جيوش الصليبيين- خلال شوارع المدينة مستلّين سيوفهم، وقتلوا جميع من صادفوا من الأعداء، بصرف النظر عن العمر أو الحالة ودون تمييز.. وقد انتشرت المذابح المخيفة في كل مكان، وتكدست الرؤوس المقطوعة في كل ناحية، بحيث تعذَّر الانتقال إلاّ على جثث المقتولين»!
ويقول «الصوري»: «وكان القادة -أي الأمراء!- قد شقوا في وقت سابق طريقاً لهم، وأحدثوا عندما تقدموا قتلاً لا يوصف.. وتبع موكبَهم حشدٌ من الناس؛ متعطش للدماء، ومصمِّم على الإبادة». (طبعاً لا بد أن يكون الغوغاء على دين أمرائهم!).
ويضيف «الصوري» -لا فُضَّ فوه، حاكياً المزيد من الأمجاد الأوروبية المتأمركة حديثاً- قائلاً: «لقد كانت المجزرة التي ارتكبت في كل مكان من المدينة مخيفة جداً، وكان سفك الدماء رهيباً جداً، لدرجة عانى فيها حتى المنتصرون من أحاسيس الرعب والاشمئزاز»!
ويقول: «وعَلِم القادة الآخرون بعد أن كانوا قد قتلوا من واجهوا في الأجزاء المختلفة من المدينة، أن الكثير قد هربوا للالتجاء في الأروقة المقدسة للهيكل؛ ولذلك اندفعوا بالإجماع إلى هناك، ودخلت مجموعة كبيرة من الفرسان والرَّجَّالة قتلتْ جميع الذين كانوا قد التجؤوا إلى هناك، ولم تظهر أي شفقة لأي واحد منهم، وغمر المكان كله بدم الضحايا».
ويكمل «الصوري» الملحمة، قائلاً: «وطاف بقية الجنود خلال المدينة بحثاً عن التعساء الباقين على قيد الحياة، والذين يمكن أن يكونوا مختبئين في مداخل ضيّقة وطرق فرعية للنجاة من الموت، وسُحب هؤلاء على مرأى الجميع وذُبحوا كالأغنام، وتشكل البعض في زُمَرٍ واقتحموا المنازل، حتى قبضوا على أرباب الأسر وزوجاتهم وأطفالهم، وجميع أسرهم وقُتلت هذه الضحايا، أو قُذفت من مكان مرتفع حيث هلكت بشكل مأساوي، وادَّعى كل واحد من المغيرين ملكية دائمة للمنزل الذي كان قد اقتحمه، وذلك إضافةً إلى تملُّك كل ما كان موجوداً فيه»!
ويواصل عبدالحليم مقالته على هذا المنوال ويستشهد بمؤرخ أجنبي آخر هو «أنتوني برج»، ويستعرض مواقف القوى الإسلامية آنئذ، ويستخلص دروس المقارنة التي تفيد المسلمين المعاصرين وخاصة بعد تحرير القدس وخاصة مواقف صلاح الدين الإنسانية المناقضة لمواقف الصليبيين المتوحشة!
استطاع عبدالحليم أن يوظف دراسته في الأزهر ودار العلوم للكتابة الصحفية، فقد ساعدته دراسته الأزهرية على أن يقدم في جريدة «الشرق الأوسط» ما سماه بـ«الملف الفقهي» على حلقات منتظمة، تم جمعها فيما بعد في مجلدات (13 مجلداً) تتناول قضايا الفقه الإسلامي بأسلوب سهل ميسر يضم ما يتعلق بالعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وفقاً للمذاهب الفقهية المشهورة.
أما دراسته في دار العلوم، فقد جعلته يهتم بالتاريخ الإسلامي عموماً وخاصة فترة التاريخ الوسيط التي اقتربت من تخصصه الدقيق، ويقدم مجموعة كبيرة من المقالات ذات الصبغة التاريخية التي تفيد المعاصرين من خلال الدروس والعبر المستخلصة، ومن هذه المقالات:
- «وسقط ملوك الطوائف»، ويتناول أهم أسباب سقوط الأندلس.
- «الوثيقة العمرية في فتح بيت المقدس»، وسر ذيوعها وانتشارها.
- «طارق بن زياد فاتح الأندلس»، يشرح كيف أسلم على يد موسى بن نصير وحسن إسلامه، وكيف تم له فتح الأندلس وتفاصيل المعارك التي خاضها
- «نور الدين.. بطل موقعة حارم الرمضانية»، يتناول كيف انتصر نور الدين محمود على الصليبيين في موقعة حارم سنة 559هـ، مع إشارة إلى نشأته وحبه للعلماء وزهده وجهاده.
- «محمد الفاتح فاتح القسطنطينية»، يوضح كيف استطاع محمد الفاتح السلطان العثماني أحد أكبر قادة الدولة العثمانية فتح القسطنطينية، بعد أن أخذ بالأسباب المؤدية إلى النصر.
- «أسباب سقوط الدولة الأموية»، ويأتي على رأسها قيام الدولة على التوريث منذ نشأتها.
- «من عوامل سقوط العباسيين»، وأخطر العوامل التي أسقطت خلافة العباسيين هو إهمالهم للجهاد.
- «وطوى اليهود آخر صفحاتنا المشرقة»، ويكشف كيف كان رفض السلطان العثماني العظيم عبدالحميد تهويد فلسطين لطمة لم ينس اليهود أن يردوها للخلافة رداً سخياً.
وقد كانت مقالاته الإسلامية والتاريخية أساساً لكثير من كتبه التي ظهرت تباعاً سواء من خلال دار النشر التي أنشأها في القاهرة وسماها دار الصحوة الإسلامية، أو من خلال دور النشر الأخرى التي تعامل معها.>