العنوان عدوان جديد ضد المسلمين في اليونان
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1995
مشاهدات 54
نشر في العدد 1137
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 07-فبراير-1995
• أثينا تنتهك أحكام معاهدة لوزان المتضمنة حق المسلمين في انتخاب المفتي
• في إطار خطة تنظيف البلقان من المسلمين... أثينا تنتهج سياسة التعسف والصهر القومي للأقلية التركية المسلمة
أثبتت اليونان بحكمها الأخير على محمد أمين أغا- مفتي مسلمي اسكيجة- والقاضي بحبسه عشرة أشهر، وذلك في الأسبوع الأخير من شهر يناير الماضي، بزعم قيامه بممارسة الإفتاء دون إصدار قرار من الحكومة اليونانية بذلك، مما يعني انتحاله لصفة المفتي، رغم أنه تم انتخابه مفتيًا من قبل مسلمي تراقيا الغربية عام ١٩٩٠م، وذلك فقًا للمواد ٤٠-٤٢ من معاهدة لوزان ١٩٢٣م، والقرار الصادر بتاريخ ٣ يوليو ١٩٢٠م، والمرقم بـ ٢٣٤٥ ونص علي توظيف المفتين للأتراك في تراقيا الغربية عن طريق الانتخاب، وبتولي الجماعة التركية إدارة الأوقاف المخصصة إيراداتها لتعليم الأقلية. أثبت ذلك الحكم عدم احترام اليونان للمعاهدات الدولية أو للشعوب الإسلامية جميعًا وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وكذلك أثبتت سوء نيتها تجاه المسلمين ليس في اليونان وحدها ولكن في كل البلقان وموقفها المعادي من ألبانيا ومقدونيا ودعمها للصرب ضد المسلمين في البوسنة خير دليل على ذلك.
أبلغ المفتي محمد أمين أغا في تصريحاته لثلاثة نواب أتراك حضروا جلسة محاكمته في دعوى أخرى بمحكمة «أغرينيون»، وتم تأجيلها إلى ٢٣ يونيو المقبل، وهم: مقدر باشي إيمز «نائب الرفاه» عن إسطنبول، وإسماعيل إماسيالي «نائب الطريق القويم» عن كوجالي ومحمد شفيق «نائب الوطن الأم» عن أنقرة. أعضاء لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب التركي أبلغهم حزنه الشديد لما يحدث للأقلية المسلمة التركية في اليونان من انتهاكات دون حدوث ردود فعل بحجم كاف على تلك الممارسات مشيرًا إلى أن الاعتداء عليه كمسلم ومفتي منتخب من جماهير المسلمين يعتبر اعتداء على كل المسلمين.
وقال أماسيالي في المؤتمر الصحفي الذي عقده النواب الثلاث عقب عودتهم من اليونان: إن الـ ١٦٠ ألف مسلم الذين يمثلون حجم الأقلية التركية في تراقيا الغربية باليونان، وفقًا لأحكام معاهدة لوزان يواجهون سياسة صهر قومية والإجبار على الهجرة بسبب الضغوط الاقتصادية والتعليمية والسياسية.
وأبرز مثال على ذلك الحكم على المفتي أغا بالحبس عشرة شهور بزعم اغتصابه منصب المفتي وهو ما نظرته محكمة «الاريسا» علاوة على المحاكمة أمام محكمة أجرينو والتي تم تأجيلها ليونيو المقبل.
وكانت المحكمة قد حاكمت المفتي أغا على أساس اتهامه بممارسة مهام المفتي بناء على اختيار الطائفة المسلمة له عام ١٩٩٠م، وليس بناء على قرار حكومي.
العدالة اليونانية العرجاء
وفي رده على أسئلة صحيفة «ملليت» التركية والمنشورة يوم ١٢\١\ ١٩٩٥م، قال افانجليوس فانيز ليوس- المتحدث باسم الحكومة اليونانية: إن حكومته لا تتدخل في أعمال القضاء، ووصف الحكم ضد أغا بالعادل، مشيرًا إلى أن بلاده تحترم الأقلية وحريتها الدينية، وقال: إن كل الدول تقوم بتعيين المفتي فلماذا نطالب نحن بإجراء انتخابات، ولذلك نعتبر أن قيام أغا بوظيفة الإفتاء بناء على الانتخابات عمل غير قانوني.
مسلسل الانتهاكات اليونانية
والرد على المتحدث الرسمي للحكومة اليونانية لن يأخذ جهدًا خاصة وأنه يتعارض أصلًا مع نصوص معاهدة لوزان التي عقدت في ٢٤ يوليو ١٩٢٣م، والتي تضمنت حقوق الأقليتين: التركية واليونانية في كل من تركيا واليونان بل إن الحكومة اليونانية كانت قد أصدرت قرارًا عام ١٩٤٩م. حول أحقية مجالس الإدارة المشكلة من الأتراك في إدارة مدارس الأقلية القائمة في مدنها وأحقيتها في تعيين موظفيها ومدرسيها أو عزلها منهم، وكان القرار رقم ٢٣٤٥ المؤرخ بـ ٣ يوليو ۱۹۲۰ نص على توظيف المفتين للأتراك في تراقيا الغربية عن طريق الانتخاب وكذلك مديري الأوقاف.
إلا أنه عندما جاء الحكم العسكري اليوناني عام ١٩٦٧م كانت بداية التغييرات فبدأت الحكومة تعيين مديري الأوقاف بعد أن كانت هيئة المتولين تنتخبهم، وتم حل جميع الهيئات التركية عام ١٩٦٨م، ورغم الإطاحة بالحكم العسكري عام ١٩٧٤م، إلا أن السياسة اليونانية تجاه الأقلية التركية المسلمة لم تتغير، وفي ٢٤ ديسمبر ۱۹۹۰م، أصدرت الحكومة قرارًا بمنع المسلمين من اختيار مفتيهم بأنفسهم. إذ قامت الحكومة اليونانية بتعيين محمد شنيك أوغلى مفتيًا على أسكيجة وخلعت بالقوة محمد أمين أغا من منصبه رغم مخالفة ذلك للمواثيق الدولية التي وقعت اليونان عليها، مما أدى إلى عقد اجتماع مفتوح يوم ٢٣ أغسطس ۱۹۹۰م، لمناقشة القضية وتقرر مواصلة الاعتصام إلى أن يتم إعادة المفتين الذين تم انتخابهم من جانب الأقلية التركية إلى مناصبهم.
وصدرت بيانات من اتحاد المدرسين الأتراك في تراقيا الغربية واتحاد أسكيجة التركية ونقابة خريجي التعليم العالي واتحاد الشباب التركي في جو ملحينه تؤكد بأن إجراءات التعيين التي قام بها النظام اليوناني في وظائف الإفتاء التي هي مؤسسات دينية للأقلية التركية في تراقيا الغربية تعتبر خرقًا للحقوق التي كفلتها معاهدة لوزان
وكان محمد أمين أغا- مفتي أسكيجة . قد حصل على أغلب الأصوات من بين المرشحين من جانب الأقلية التركية عقب صلاة الجمعة في ١٧ أغسطس ۱۹۹۰م، وعندما طرد من وظيفته بالقوة من جانب الشرطة اليونانية اجتمعت تحت رئاسته هيئة الموظفين الدينيين في أسكيجة يوم ٢٦ أغسطس ۱۹۹۰م، وتقرر في الاجتماع إغلاق جوامع اسكيجة لمدة ١٥ يومًا للمرة الأولى منذ قرون، وأيدت هيئة رجال الدين في جوملحينه القرار وأعلنت عن تنفيذه لديها وصدق على القرار اللجنة التنفيذية للمجلس الأعلى للأقلية التركية في 31/8/1990م.
وفي محاولة لجلب تأييد دولي للمفتي المعين محمد أمين شنيك أوغلي دعا القنصل الأمريكي في سلانيك إلى دار الإفتاء في أسكيجة، إلا أنه بسبب ردود الفعل القوية من الأقلية التركية قام مساعد القنصل الأمريكي كولنيس بزيارة محمد أمين أغا.
ورد حامد الفايد- الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي- على محاولات اليونان لإقناع الدول الإسلامية بأن تعيين المفتي لديها يتم مثلما هو حادث في تلك الدول، قائلًا في مذكرة باسم العالم الإسلامي أنه ينتظر في أقرب وقت إعادة الحقوق القومية والدينية المهضومة للأتراك المسلمين في تراقيا الغربية والسماح للمفتين المنتخبين بإرادة المسلمين الحرة أن يعودوا إلى مناصبهم في الإفتاء.
وينص الحكم الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ ٢٤ / ١٢ / ١٩٩٠م حول وظيفة المفتي عن طريق التعيين وليس عن طريق الانتخاب أن المسئول المكلف بتعيين المفتي هو رئيس الدائرة المعنية بشئون الأقلية في "قوله" والتابعة لوزارة الخارجية اليونانية، كما ينص على أن المحافظ هو المخول عند شغر منصب المفتي بتعيين من ينوب عنه.
وتطبيقًا لهذا الحكم يظل جمالي ميتشو الذي عينته الحكومة اليونانية عام ١٩٨٥م مفتيًا لجوملحينه لعشر سنوات أخرى على الأقل، ولم تقبل الأقلية التركية هذا المفتي المعين مثله مثل المفتي محمد أمين شنيك أوغلي.
وأرسل الزعماء الدينيون والسياسيون الممثلون للأقلية التركية في تراقيا ورؤساء الجمعيات والاتحاد ومديرو الأقضية الأتراك في محافظتي أسكيجة ورودب وكذلك أعضاء المجالس البلدية في أسكيجة وجوملحينه خطابًا إلى البرلمان اليوناني في ١٧ يناير ۱۹۹۱ أكدوا فيه أن تنفيذ ذلك القرار سيكون عاملًا لخلق مشاكل جديدة في المنطقة وطالبوا بإعادة القانون رقم ٢٣٤٥ لسنة ١٩٢٠م.
ومن السرد التاريخي السابق يتضح أن الحكومة اليونانية كانت وراء الحكم الصادر في حق المفتي المنتخب وأنها تنتهج سياسة تعسف وصهر قومي للأقلية المسلمة التركية بمحاولة إخضاعها للقوانين اليونانية لتنسخ بذلك أحكام معاهدة لوزان وفي حالة تحقيقها ذلك دون ردود فعل عالمية وإسلامية ضاغطة فإنها ستتجه مع الصرب لتنفيذ خطة تنظيف البلقان من الأقليات المسلمة خاصة وأنها لا تهتم بإدانة منظمات حقوق الإنسان لممارستها ضد الأقلية المسلمة ولا تعبأ بتقارير وزارة الخارجية الأمريكية التي تنتقد السياسة اليونانية ضد مسلمي تراقيا الغربية «تقرير ۱۹۹۱»، ولا بالقرار الأمريكي بتخفيض قيمة المساعدات الأمريكية لليونان بنسبة25 %٢ «موازنة ۱۹۹۵م»، بسبب الممارسات اليونانية، مما يعني أن الأهداف اليونانية أهم من الانتقادات الدولية أو تخفيض قيمة المساعدات لأن الأولى لن تتعدى صفحات التقارير، والثانية لا أهمية لها، خاصة وأن العلاقات التجارية الدبلوماسية مع العالم الإسلامي تمضي على قدم وساق دون أي تأثير يذكر رغم أن الممارسات اليونانية ضد الأقلية التركية المسلمة مستمرة منذ أكثر من ١٠ سنوات.
أما موقف تركيا الذي لا يخشى منه المتحدث الرسمي باسم الحكومة اليونانية فلم يتعد المناشدات بالإفراج عن المفتي مثلما فعل الرئيس دميريل عندما أرسل خطابًا إلى نظيره اليوناني قسطنطين كرافليس . كما أعلن يوم ۱۲\۸\١٩٩٥م- يطالب فيه بأن تكون الأقليتان: التركية واليونانية جسرًا للصداقة فيما بين البلدين راجيًا إخلاء سراح المفتي محمد أمين أغا للتدليل على ذلك.
رغم أن تركيا يمكنها الرد بالمثل ومحاكمة بطريرك الروم الأرثوذوكس الذي يقوم بتحركات مريبة بهدف إقامة فاتيكان أرثوذوكس في اسطنبول ولدى أنقرة الكثير من الوثائق التي يمكنها من خلالها توجيه اتهامات دامغة لا محل للشك فيها، وكذلك التدخل في شئون الأقلية الدينية اليونانية وتعيين رجال دينها أسوة بما تفعل اليونان، إلا أنها بالطبع تخشى رد الفعل العالمي أثر ذلك، رغم أن البطريرك يقوم بما يتعارض مع الأمن القومي التركي.
وقال المفتي أغا في نداء للعالم عبر المجتمع بواسطة مصادرها في تراقيا الغربية أنه يحبس من أجل دفاعه عن الحرية الدينية للأقلية التركية تلك الحرية التي تداس بأقدام اليونانيين الذين لا يحترمون مطلقًا كافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعوها. وطالب العالم الإسلامي باتخاذ موقف إيجابي ليس من أجله ولكن من أجل الأقلية المسلمة التركية في اليونان وحقها في اختيار زعامتها الدينية مثلما تفعل الأقلية اليونانية في تركيا.
فهل يلبي العالم الإسلامي النداء أم يكتفي حكامه بالصمت وشعوبه بالدعاء والشجب والتبرع إلى أن يتم تفريغ أوروبا من المسلمين الصامدين منذ تراجع نفوذ الدولة العثمانية لنشاهد كل يوم أندلسًا جديدة دون حراك إيجابي مكتفين بحركة الدموع والغضب المكبوت .