; عرفات وحماس.. اللقاء أم المواجهة؟ | مجلة المجتمع

العنوان عرفات وحماس.. اللقاء أم المواجهة؟

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1993

مشاهدات 72

نشر في العدد 1068

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 28-سبتمبر-1993

بعد توقيع الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني الأخير بخصوص غزة وأريحا، بات الحديث عن اندلاع حرب أهلية ومواجهات فلسطينية بين المؤيدين والمعارضين يحظى باهتمام مختلف الأوساط الإعلامية والسياسية، ليس في الساحة الفلسطينية فحسب، وإنما في الساحة العربية والدولية، وقد كان الاهتمام غير الطبيعي الذي أولته وكالات الأنباء المختلفة للمعلومات التي تحدثت عن توقيع اتفاق مشترك بين معتقل حركتي حماس وفتح في السجون حول تجنب اللجوء إلى الاقتتال الداخلي، كان ذلك دليلًا واضحًا على الحيز الكبير من الاهتمام الذي تحظى به تلك القضية

ولعل أهم الأسباب التي دفعت تلك الأوساط إلى التركيز على شبح اندلاع المواجهات بين الفلسطينيين، هو أن قطاع غزة المحتل والذي يتوقع أن يشكل وفق الاتفاق الأخير مركز الحكم الذاتي كان هو المكان الذي اشتعلت منه شرارة الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال، كما أنه يشكل في الوقت نفسه معقل القوى الفلسطينية المعارضة، وفي مقدمتها حركة حماس التي تحظى فيه بوجود كبير على مختلف المستويات الجهادية والسياسية والشعبية.. كل ذلك دفع المراقبين إلى التساؤل عن احتمالات مواجهات قادمة بين حركة حماس وبقية القوى الفلسطينية المعارضة وبين مؤيدي ياسر عرفات وسلطة الحكم الذاتي.

فالجانب الإسرائيلي الذي يتفق الجميع على أنه سيكون المستفيد الأول من أي اقتتال فلسطيني لعب دورًا مكشوفًا في التحريض والدفع بهذا الاتجاه، والمتابع لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين يلحظ حجم الاهتمام والتحريض الإسرائيلي بشكل مباشر وغير مباشر.

فقد اعتبر وزير البيئة الإسرائيلي يوسي ساريد أن منظمة التحرير الفلسطينية قد أصبحت هي الحليف الرئيسي لإسرائيل في المرحلة القادمة في مواجهة الأصوليين الإسلاميين في حركة حماس، أما الباحث الإسرائيلي الدكتور ماتي شتاينبرغ فقد اعتبر أن حركة حماس تشكل عدوًا مشتركًا للمنظمة و«إسرائيل» وتوقع أن يقوم تعاون استخباري في اتجاه مقاومتها لأن الجانبين بذلا جهدًا لإخراج الاتفاق ولهما مصلحة مشتركة ضد العدو المشترك

الانتفاضة.. هل تكون صاعق التفجير؟ 

فقضية استمرار فعاليات الانتفاضة وعلى رأسها العمليات الجهادية ضد الاحتلال الصهيوني، ستشكل قضية خلافية في غاية الدقة والسخونة بين عرفات ومؤيديه في الأراضي المحتلة -بشكل خاص في حركة فتح- وبين القوى الفلسطينية المعارضة وفي مقدمتها حركة حماس. ففي الوقت الذي تؤكد فيه حماس أن فعالياتها الانتفاضية والعمليات الجهادية لكتائبها ضد قوات الاحتلال ستستمر في جميع الظروف والأحوال وحتى في ظل سلطة حكم ذاتي فلسطينية، فإن ياسر عرفات قد تعهد بشكل رسمي وأمام العالم أجمع في اعترافه بالكيان الصهيوني، بأنه سيعمل على وقف الانتفاضة التي وصفها بأعمال العنف والإرهاب.. فقد جاء في نص اعتراف منظمة التحرير بالعدو الإسرائيلي «أن منظمة التحرير الفلسطينية تتخلى عن الإرهاب وعن أي عمل من أعمال العنف (الانتفاضة) وستتحمل المسؤولية بالنسبة لكل عناصر وموظفي منظمة التحرير الفلسطينية، وتتعهد بتدارك أي انتهاك لهذه التعهدات، وباتخاذ إجراءات تأديبية ضد أي مخالف لها».

ولا شك أن التعهد السابق يشير بشكل واضح إلى التحدي الذي ستشكله الانتفاضة لمختلف الأطراف، فوزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز أعلن أن وقف العنف الذي اشترطت «إسرائيل» أن يتضمنه نص الاعتراف الفلسطيني يشمل الانتفاضة، وأنه يشمل كل شيء بما في ذلك رمي الحجارة.

كما أن نائب وزير الدفاع الإسرائيلي مردخاي غور قد هدد بإعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني إذا ما عجز الفلسطينيون عن تنفيذ الاتفاق المبرم بين الجانبين، وقال: «إنه يتوجب عليهم –أي سلطة الحكم الذاتي– مواجهة الجهات الفلسطينية التي تعارض الاتفاق وتعمل من أجل إحباطه.

أما الخبير العسكري الإسرائيلي شلومو غازيت فقد اعتبر أن الفترة الانتقالية بالنسبة لإسرائيل تعني اختبار قدرة القيادة الفلسطينية في قمع الجهات الفلسطينية الرافضة للاتفاق، وقال إنه: «لا جدوى من اتفاقية سياسية بدون وضع حد للنضال الفلسطيني المسلح، وهذا شرط لازم بالنسبة لإسرائيل، ولكن هل بإمكان القيادة الفلسطينية أن تقمع الجهات الفلسطينية التي ترفض الاتفاقية؟».

وأمام هذه الضغوط الإسرائيلية على ياسر عرفات والتي كان أبرزها إعلان بعض المسؤولين الإسرائيليين عن استعداد «إسرائيل» لتزويد «رجال عرفات في قطاع غزة بالسلاح للتصدي الحركة حماس وقوى المعارضة الفلسطينية الأخرى». ولإثبات قدرته على ضبط الأوضاع في قطاع غزة تحديدًا، قال ياسر عرفات لجريدة هاعولام هازيه الإسرائيلية: «لقد سيطرت على لبنان.. أتعتقدون بأنه لا يمكنني أن أفعل ذلك في فلسطين؟! يمكنني أن أؤكد لكم أننا سنسيطر على غزة وأريحا من دون مشكلة، سيكون هناك تنسيق كامل بين إسرائيل ومنظمة التحرير حول المسائل الأمنية».

والتصريح السابق لعرفات يوضح مدى استجابته للضغوط والاستفزازات الإسرائيلية، كما يوضح في الوقت نفسه طبيعة الدور الذي سيلعبه عرفات وسلطة الحكم الذاتي في حماية الأمن الإسرائيلي، والذي يشبه إلى حد كبير دور قوات جيش لبنان الجنوبي الموجودة في الحزام الأمني والتي تقوم بحماية الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي.

وقد وصف وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان الدور المستقبلي الذي سيلعبه عرفات «بدور الشرطي والسمسار» وقال: «ليتركنا أبو عمار وليذهب إلى فلسطين.. إلى دويلة فلسطين في أريحا وغزة، فليستكمل الدور وليكن الحارس والشرطي للصهيونية ضد حماس وضد الانتفاضة، هذا ما يريده فليكن أيضًا كما يبدو.. السمسار والوسيط للمال الصهيوني اليهودي في العالم العربي».

احتمالات المواجهة 

وفي ضوء هذا الوضع المتقن والمتمثل في الرغبة والتحريض الإسرائيلي، وتجاوب عرفات مع هذا التحريض والضغط، وفي الوقت نفسه إصرار حركة حماس على المضي قدمًا في خطها الجهادي ضد الاحتلال حتى في ظل سلطة الحكم الذاتي، فإن المخاوف من احتمالات اشتعال مواجهات فلسطينية تصبح أمرًا منطقيًا ومبررًا، ولكن التساؤل المهم يبقى حول من سيكون البادئ بمثل هذه المواجهات والتوقيت الذي سيختاره هذا الطرف للدخول في ذلك.

فحركة حماس من جانبها أكدت في جميع تصريحاتها أنها تعارض مؤامرة اتفاق الحكم الذاتي وتعمل على إفشالها بكل الوسائل، ولكن دون اللجوء إلى العنف والاقتتال الداخلي الذي اعتبرته خطًا أحمر لن يستفيد من تجاوزه سوى العدو الإسرائيلي، ولكن المصادر المطلعة والمقربة من الحركة تؤكد أن التوجه العام لدى قيادتها وكوادرها هو الرد والدفاع عن النفس في حال تعرض الحركة إلى محاولات التصفية أو التحجيم.

أما عرفات فإن التوقعات تشير إلى أنه سيحرص في الفترة الحالية على الأقل على عدم الدخول في صراع مع حركة حماس في الداخل، لأنه يعلم مدى الضعف والانهيار الذي أصاب حركة فتح في الداخل نتيجة حل أجهزتها وتشكيلاتها العسكرية، ويسبب الخلافات التي نخرت في جسد الحركة خلال الأشهر الأخيرة كما أنه لا يرغب بحدوث مشاكل وصراعات قد تحول دون دخوله إلى أريحا وقطاع غزة، ويسعى إلى الدخول كفاتح وزعيم للشعب الفلسطيني، لا كمحارب تلطخت يداه بدماء الشعب الفلسطيني.

لذلك فإن احتمالات اندلاع صراعات ومواجهات خلال الأشهر القليلة القادمة التي ستسبق دخول عرفات إلى الأراضي المحتلة تبدو ضعيفة ومستبعدة، ويتوقع أن تندلع مثل هذه المواجهات في فترة لاحقة بعد استقرار سلطة الحكم الذاتي التي ستكون مدعمة بعدد ضخم من الشرطة الفلسطينية قد تتراوح أعدادها ما بين ١٠-٣٠ ألفًا، كما ذكرت بعض الأوساط الفلسطينية، وسيكون التحدي الذي تواجهه حركة حماس في هذه الحالة إلى الدخول في مواجهة مع عدة أطراف قوية وربما متحالفة، وهي الشرطة الفلسطينية من جهة، وتنظيم حركة فتح من جهة ثانية والقوات الإسرائيلية وطابور العملاء الفلسطيني من جهة ثالثة

أما أشكال التحجيم والتضييق التي قد تتعرض لها الحركة في الفترة القادمة فيمكن أن تأخذ الأشكال التالية

أولًا: ضرب الجهاز العسكري للحركة في قطاع غزة كتائب الشهيد عز الدين القسام للحيلولة دون قيامها بعمليات جهادية ضد العدو الإسرائيلي.

ثانيًا: التحجيم والتضييق السياسي التدريجي على الانتفاضة وعلى نشطائها من حركة حماس بشكل أساسي من أجل وقفها وإجهاضها كاستحقاق للاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية.

ثالثًا: تصفية بعض القيادات الميدانية المؤثرة للحركة في الساحة الفلسطينية.

رابعًا: الدخول في مواجهات جانبية محدودة مع كوادر للحركة بهدف الردع وفرض الهيمنة.

خامسًا: التضييق على مؤسسات الحركة وتحجيم دور المؤسسات الإسلامية وبشكل خاص المساجد ولجان الزكاة.

سادسًا: فرض شروط جديدة للانتخابات النقابية والجامعية من أجل الحيلولة دون وصول الحركة إلى تلك المواقع واستخدام الأموال لتحقيق ذلك.

وأمام هذه التحديات الضخمة فإن على حركة حماس أن تدرس جيدًا ومنذ الآن خطورة مثل هذه الاحتمالات وأن تضع الخطط الكفيلة بضمان عدم تصفيتها وتهميشها وشل قدرتها على التحرك بفاعلية في الساحة الفلسطينية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 28

107

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

المدرس الذي حول القلم إلى بندقية

نشر في العدد 190

129

الثلاثاء 05-مارس-1974

محليات (190)

نشر في العدد 186

86

الثلاثاء 05-فبراير-1974

العالم الإسلامي (186)