; عدم الانحياز.. إلام انحاز؟! | مجلة المجتمع

العنوان عدم الانحياز.. إلام انحاز؟!

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 612

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 15-مارس-1983

عدم الانحياز..  إلام انحاز؟!

  • محاكمة "إسرائيل" أو قفشة المؤتمر.
  • لعلنا عوضنا بكتلة عدم الانحياز عن سيئة الذكر «الأمم المتحدة».

انتهت قمة عدم الانحياز وصدر بيانها الختامي وقد تسلل جمع من رؤساء الوفود قبل نهاية المؤتمر، ومنهم من غادر في اليوم التالي لانعقاده إما بداعٍ عاجل أو أكثر عجالة أي الملل المتسرب من جراء الكلام الكثير والتنظير الذي لا يُغْنِي ولا يسمن من جوع

وقد عكس بيان القمة الأخير الصبغة الغالبة على المؤتمر التي لا تملك من الوسائل غير الشجب والاستنكار، وحتى هذا قد يأتي باردًا خاليًا من الروح كما برز من خلال النص الذي تحدث عن أفغانستان فقد اكتفى بالتلميح الناعم عن وجوب مغادرة القوى «الأجنبية»، وكأنها ضيف متمنع على الاستجابة لدعوة عشاء!

ولا ريب أن وجود حلفاء روسيا وعملائها الأقربين من أمثال كاسترو وغيره لعبوا الدور الأساسي في هذه اللهجة المخففة جدًّا في الحديث عن الهول السوفييتي الذي يستخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة هناك في حرب من أدنس الحروب

وفي حين دعا المؤتمر لدعم ناميبيا في حركة تحريرها بالمال والسلاح كان المتوقع إن تكون هناك «مساواة» في التوصيات حول أعضاء الكتلة ومن تهتم بقضاياهم، أي أن الدم الإسلامي المُراق هناك لا يستحق العناية والاهتمام المنصب على غيره.

حسنات لا تُنسى

ولكن مما يحمد للمؤتمر ما أتى في ثنايا توصياته من شجبه للسياسة الأميركية في منطقة «الشرق الأوسط»- أعاد الله لها اسمها- وأنه لولا التدخل الأميركي المباشر لما وصل الحال إلى ما وصل إليه هناك

وقد خانت أعضاء الكتلة لباقتهم المعهودة فلم يراعوا مشاعر الحلفاء الحميمين لأميركا في المؤتمر وعلى رأسهم مصر! فأتت الكلمات واضحة غير مستورة، ولا نستبعد أن يكون حلفاء أميركا هم أهل الصياغة لهذا النص فالعهد بهم أن الحياء قد استؤصل من نفوسهم منذ زمان طويل.

و"قفشة" لا بأس بها

نعم هي "قفشة" وتسميتها بما هو دون ذلك جور على الحقيقة، ونعني تلك التوصية الطريفة القاضية بتشكيل محكمة حرب تحاكم "إسرائيل" على جرائمها منذ سنة ١٩٤٨م، ولا ندري هل صدقت وكالات الأنباء في النقل أم تعمدت التحريف لهذا النص! ولكن يبدو أنه أمر صحيح.

ولم تنقل التفاصيل عن شكل هذه المحكمة والمحاكمة وعن قضاتها والمترافعين فيها، وبم ستقضى على "إسرائيل"، وليحصر أعضاء الكتلة الأجِلَّاء أنفسهم في جريمة "إسرائيل" الأخيرة في صبرَا وشاتيلا فماذا هم فاعلون إزاءها في هذه الجريمة؟! فإذا ظهر جدوى الحكم في هذه، فلعلنا نكون قد عُوضنا في سيئة الذكر «الأمم المتحدة» بهذا الفارس الخطير

ولا ندري هل يظن المؤتمر أن هذه الإدانات والمحاكمات مُجدِيَة شيئا في ثني "إسرائيل" عن المُضِيِّ في خططها، أم أن العنتريات العربية أصابت بعدواها بقية الأعضاء بعد هذه العشرِة الطويلة الممتدة من سنة ١٩٥٥ أول مؤتمر إفريقي آسيوي أو من سنة ١٩٦١ على أسوأ تقدير.

وليت كتلة المؤتمر البالغ عددها مائة وواحدًا بعد المائة من الأعضاء تستطيع ولو مجرد الحيلولة دون جرائم "إسرائيل" القادمة! أو الحاضرة مما تمارسه في أوساط أهلينا هناك في الأرض المحتلة، وقد تجاوزنا عنهم في المحاسبة عن كل ماضٍ أن قاموا بهذه والثناء على مواقفهم مُقدًّما وبلا حدود.

أمنيات «عربية» فاتت المؤتمر

كتب أحمد بهاء الدين في مجلة المستقبل العربية الصادرة من باريس في عددها بتاريخ ٥/۳/۱۹۸۳م موضوعًا عن العرب في مؤتمر عدم الانحياز ونبيح لأنفسنا القول بأنه قد تمنَّى أمنيات عريضة تتطلب من الآخرين أن يكونوا أكثر عربية من العرب، ومن العجب أنه زعم أن أمانيه تلك هي أدنى ما يمكن للمؤتمر القيام به، فقد قال بالحرف: إنما الحد الأدنى التنفيذي المطلوب هو أن تحاول إبقاء دول إفريقيا بالذات التي قطعت علاقاتها بـ"إسرائيل" على موقفها هذا، وأن يكون هناك أمل في توسيع دائرة قطع العلاقات مع "إسرائيل" قدر الإمكان بين أكبر عدد ممكن إضافته من دول عدم الانحياز في سائر القارات الثلاث.

ولم تقف أحلام الصحفي اللامع عند ذلك إذ تعداها إلى تساؤل لا ندري مدى جديته في طرحه: «كذلك يتساءل المرء هل يا ترى من الممكن رفع موقف هذه الدول إلى درجة من المقاطعة «الاقتصادية» لـ"إسرائيل" بشكل أو بآخر؟ هذا أمر أعتقد أن علينا أن نحاوله على أي حال ونرى ما يمكن أن نحققه من نتائج».

والنص غير محتاج إلى تعقيب، ولكن هل ضعفت ذاكرة الكاتب الكبير حتى نسي جنسيته المصرية، وإن كان يتظاهر بمناصرة الفلسطينيين إلا أنه مُوَالٍ للنظام في مصر، ولا يفتأ يراهن على اتجاهات حسني مبارك، فهل غابت عن صاحبنا كل مطالب العرب في هذا الوقت ومقررات فاس وتصريحات مبارك ونميري عن وجوب المصالحة مع "إسرائيل"، بل هل يا ترى تفوته إعلانات البضائع "الإسرائيلية" في بلده؟!

أم أن كتاب العرب الكبار استنفذوا الاستهزاء بعقول أُمَّتِهِم فصاروا ينشدون دورًا متسعا فيما وراء حدود بلادهم.

وسباق التسلح

وما فات المؤتمريْن أن يشجبوا سباق التسلح والسُّعار النووي بين شرقي العالم وغربه، ولكن فات المؤتمريْن أن ينبهوا الدولة المضيفة «الهند» إلى ضلوعها في ذلك وأنها حريصة على التفجير الهيدروجيني، في وقت تحُولُ فيه بكل ما يمكنها بین باکستان وبين الإنتاج النووي

وجدير ببلاد «اللاعنف» ورائدة عدم الانحياز الكبيرة أن تنتبه إلى خطورة نهجها وأن تنتهي عما تَنهى الآخرين عنه، إن كانت تؤمن بما تردد وتقول، ولكن أعضاء الكتلة على قدر من الواقعية -فيما نظن- تجعلهم يعرضون عن كل جهد عملي يبذل في هذا السبيل!

في سبيل الأحياء

لو كانت كتلة عدم الانحياز جادة في تحقيق الاستقلال والتخلص من آثار الاستعمار لسخرت جهودها وإمكانياتها في سبيل مرتبط بهذا السبيل، فمن خلال تجاربها الممتدة ما استطاعت أن تفلت من أحابيل الاستعمار مع شجبها لممارساته اللاأخلاقية في كل وقت وزمان، فقد سلمت بمقولاته الاقتصادية والتزمتها واعتنقت فكرها ولم تنتبه إلى ما تجنيه عليها تلك المُسَلَّمَات، فكان أن حصدت السراب، وتدهور حالها عما كان عليه من قبل وبلغت ديونها أرقامًا خيالية تستعصي على معرفة حدودها، فقد أثبتت الإحصائيات أن ديون العالم الثالث بلغت ٦٢٦ مليار دولار، وتكاد كتلة عدم الانحياز تحوز نصيب الأسد من هذا المجموع الضخم.

وأغلب هذا الرقم هو حصيلة الرِّبا المتضاعف على هذه الديون، ولن تستطيع المجموعة غير المنحازة أن تحقق مثالها وهي تعيش أسيرة هذا النموذج الاقتصادي في التنمية، كما أنه ليس في صالحها أن تعتمد عليه وتأمنه..

ولابد لها إن كانت جادَّة في تحقيق الاستقلال أن تبحث عن طريق اقتصادي جديد ينأى بها عن الرِّبا، وفي النظام الإسلامي خير بديل ومُعين لو التزمت به دول الكتلة غير المنحازة من البلاد الإسلامية، ثم عمَّ من خلالها في بقية الأنحاء، وليت المجموعة الإسلامية تفيق لدورها المُرْتَجَى، ولو في هذا المقام

كما أنه لابد من التخلص من نمط التنمية الغربي المتأثر بتجاربه الثقافية والاجتماعية الخاصة.. سواء كان في الصورة الرأسمالية أو الاشتراكية، وقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن النهج الاقتصادي غير منفصل عن نهج المجتمع ولا نهضة لمجتمع تتناقض مناهجه في حيِّز واحد، بل لابد من تناغم النهج الاقتصادي مع النهج السائد العام حتى يتحقق رجاء النمو.

والتسليح

ولا يمكن كذلك للدول غير المنحازة أن تسير في طريقها المراد دون أن تكون لها مصادر سلاحها الذاتي، فهي ما بين مرتبط بالشرق أو بالغرب في هذا مما يجعل عدم انحيازها موضع شك وخطر أيضًا.

فضلا عن المعاناة الاقتصادية التي تسببها لها تكاليف السلاح المتضاعفة، فوِفقًا لما تقوله الإحصائيات كانت مصروفات التسليح للدول النامية في عام 1970م 9,2 بليون دولار ولكن هذا الرقم وصل إلى 2.24 بليون دولار في عام 1979م أي تضاعف قرابة العشر مرات، وفي ذلك من الدلالات ما فيه، فلابد لدول الكتلة أن تتضافر جهودها في هذا السبيل أن كانت جادَّة في مزاعمها حول عدم الانحياز

فهي تعلم أن من شروط عدم الانحياز انتفاء الحاجة إلى الطغاة الكبار لاسيما في مسائل السلاح، وقد تملك هذه الدول من الإمكانيات -التي لا تنتبه إليها- ما يجعلها في غِنًى عن مد يدها للآخرين ولو في أعظم ما يخطر بالبال.

إشارة لا تفوت

كانت أصوات المجموعة العقائدية في المؤتمر هي أعلى الأصوات بلا ريب، فالمجموعة الاشتراكية على وجه الخصوص، كان صوتها صاخبًا لاسيما من خلال كوبا، وقد استطاعت أن تخرج التوصيات بأقل قدر من الخسارة الأدبية بالنسبة إليها وقد نجحت في ذلك -ولا ريب- خصوصًا في ذلك النص المخفف، بل البارد من أفغانستان، فقد خاطب السوفييت في لهجة مخففة تشبه الرجاء أكثر من أن تكون شجبا واستنكارًا.

وبالمقابل كان صوت المجموعة العربية الإسلامية في صورة أقل ما يقال عنها إنها غير متناسبة مع حجمها وكمِّها، وحتى النصوص الصاخبة عن الفلسطينيين ما كانت لتخرج بهذه الصورة لولا مزايدة المجموعة الاشتراكية - ومن لف لفها- عليها.

والدرس الذي تخرج به هو أنه لا وجود في الواقع إلا للأفكار والعقائد.. وأنه ليس في الإمكان أن يذهب العالم كله متسلحًا بمختلف عقائده وأفكاره إلا المسلمون هم الذين يذهبون مجردين من أهم سلاح، سلاح الفكر والعقيدة، يراهنون على تعاطف المجموعة الاشتراكية الطارئ والمؤقت أو كلمات الخبثاء من حلفاء الغرب.

دور ممكن

وما زلنا نقول إنه في إمكان المجموعة العربية الإسلامية أن تكون قطب هذه الكتلة بإسلامها وقد بان أن الحاجة قائمة في أوساط الكتلة لمَنْحَى اقتصادي على الأقل- غير المنحى السائد، ولها أن تقدم النظام الإسلامي، لاسيما أنها تمتلك من وسائل التأثير الأخرى من مال ووزن جغرافي وبشري ما لا يملكه الآخرون ولكن عليها أن تضع في اعتبارها أنه لكي تقنع الآخرين بنهجها فلابد أن تقتنع به هي أولًا! ولتجرب أن تكون اليد العليا ولو مرة!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان