; عبد الحمید.. شهيد فلسطين الأول الحلقة (2) | مجلة المجتمع

العنوان عبد الحمید.. شهيد فلسطين الأول الحلقة (2)

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أكتوبر-1973

مشاهدات 112

نشر في العدد 170

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 02-أكتوبر-1973

شهيد فلسطين الأول

الحلقة (2)

عبد الحمید

مؤسس الاتحاد أمه نمساوية، وأبوه إنكليزي الميول. 

المحافل الماسونية تحتضن خلايا الانقلاب.

یهود سلانيك يقودون المنقلبين.

بقلم محمد أحمد الراشد

 

إن شهادة شكيب السالفة تثبت أنه سمع الجمهور يقولون بحسن إسلام وإيمان عبد الحميد واصطلاح -الجمهور- يعني: معظم الناس، كما يقال: جمهور الفقهاء، ولم يكن يقصد العامة من الناس الذين هم خلاف الصنف المثقف كما قد يتوهم المبتدئ.

إما أن خلع عبد الحميد حقيقة واقعة وأن معظم الأيادي التي جندت لخلعه كانت أيادي أبناء المسلمين فذلك لا ينهض لأن يقوم دليلاً على صدق كل القبائح التي تنسب إلى عبد الحميد، فإن التاريخ يعرف مثل هذا بكثرة، ولم يك عثمان ابن عفان کعبد الحميد حين قادت الأيدي الخفية جموع أبناء المسلمين والغوغاء لقتله والتمثيل بجثته ورمي جنازته بالحجارة، حتى جندوا الشريف القرشي الساذج، مثل محمد بن أبي بكر الصديق مع الصعلوك التافه البوال على الأعقاب، مثل عمير بن ضابي ليدخلا سوية على عثمان رضي الله عنه، ويفجرا دمه الزكي على نسخة القرآن، وهما يعلمان هجرته ورشده و مصاهرته النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الدعاية السياسية غرتهما والبستهما المنظار الأسود الذي لا تتبين الأعداد من خلاله. 

ومثل هذه الظروف تكررت دومًا، فقتل الخوارج الغوغاء عليا رضي الله عنه، وقتل جند الأتراك المتوكل، والقصص كثيرة. 

وكما أنها كثيرة في تاريخنا الإسلامي فإنها كثيرة أيضًا في تاريخ دول الكفر، حتى رأينا التنكر الشنيع لنابليون ثم رأينا تنكر منظمة الجيش السري لديفول بالأمس القريب، وكلاهما عشق بلاده فرنسا عشقًا ورصد لخدمتها مواهبه.

 فإذا ما جاء حزب مشبوه واستغل أخطاء عبد الحميد وهفواته لتجنيد الناس لخلعه الأمر لا يتجاوز أن يكون قصة مألوفة في التاريخ السياسي القديم والحديث الإسلامي والفكري، وفي كل قصة كانت الغاية تبرر الوسائط، ويفتي المنقلبون أنفسهم بجواز الكذب والمبالغة والخداع والإشاعات في حملتهم الإعلامية المضادة والعاقل يتروى ويتأنى في تصديق كلام الخصوم حتى تثبته أو تنفيه القرائن وشهادات الثقات.

ولقد كانت المسألة الحميدية مسألة فكرية قبل كل شيء، بين حاكم يعتقد الإسلام ويقود معسكراً محافظًا مع ما للناقد المسلم المدقق من ملاحظات انتقادية لحكمه ومعسكره، وبين ساسة تأثروا بمبادئ الغرب ودعايات الماسونية وفلسفات الفرنسيين يريدون إحداث انقلاب فكري في سيرة الدولة العثمانية يتجاوز مجرد خلع عبد الحميد وقد أعلن التاريخ الانقلابي فيما بعد ما أضمره الانقلابيون من ذلك من قبل.

وآخر دليل على صدق كلامنا هو المشاركة الغربية في ملاحقة سمعة عبد الحميد بعد خمسين سنة من نهاية حكمه، يستثيرون ورثة الاتجاهات الانقلابية تلك ويستعبدونهم، من بعد تراخيهم، على ورثة المعسكر الحميدي الذين بدأوا يفيقون ويحاولون إعادة تركيا إلى حكم الإسلام. وتتمثل هذه المشاركة في صورة من صورها بنشر كتاب الدكتور رامزور عن- تركية الفتاة وثورة ۱۹۰۸ -.

ألف الدكتور أرنست أ رامزور، أحد موظفي السفارتين الأميركيتين في تركيا ولبنان، و ترجمه سنة ١٩٦٠ الدكتور صالح أحمد العلي وهو عراقي من شيعة أستاذه المستشرق الانكليزي الشهير جب وممن يعتنق مذاهبه، وقدم له الدكتور نقولا زيادة، وهو مسيحي لبناني من أركان الجامعة الأميركية ببيروت ونشرته باللغة العربية مؤسسة فرتكلين الأميركية وهي إحدى الواجهات العلنية للدائرة الثقافية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كما يعترف الجميع فضلاً عن الراسخين في العلم، والراسخون في السذاجة يقولون آمنا به، کل من عند غربنا.

ومع أن هذا الكتاب يتبنى آراء اعداء عبد الحميد بحماسه ظاهرة ويحاول جهده أن يخفي البد اليهودية والماسونية في الانقلاب، إلا أنه جدير بأن يطلع عليه دعاة الإسلام لما فيه من فلتات لسان تكون للداعية المسلم حججًا لم يفطن المؤلف إلى دورها في فضح الصورة الحقيقية للانقلابيين، سنذكرها ها هنا..

• إلحاد قادة حركة الاتحاد

فرامزور يذكر لنا النص الكامل لأول إعلان وعرض کامل لأهداف جمعية تركيا الفتاة المنشور سنة ١٨٩٥ في جريدة -مشورة-أي-الشورى- التي كانوا يصدرونها في باريس، وفيه قولهم:

- إننا نرغب في العمل لا لخلع الأسرة الحاكمة التي نعتبرها ضرورية لحفظ النظام السليم، ولكن لنشر فكرة التقدم. - (1)

والمسلم الواعي يعرف جيدًا مدلول اصطلاح -فكرة التقدم- هنا وكونه إشارة إلى رغبة تفلت من الإسلام تدل على ذلك سيرة كاتب ذاك الإعلان الأول وأبرز قائد للجمعية خارج تركيا، وهو: أحمد رضا مؤسس الجمعية، وراعيها الأول ورئيس مجلس المبعوثان العثماني بعد نجاح الانقلاب أي البرلمان يقول رامزور:

- لقد كانت أمه نمساوية أما أبوه فكان يعرف باسم: إنكليزي علي بك، نظرًا لميوله للإنكليز وحبه لهم. لقد تثقف أحمد رضا ثقافة حرة. (٢)

كانت فلسفة أوغست كومت قد جذبت إليها أحمد رضا، فأصبح شخصية مألوفة في دوائر الفلسفة الوضعية في باريس، كما صار يسهم أحيانًا في مجلة الغرب، وهي التي كان ينشرها الوضعيون الفرنسيون. (۳)

والظاهر أن أصحاب هذه الفلسفة كانوا يشتهرون بالإلحاد الصريح، فأذعن أحمد رضا لإلحاح أعضاء الجمعية وحذف شعار الوضعيين عن مجلة مشورت لثلا يكون الشعار حجة عند عبد الحميد في التدليل على إلحادهم. (٤)

وحسنة أحمد رضا الوحيدة أنه سنة 1902 لما اجتمع في باريس -أول مؤتمر للأحرار العثمانيين- برئاسة طامع في العرش من أبناء أخوات السلاطين هو الأمير صباح الدين كان الاتجاه السائد الذي أقر ضمن مقررات المؤتمر هو طلب مساعدة الدول الأوربية وتدخلها لمصلحة الشعوب العثمانية فرفض أحمد رضا ذلك واعتبره مسا بالاستقلال مع أن المؤتمرين أهملوا اعتراضه وفاوضوا الدول وحصلوا على وعد صريح بالمساعدة سنفصل ذكره. (5)

وصباح الدين هذا هو ابن عمة عبد الحميد هرب إلى باريس وصار القائد الثاني للجمعية ينافس أحمد رضا والتصق بالأرمن وجمعياتهم وعاونهم وعاونوه كما يذكر رامزور وكان في فرنسا شديد الصلة بالأوساط الكاثوليكية الفرنسية عن طريق قس من قساوستهم اسمه فيش. (6)

وولع ببعض فلاسفة الغرب ولوعا ينم عن بدائية وبساطة في التفكير وفصل رامزور تأثراته الفلسفية هذه مما لا مجال بذكره هنا، ولكننا نذكر حكم رامزور العام عليه حين يقول:

- أن المرء ليميل إلى الاستنتاج بأن حياته الأولى

 في تركية لم تتح له قط فرصة لدراسة بلاده، وأن تربيته قد جعلته أوروبيا أكثر منه تركيا. (۷)

فهذان هما أمثل قائدين في معسكر أعداء عبد الحميد، وأما الانتماءات الفكرية والاجتماعية لبقية القادة فتشكل فضائح أكبر سيمر بها حديثنا تباعًا.

لقد كانت تلك المعركة صورة مشابهة للمعركة الدائرة اليوم بين دعاة الإسلام وخصومهم ممن خدعتهم التربيات الغربية والشرقية وكما أن سلسلة قياداتهم اليوم تمر بميشيل وجورج وقسطنطين ونقولا وبطرس وكلوفيس وأبناء سكنة الحي اليهودي، فإن قياداتهم بالأمس كانت تمر بتلامذة الفلسفة، الفرنسية والأرمن واليهود والبكطاشية واللامتية وأبناء سلانيك.

• حلف مع اليهود

أما اليهود فخبر مشاركتهم في حركة الاتحاد والترقي متواتر مشهور وعلى الأخص يهود الدنمة من سكان سلانيك الواقعة في القسم الغربي من تركيا قرب البحر الأسود.

يقول رامزور:

ربما كانت سلانيك آنذاك أكثر المدن تقدماً في الإمبراطورية العثمانية لأن الأوروبيين في سكانها المنوعين كانوا أكثر من العثمانيين وكان نصف سكانها تقريبًا من اليهود السفارديين الذين لقوا منذ زمن بعيد في تركيا الإسلامية تسامحًا دينياً لم توفره لهم إسبانية المسيحية وفي القرن السابع عشر أسلم عدد منهم مع رئيسهم شبتاي سيوي، الذي اعتبر نفسه مسیح أزمير ثم صاروا يدعون منذ ذلك الحين: الدونمة. (٨)

وسبب إسلامهم يسوقه رامزور فيقول:

 في سنة ١٩٦٦ خير شبتاي سيوي بين الموت والإسلام لا بسبب تعصب ديني مفاجئ أظهره الأتراك، بل لأن احمد كوبر وللو الصدر الأعظم شعر بأنه كان يخلق كثيراً من الخلافات بين اليهود في تركية وقد قبل شبتاي سيوي الإسلام، ثم اتبعه في عمله عدد من أتباعه الذين اعتقدوا أن لعمله غاية ما.

أما كلمة دونمة فمعناها: المبدل لدينه. ويبدو أن هناك أساساً للاعتقاد بأن الدونمة ظلوا متمسكين بدينهم القديم في السر. (٩)

بل إن تمسكهم أكيد فإن الرئيس الثاني لإسرائيل منهم.

ففي مثل هذا الوسط اليهودي ترعرعت حركة الاتحاد بإجماع المؤرخين ودخلها اليهود بكثرة حتى وصل اليهودي السلانيكي، قرة صو، إلى مراكزها القيادية فكان أظهر الأربعة الذين ذهبوا إلى عبد الحميد في قصره وبلغوه قرار الخلع.

يقول شكيب: ذهبت لجنة مؤلفة من عارف حکمت باشا وآرام أفندي من أعضاء مجلس الأعيان، ومن أسعد باشا مبعوث دراج، وفراسو أفندي مبعوث سلانيك، فبلغوا السلطان قرار خلعه. (۱۰)

وفي اسمه هنا خطأ مطبعي طبعت فاء وهي قاف.

والتفت إلى أن العضو الثاني مسيحي وأظنه أرمنيًا.

وهذه الحادثة يثبتها رامزور أيضًا فيقول: 

أما كاراسو الذي أصبح فيما بعد بارزًا في جمعية الاتحاد والترقي فكان أحد أعضاء الوفد الذي نقل إلى عبد الحميد نبأ خلعه سنة ١٩٠٩، وكان عضوًا في البرلمان التركي. (۱۱)

وذكر أنه كان أستاذًا أعظم في المحفل الماسوني المعروف باسم: مقدونيا ريسورتا. (۱۲)

وهنا استعمل المترجم حرف الكاف بدل القاف، والكل واحد. والحقيقة أن المشاركة اليهودية في الحركة قديمة فقد ذكر رامزور أن بعض اليهود حضروا المؤتمر الأول للأحرار العثمانيين المنعقد بباريس سنة ١٩٠٢، وهو حضور قد لا يثير الاستغراب لدى المؤرخ القومي لكون بلاد الدولة العثمانية تضم يهودًا كثيرين، ولكن وعاة المسلمين يعرفون ما يعنيه هذا الحضور اليهودي الذكي مع آخرين من السلج يتراسهم الأمير صباح الدين الذي يصفه رامزور بالسطحية وقلة الثقافة والاطلاع وضحالة الخبرة السياسية، ولا نشك في أن دورًا قياديًا متلفعًا مستتراً قد قام به أولئك اليهود في ذلك المؤتمر.

بل ربما هو أقدم من ذلك ففي الإعلان الذي لخص به أحمد رضا أهداف الجمعية ونشرته مشورت سنة ١٨٩٥ كما أسلفنا ذكر صراحة أنهم يطالبون بالإصلاحات - المصلحة العثمانيين كافة، سواء كانوا يهودًا أو نصارى أو مسلمون. (۱۳)

 فقدم ذكر اليهود وهو تقديم ينم عن شيء واضح. 

وظل التأثير اليهودي على هذه الوتيرة يلاحق الجمعية حتى بعد زوال حكمها حين خسرت الحرب العظمى وهرب أركانها إلى برلين، فيذكر شکیب أن اليهودي الاتحادي مازلياح كان يلازم طلعت باشا رئيس الجمعية في ألمانيا. (١٤)

إذن فهو حضور يهودي دائم، في أول عمل الاتحاديين وفي أوسطه وفي آخره ونهايته ليمنعوهم التوبة التي انتقلت لها أنور باشا فقط..

المكر الماسوني في خدمة الانقلاب

ولعل النفوذ الماسوني كان أكبر حجمًا وأكثر شجاعة على الظهور خلال صفوف الاتحاد والترقي من النفوذ اليهودي الصريح، فالماسونية فن من فنون العمل اليهودية التي يستدرجون بواسطتها من يجعل لأول وهلة من الاسم اليهودي المكشوف.

ويؤكد رامزور مرة أخرى على وجود الأثر الماسوني في عمل الحركة منذ البداية وحتى النهاية، ففي سنة ١٨٨٩ زار المدعو إبراهيم تيمو، الألباني الذي ترأس أول خلية للاتحاد والترقي داخل البلاد العثمانية، محفلاً ماسونياً إيطالياً في برنديري «وتعلم شيئاً كافيًا عن دور الكاربوناري في التاريخ الإيطالي وقد تأثر بتنظيماتها فيما بعد لما قرر أن ينشئ في تركية جمعية سرية تشبهها. (١٥)

ولما تقدم العمل وسرت حركتهم إلى سلانيك كان للماسونية هناك الدور الاول.

يقول رامزور: لم يمض وقت طويل على المتآمرين في سلانيك وهي مركز النشاط حتى اكتشفوا فائدة منظمة أخرى وهي الماسونية إذ لما كان يصعب على عبدالحميد أن يعمل هنا بنفس الحرية التي كان يتمتع بها في الأجزاء الأخرى من الإمبراطورية فإن المحافل الماسونية القديمة في تلك المدينة استمرت تعمل دون انقطاع بطريقة سرية طبعًا وضمت إلى عضويتها عدداً ممن كانوا يرحبون بفكرة خلع عبد الحميد.

لذلك وجدت الجمعية العثمانية للحرية أن المحافل الماسونية في سلانيك تلائم أغراضها بصورة رائعة وعلى ما يبدو أن الجمعية استعملت بعض المحافل أو ربما جميعها لتكون محلات للاجتماع، وضمت كثيرًا من أعضائها واستخدمت الفن الذي نماه الماسونيون في اختبار المرشحين للعضوية. 

ومن المحتمل أيضًا أن عمل الجمعية سار بسرعة تثير التقدير بسبب هذا الاتصال مع ماسونية سلانيك. (16)

ومن المؤكد أنه كان في سلانيك عدد من اليهود، وكان كثيرون منهم ماسونيون وهذا وضع يثير بالطبع كثيرًا من الشكوك وخاصة في نفوس من كانوا يرون في الماسونية محاولة تقوم بها اليهودية العالمية للسيطرة على العالم.

وقد أدى هذا إلى أن عدداً كبيراً من الكتب أن جاز إطلاق هذه التسمية عليها تصور فيها ثورة تركية الفتاة كمظهر آخر لهذه المؤامرة الثوروية العالمية التي يقوم بها الماسونيون واليهود. (۱۷)

ولا ندري لماذا يسميها شكوكًا وهو نفسه يعترف في محل أخر بأن: من أحسن الأمثلة على ذلك هي سيرة عمانوئيل قره صو أفندي لقد كان قرة صو، وهو يهودي من سلانيك أستاذًا أعظم في المحفل الماسوني المعروف باسم مقدونيا ريسورتا، وينسب إليه بعض الفضل في أنه عني بفكرة استدعاء أعضاء تركية الفتاة للاجتماع في المحافل الماسونية. (۱۸)

وهو يعترف أيضًا بأن جميع الذين هربوا إلى باريس دخلوا المحافل الماسونية الفرنسية ماعدا احمد رضا. (۱۹)

ورامزور خلال بحثه هذا يحاول جاهداً أن يخلع عن الأذهان الفكرة المنطبعة في أذهاننا عن الدور الكبير الذي لعبته الماسونية في توجيه حركة الاتحاد والترقي ويحاول إقناعنا بأنه كان دوراً محدودًا لكنه كان أمينا من جهة أخرى فأورد أقوال طائفة من الكتاب الغربيين الذين يخالفونه ويرون دورا أكبر للماسونية ويورد أنه: حتى رجل معروف باطلاعه على الشرق الأدنى مثل سيتون والطسن حمل على القول: أن الأدمنة الحقيقية في الحركية كانت يهودية، أو يهودية مسلمة، وقد جاءت مساعداتها المالية من الدونمة الأغنياء ومن يهود سلانيك، ومن الرأسماليين العالميين أو شبه العالميين في فيينا وبودابست وبرلين وربما في باريس ولندن. (۲۰)

فلنا قناعتنا المؤيدة لواطسون ولرامزور قناعته التي تمليها عليه وكالة الاستخبارات.

وللباطنية دورهم

ولم يكتف المنقلبون بالاعتماد على المساعدة الماسونية اليهودية، وإنما تعدوها إلى الاعتماد على طريقة الدروشة البكتاشية -أو البلطانية- الباطنية الإباحية التي تنتشر في الأناضول، المتفشية في جيش الانكشارية القديم.

ويأتي رامزور بالبراهين على ذلك، وعلى صلة هذه الطريقة المغالية بالماسونية الفرنسية، وصلة رئيسها بالأديب السياسي الفرنسي الماسوني فولتير. (۲۱)

ثم يقول:

ولعل من أسباب تأبيد حركة تركية الفتاة أيضًا أن البكطاشية كانوا يميلون في أمر الخلافة إلى العقيدة الشيعية في الإمامة، مما لا يجعلهم مرتاحين إلى العادات السلطان العثماني. ويرى بيرج أن البكطاشيين أعاقوا سليم الأول في حملته ضد إسماعيل شاه إيران في سنة ١٥١٤ بسبب عطفهم السري على الفرس الشيعة. لذلك قد تكون محاولة عبد الحميد لاستعادة أهمية الخلافة مسئولة إلى حد ما عن إثارة المعارضة البكطاشية. (٢٢) وتبلغ تقریرات رامزور فروة أهميتها حين يقول: ومن المؤكد أن عددًا من أعضاء تركية الفتاة كانوا أعضاء في الطريقة البكطاشية وأن بعضهم كانوا ماسونيين وبكطاشيين في الوقت نفسه ومن هذا الصنف طلعت باشا، ورضا توفيق، وشيخ الإسلام موسى كاظم أفندي. (٢٣)

فأما طلعت فهو قطب حركة الاتحاد أثناء حكمها رئيس الوزراء وأما رضا توفيق فهو فيلسوف الحركة، وموسى كاظم هو الذي أفتى بخلع عبد  الحميد.

ينقل رامزور عن رسالة لرضا توفيق يقول فيها: إن الغالبية العظمى لشيوخ البكطاشية دراويشهم أميون تمامًا غير أن في استانبول ومراكز الثقافة الأخرى عدداً كبيرا من البكطاشية ذوي مكانة سامية وثقافة عالية إنني شخصيًا أعرف بعض الوزراء، ومشيرًا، وسفيراً، وعدداً من القضاة والكتاب والشعراء الخ، واثنين من شيوخ السلام على الأقل، أحدهما موسى كاظم أفندي كان عضوا في وزارة قلعت باشا زعيم لجنة الاتحاد الترقي، وكان مثلي ومثل طلعت باشا، بكطاشيا وأستاذاً ماسونيا في نفس الوقت، فمن الصواب اذا  أصحاب الطريقة البكطاشية كانوا مستعدين عقليًا للترحيب بأية ثورة سياسية وإصلاح اجتماعي يؤيد الحرية التامة للعقيدة وتحسين الإدارة التركية لقد كان بين أعضاء اللجنة الثوروية في استانبول بعض البلطاشية وقد ساعد كافة البلطانيون تقريبا اللجنة على النجاح في تحقيق أهدافها. (٢٤)

وهذه الرسالة التي ينقل منها المؤلف أخذها من رضا توفيق مباشرة سنة ١٩٤٠، يداً بيد كما يفيد هو. (٢٥)

• وأصحاب بدعة اللوم أيضًا

واستمر أعداء الإسلام في تجميع كل من أعطاهم القياد من أعضاء الفرق الباطنية المبتدعة، وجندوا فرقة -الملامتية- في خدمة حركة خلع عبد الحميد. 

وبدعة هذه الفرقة قديمة جداً، يدعو هــــــم الشيطان إلى ارتكاب المحرمات والكبائر، ليتاح لهم أن يتوبوا ويلوموا أنفسهم ويحوزوا فضيلة النفس اللوامة كما يزعمون، ومن هنا جاءهم اللقب ولازالت بقاياهم في الأناضول وأعالي سورية، وعمل الحكم الطائفي البعثي في سورية على تهجير بعضهم إلى دمشق والاستعانة بهم.

يقول رامزور:

إن بورصة لي محمد طاهر بك، وهو أحد أوائل أعضاء جمعية وطن وحريت في سيلانيك، كان عضوًا بارزًا في تلك الطريقة وبعد أن انضم، وبسبب شخصية طاهر بك على التدقيق: ظفر الجماعة المتآمرون بتزايد مهم، حيث أقبل كافة الإخوان الملامتية ينضمون إليها دون تردد، نظرًا لما يكنونه من احترام كبير لطاهر بك. هذه بالطبع قضية تتعلق بالأشخاص، غير أن الملامتية كانت كالبكطاشية حرة لدرجة تكفي لجذب إناس من نوع طاهر بك. لقد كان الناس يعتقدون أن الملامتية كالبكطاشية تعتنق بعض المعتقدات الماسونية. (٢٦)

فكأنهم عرفوا أثم خلع عبد الحميد فاقترفوه لتبلغ النفس اللوامة ذروتها..

 • صورة قبيحة وعصابة مجموعة

وهكذا وضحت صورة المعسكر الإنقلابي....

أقليات حاقدة وباطنيات مشعوذة وماسونيات ماكرة، ويقود اليهود الجميع. ومع كل هذه القرائن التي تكفي لتصديق عبد الحميد فيما ادعاه في رسالته إلى ذكرها الأستاذ سعيد الأفغاني فان كاتب العربي يدعي أن الوثيقة موضوعة وأنها مجرد حديث خرافة وهو -جرياً مع أسلوب الإرهاب الفكري والقومي- يتهم الوثيقة بأنها:

من صنع أولئك الذين يريدون أن يعودوا بنا إلى عهد الاستعمار على أنه عهد خلافة لا عهد استعمار والذين أصبحوا يكتبون هذه الأيام للتشكيك في التاريخ العربي الحديث ورجال اليقظة العربية و يحاولون أن يخلقوا في الذهنية نوعًا من الارتداد إلى تلك الخلفية المظلمة من عهد الاستعمار العثماني.

هكذا كلما برز مخلص ليقول قولة الحق وجهت إليه مثل هذه التهم الرخيصة

إن إنكار الوثائق وإثبات تزويرها في الدراسات التاريخية الوثائقية الحاضرة، لا يتم بمجرد الظن والتخمين والاتهام وإنما باتباع الوسائل العلمية الحديثة في مقارنة الخطوط المدعاة بالخطوط الثابتة لكاتب الوثيقة المدعاة، وإجراء التطبيق، وغير ذلك.

والأستاذ محمد جميل بيهم، الخبير بالتاريخ الحميدي يثبت في مقاله رفض عبد الحميد لعرض اليهود فيقول إنه: رفض رفضًا باتًا ما عرضته عليه الصهيونية العالمية من أموال في سبيل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين.

وأن ما يدعيه عبد الحميد في رسالته من اشتراط الاتحاد والترقي عليه مساعدة اليهود إزاء أحلامهم في فلسطين لا يستدعي حتمًا أن يكون ذلك قولهم له ساعة تبليغهم قرار الخلع وإنما كان من جملة ما ينادون به ويعتقدونه كثمن يؤدونه لليهود مقابل إعانتهم السلانيكية لهم.

وما المانع أن يكون قره صو قد خاطبه بذلك على انفراد، أو مع آرام، أو بحضور الاثنين الآخرين لما بلغوه قرار الخلع؟

إن من عادة اليهود أن يستدرجوا الخصم إلى ورطة فإذا وقع عرضوا عليه الإنقاذ مقابل ثمن، ومن الجائز جدا أن يكون قرة صو قد عرض عليه الاستمرار في الحكم مقابل ليونته إزاء حلمهم في فلسطين..

وأيًا كان فإن العرض اليهودي قبل سنة الخلع ثابت بشكل قطعي أورده هرتزل مؤسس الصهيونية في يوميات مذكراته واعترف برفض عبد الحميد لإغرائهم المالي لقاء مساعدة اليهود في الهجرة إلى فلسطين، ويوميات هرتزل مطبوعة باللغة العربية مشهورة متداولة..

ولا ندري لعل كاتب العربي يتهم هرتزل بالكذب في ذلك لصنع دعاية لعبد الحميد!

إن هذا الأمر أشهر من أن يحتاج إلى إيراد مصادر، وأكبر دليل عليه كون التضيق على هجرة اليهود قد استمر في عهد عبد الحميد كله وفي وقت كان هرتزل يستشفع بقيصر ألمانيا حليف عبد الحميد حين زيارته للقدس ليتوسط له في السماح بالهجرة فلم يسمح، ونشرات مركز الدراسات الفلسطينية تؤيد ذلك، بينما انفتحت لهم الهجرة في عهد الاتحاد.

إن كتب التاريخ المدرسي قدمت إلى أجيال منا تاريخ أمتهم مشوها ومبتورًا حجب عنهم قصة الصفقة اللئيمة التي عرضها عملاء اليهود على السلطان عبد الحميد آخر الخلفاء العثمانيين يفتحون له خزائن المال اليهودية ويسددون كل ما علی دولته من ديون نظير بيع فلسطين وطنًا لليهود! واعتذر رحمه الله عن رفض الصفقة بأن فلسطين ليست من أملاكه الخاصة ليساوم عليها في صفقة بيع وشراء فكان هذا الرفض إبدانًا بالقضاء عليه وعلى كل ما يمثله من خلافة إسلامية..

وتاه خبر الصفقة كلها في ضجيج الأفراح التي ملأت أرجاء وطننا احتفالاً بسقوط الخلافة العثمانية.

وفيما كنا ثملين بنشوة الخلاص من أغلال الاحتلال التركي! كان أولياء اليهود من المستعمرين ورثة ثأر الصليبية، قد تقاسموا فيما بينهم ما سموه:

تركة الرجل المريض..

ودخلت هذه الكلمة في معجمنا التاريخي، السياسي والفكري دون أن تثير فينا أدنى حساسية لدلالتها الخطرة، أو ندري أن الخلافة العثمانية تقرر إسقاطها من يوم أن رفض السلطان أن يساومه عملاء اليهود. (۲۷)

وإلى حلقة ثالثة تتم فيها توضيح ما أشكل على كاتب العربي..

(۱) (۲) (۳) (٤) (٥) رامزور في كتابه: تركية الفتاة ٥٧ - ٥٥ - ٥٦ - ٦٠ - ٩٥

(٦) (٧) (٨) (۹) رامزور ۱۱۲-١١١-١١٩-١٩٤

(۱۰) تعليقات شكيب على تاريخ ابن خلدون- ٣٤٦

(۱۱) (۱۲) (۱۳) رامزور ۲۰۰۲۰۱-٥٧

(١٤) حاضر العالم الإسلامي ٤ -٣٨٠

(١٥) (١٦) (۱۷) رامزور ٥٠- ١٢٣- ١٢٥

(۱۸) رامزور - ۲۰۰ و يحيلنا إلى رثاء لقرة صو نشر في صحيفة التايمس اللندنية يوم ١٩٣٤/٦/٨

(۱۹) رامزور ۱۲۷

(۲۰) رامزور - ۲۰۰ وأحالنا إلى ص ١٣٤ من كتاب واطسن هذا المعنون بـ - ارتفاع الأممية في البلقان.- المطبوع بلندن لسنة ١٩١٧

(۲۱) (۲۲) (۲۳) (٢٤) (٢٥ - ٢٦) رامزور - ۱۲۹- ١٣٠- ١٣١- ٢٠٣- ٢١٨- ١٣١

(۲۷) من مقال قيم للأديبة الدكتورة بنت الشاطئ.

 

الرابط المختصر :