; عدوان اليهود على المسجد الأقصى في "الجمعة اليتيمة" | مجلة المجتمع

العنوان عدوان اليهود على المسجد الأقصى في "الجمعة اليتيمة"

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1983

مشاهدات 55

نشر في العدد 633

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 16-أغسطس-1983

  • (60) ألف مصلٍ يتحدون اليهود بهتاف: «الله أكبر».

  • الحجارة تقابل الرصاص والغاز الخانق في غرف المعتكفين.

  • المنشورات اليهودية تدعو إلى طرد «الغرباء» من «جبل الهيكل».

     يظل الصراع القائم بيننا وبين اليهود في فلسطين صراعًا عقائديًا بكل معنى الكلمة، صراعًا بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، صراعًا أيديولوجيًا فكريًا في الدرجة الأولى، قبل أن يكون صراعًا قوميًا، أو صراعًا على أرض.

     واليهود عقيدة فاسدة مفسدة، اعتمدت على التوراة وهو كتاب محرف، وعلى التلمود وهو كتاب موضوع، وعلى «بروتوكولات حكماء صهيون» وهي دستور اليهودية العالمية التي أفرزت الصهيونية والماسونية والشيوعية، وما من حركة علمانية تناصب المسلمين العداء، إلا وجدنا في جذورها عناصر صليبية تتلقى عن بني صهيون أو تلتقي معهم.

     يقول الدكتور «أوسكار ليفي» (نحن اليهود، لسنا إلا سادة العالم ومفسديه، ومحركي الفتن فيه وجلاديه).

     وأطماع اليهود في السيطرة على القدس، وإجماع الصليبيين في إخراجها من أيدي المسلمين معروفة أيضًا، ونحن لا ننسى المظاهرة الضخمة التي سارت في باريس، يقودها الفيلسوف الفرنسي الصليبي اليهودي اليساري التقدمي «جان بول سارتر» قبل عام 1967م، هذه المظاهرة حملت لافتة واحدة بعبارة واحدة (قاتلوا المسلمين).

     ولعل الاحترام الذي حظي به هذا الفيلسوف من اليسار العربي عند زيارته مصر يوضح طبيعة الصراع وجوهره في المنطقة، وعندما طبعت "إسرائيل" بطاقات معايدة بعد انتصارها على العرب عام 1967م، تحمل عبارة (هزيمة الهلال) بيعت هذه البطاقات بالملايين، وبحماس منقطع النظير في أوروبا الصليبية. 

    وحقد اليهود على الإسلام والمسلمين معروف منذ الرسالة المحمدية، ولقد امتد حقدهم حتى شمل جبريل -عليه السلام- لأنه ينزل بالوحي من عند الله على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فزعموا أن جبريل عدوهم؛ لأنه ينزل بالهلال، والدمار، والعذاب، وهذا ما يمنعهم من الإيمان بمحمد.

     لقد كان اليهود في المدينة يعلمون أن محمدًا رسول الله، وأنه آخر الأنبياء، وأنه بعث للناس كافة، ومع ذلك كادوا له، ونصروا المشركين عليه، وذهب أربعة من خبثائهم إلى قريش يحرضونهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا لهم: أنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قال اليهود -لعنهم الله-: بل دينكم خير من دينه، واغتنم أولى بالحق منه.

      فنزلت فيهم الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (النساء: 51).

     عداء اليهود للإسلام والمسلمين -وهو ما سنبين صورة منه في هجومهم على المصلين في المسجد الأقصى مؤخرًا- ليس جديدًا، بل هو موجود منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام في المدينة، وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة، وتضمن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء، وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير الحرب المريرة التي شنها اليهود -وما يزالون- على الإسلام والمسلمين منذ أربعة عشر قرنًا وإلى اليوم، يتسعر أوارها في أرجاء الأرض جميعًا بطريق مباشر أو عن طريق الأعوان والاتباع الذين ساروا في ركابهم لمصلحة آنية أو فساد في الضمير، أو ضلالًا وتضليلًا، فناصب الإسلام العداء نفر من الناس المحسوبين على المسلمين لسانًا وهوية، ولكن قلوبهم غلف، يخربون بيوتهم بأيديهم، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا.

     قامت "إسرائيل" بدعاوى دينية زائفة، ولم يقل أحد إنها دولة رجعية، بينما النفر الضال المضلل من أبناء أمتنا يتهم كل دعوة لتحرير فلسطين باسم الإسلام بأنها دعوة رجعية، وهذا المصطلح (رجعية) صناعة ماركسية يهودية، تزيف الحقيقة، وتنفر المسلم من إسلامه، بينما هم يتمسكون بدينهم الزائف الحاقد الفاسد. 

     يدخل اليهود المسجد الأقصى عام 1967م؛ فيهتف حاخاماتهم، وقادتهم العسكريون والسياسيون، وجماهيرهم على حد سواء هتافًا واحدًا: «محمد مات خلف بنات، دين محمد ولى وراح» هم يعرفون طبيعة الصراع بيننا وبينهم، أما نحن فكثير منا يرد ببلاهة: صراع طبقي، صراع قومي، تعايش سلمي مع اليهود، ولو قرءوا قرآنهم وسنة نبيهم، ثم قرءوا التوراة المزعومة، والتلمود الموضوع، والبروتوكولات الصهيونية الرهيبة، ثم قرءوا التاريخ، واستقرءوا الواقع المحيط بهم؛ لعاد إليهم وعيهم، وأدركوا حقيقة الصراع مع اليهود، ولتوصلوا إلى طريق الخلاص من كيدهم، ومكرهم، واستعمارهم، وسيطرتهم.

     في يوم الجمعة «اليتيمة» وهي آخر جمعة من رمضان الماضي 28 رمضان 1403هـ، الموافق 8/7/1983م حضر صلاة الجمعة في المسجد الأقصى بالقدس حوالي ستون ألفًا من المصلين، غصت بهم ساحات الحرم الشريف عن آخرها، توافدوا إلى المسجد الأقصى من كافة أرجاء فلسطين المحتلة؛ ليحضروا صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان في أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-. 

     وما أن رأى اليهود المجرمون هذا الحشد الهائل حتى جن جنونهم؛ فتدارسوا الأمر، وقرروا أن يبطشوا بطشهم، وأن يشتتوا شمل المصلين، وأن يقضوا على هذه الظاهرة الإسلامية الإيمانية الجامعة قبل أن تتحول إلى بركان يزلزل كيانهم الدخيل.

     بدأ الجنود الصهاينة يأخذون أماكنهم في بوابات المسجد الأقصى المبارك وبأعداد كبيرة جدًا ومنذ الصباح الباكر؛ لإرهاب الناس، واستعدادًا للبطش،  ولكن المصلين ظلوا مع ذلك يتوافدون على المسجد، ومنذ ساعات الصباح الأولى أيضًا، متحدين اليهود وجنودهم المدججين بالسلاح، والهراوات، وخراطيم الغاز، وقاذفات القنابل الدخانية.

     أدى المسلمون صلاة الجمعة الجامعة في هذا الجو المشحون بالتوتر والقابل للانفجار في أية لحظة، وما أن انتهت الصلاة حتى علت هتافات الجماهير المسلمة بالتهليل والتكبير، فانطلق الرصاص اليهودي الحاقد صوب المسلمين، وضربوهم بالهراوات، وقذفوهم بالقنابل المسيلة للدموع، ورشوا الغاز الخانق في كل مكان، وتهشمت قبة الصخرة المشرفة من طلقات الرصاص التي انطلقت صوب الآيات القرآنية المكتوبة والمزخرفة على جدران القبة.

     وهنا ازدادت ثورة المسلمين، وازدادت هتافاتهم بذكر الله، فلعنوا اليهود المجرمين، وواجهوا الرصاص بالحجارة يقذفونها على الجنود الذين يلبسون الدروع الواقية، أصيب عدد من جنود العدو بجروح، كما أصيب عدد آخر من المصليين العزل، وأغمي على البعض منهم بسبب الدخان، والغاز الخانق. وخرجت مسيرة المصلين الهادرة إلى شوارع القدس رغم كل ذلك في تماسك وإصرار، إلا أن اليهود الجبناء هاجموا المعتكفين في المسجد، وقاموا برش الغاز داخل المعتكف من الباب والنوافذ، وحاولوا إغلاق الباب لقتل من في المعتكف، ولكن أكوام الأحذية على الباب منعتهم من ذلك، ولما ازداد مفعول الغاز تدافع المعتكفون نحو الخارج بحثًا عن الهواء، وعندئذ تلقفهم الجنود المجرمون بالعصي يضربونها على رؤوسهم ووجوههم وأطرافهم ضربًا ينم عن حقد دفين، وتخطيط مسبق، ونية خبيثة، وهتف أحد الجنود وهو يضرب أحد المعتكفين (خلي الله يحميك)، نفس العبارات التي كان يرددها زبانية عبد الناصر، وهم يضربون الإسلاميين في زنازين أبي زعبل، وليمان طره، والسجن الحربي بالقاهرة.

     وكانت الإصابات بين المصلين بالعشرات، نقلوا إلى المستشفيات، وكانت إصابة أحدهم خطيرة حيث ظل في غيبوبة مستمرة لعدة أيام نتيجة إصابته بضربة على رأسه. 

     وهنا توجه مدير الأوقاف الإسلامية العام ورئيس مجلس الأوقاف الشيخ سعد الدين العلمي، ومساعد مدير المسجد الأقصى المبارك الشيخ جميل عبد الرحيم حمامة، ومراقب التوجيه الإسلامي إلى مخفر شرطة الحرم، فتبين لهم أن قائد المخفر (شوشان) يقود بنفسه عملية الهجوم على المصلين، وعندما سأله رئيس مجلس الأوقاف عن المسئول عن إطلاق النار أجاب بكل سخرية واستهزاء: (من الذي أمر بإطلاق الحجارة)؟ 

     واليهود الذين يطلقون على المسجد الأقصى اسم (جبل البيت) شكلوا لجنة تحمل اسم (أمناء جبل البيت)، وزعت منشورًا دعت فيه للتجمهر يوم 19/ 7/1983م«من أجل الصلاة بجانب الباب الغربي لجبل البيت، لكي نعبر في هذا اليوم عن تمسكنا العميق بجبل البيت قلب أرضنا وشعبنا؛ تضامنًا مع الجهود الجماهيرية لإعادة جبل البيت لشعب "إسرائيل"، ولإقامة الصلاة فيه، أقبلوا بجموعكم وجماهيركم، وكونوا شركاء في الجهد الشعبي لإعادة جبل البيت لشعب "إسرائيل"، لتبارك أرض "إسرائيل"».

     وفي منشور آخر يحمل شعارات ثلاثة من المنظمات اليهودية تظهر فيه صورة قبة الصخرة، وساحة الحرم حيث يصلي المسلمون، وفي المنشور العبارة التالية: (أخرجوا الأجانب من جبل الهيكل)، فالمخطط الصهيوني يستهدف تهويد القدس، وإعادة بناء هيكل سليمان، وإقامة مملكة "إسرائيل"، وعليها ملك من نسل داوود، ومملكة "إسرائيل" التي يسعون إليهم تمتد من النيل إلى الفرات؛ أي تشمل كافة البلاد العربية تقريبًا، بينما نحن نغط في متاهات الخلافات المصطنعة التي تغذيها "إسرائيل" بأعوانها، الذين رضعوا لبان الأفكار الشرقية والغربية، فرددوها دون أن يعوها، وتحايلوا على البعد عن الإسلام بشتى الحيل، وزعموا ردحًا من الزمن أنهم إلى فلسطين سائرون، ثم قلبوا لفلسطين ظهر المجني، وأصبحوا إلى "إسرائيل" سائرون، يطلبون منها السماح والمغفرة على طول البعاد، وعلى العصيان والعقوق، ثم يسوقون جماهير المسلمين سوقًا إلى طريقهم المتردي، والمسجد الأقصى يئن ويتوجع، وينادي على أبنائه، والنداء يصم آذاننا، ولكننا في حاجة إلى نخوة المعتصم.

الرابط المختصر :