; عزيزتي المجتمع: لماذا تسكت المجتمع عن التجاوزات المالية في الدولة؟ | مجلة المجتمع

العنوان عزيزتي المجتمع: لماذا تسكت المجتمع عن التجاوزات المالية في الدولة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988

مشاهدات 69

نشر في العدد 853

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 26-يناير-1988

عهدناك مجلة تصدع بالحق ولا تخشى في الله لومة لائم، وتقاوم الفساد والانحرافات على جميع الأصعدة، ولكن لوحظ في الآونة الأخيرة هدوء وسكوت عن كثير من التجاوزات التي تحدث في البلاد دون تعليق أو كتابة أو تحليل.

•       إن ديوانيات الكويت تتحدث عن رئيس أحد البنوك المحلية قام باختلاس ثلاثة ملايين دولار.

•       اختلاسات تمَّت في شركة المواشي تقدر بملايين أخرى من الدولارات.

•       اختلاسات تمَّت في الخطوط الجوية الكويتية ومؤسسة التأمينات الاجتماعية وغيرها من المؤسسات.

•       اختلاس مليار دولار قام به مسؤول كبير من استثمارات الكويت في الخارج.

أين مجلة المجتمع من كل هذه التجاوزات؟ وأين دورها في النهي عن المنكر؟ وأين واجبها في النصيحة للدولة؟ أين كل هذا؟ ولماذا لم يظهر على صفحاتها؟

أخوكم إبراهيم حمد – الكويت

________________________________________

عزيزي القارئ:

نشكرك على حرصك على دورنا وواجبنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء النصيحة، كما نود أن نؤكد لك أن الغاية التي من أجلها صدرت هذه المجلة وقامت على أساسها جمعية الإصلاح هي الدعوة للإسلام والصدع بالحق ما أمكن ذلك، وأن مقاومة الفساد والانحراف ومناصرة كل خطوة للإسلام جزء لا يتجزأ من واجبنا.

ومجلة المجتمع في التطور الإعلامي قائمة على صحافة الخبر، تتناول الخبر بالتحقيق والتحليل والتعليق ولا تكتفي بمجرد نشره، ويحكمها في هذا التناول سياسات منبثقة من مفاهيم الإسلام ومصلحته.

فليس كل حدث في تقدير «المجتمع» يرقى لأن يكون خبرًا صحافيًا، وليس بالضرورة أن تكون معايير تقدير الحدث عندنا كصحافة إسلامية تتفق مع معايير الصحافة العامة، فضرب المسلمين في الفلبين خبر في معاييرنا أهم من حدث حول انتحار مواطن أمريكي مثلًا، وليس كل ما يشاع يُعَد خبرًا، فلا بد من التحقق من حدوث الحدث عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات:6). وما لم يكن للغير أدلة أو شواهد تؤكد حدوثه لا يُعَد خبرًا.

وليس كل خبر مُحقق يجب نشره، فليس كل ما يُسمع يقال، ولا كل ما يقال يُكتَب في الأوراق، فَرُبَّ خبر يكون سبيلًا لنشر الفاحشة، ورُبَّ خبر يسبب أضرارًا أشد من عدم نشره.

هذه بعض المعايير التي نتعامل معها عند التحقيق في أي حدث، ونحن نجتهد ما استطعنا بالالتزام بها، ولا نبرِّئ أنفسنا من الخطأ، فقد تُخطئ تقديراتنا ويتبين أن الأدلة التي حصلنا عليها لا تؤكد حدوث الخبر أو غير ذلك من أمور، وهذا قصور بشري لا تخلو منه أي مؤسسة صحافية، ونحن نتفاداه بتصحيح النشر أو إتاحة فرصة النشر لمن تضرر منه.

وعليه فإن استفسارك حول عدم كتابتنا أو إشارتنا لبعض الانحرافات التي تحدث في المرافق الرسمية والتي تتحدث عنها الديوانيات الكويتية، تقع في تلك الدائرة من السياسات. ليس كل ما تتحدث به الديوانيات الكويتية يؤخذ كأنه حقائق، ولم يقل أحد أن الديوانية مصدر موثوق به، وليس بخافٍ عليك بأن الديوانية مسرح ناجح للإشاعة، فكثير من الأحيان نستمع إلى بعض أحاديث الديوانيات التي تصف حوارًا دار بين اثنين من المسؤولين في جلسة خاصة لا يشاركهما فيها أحد وحول قضايا ذات خصوصية تامة، ويأتي وصف الحوار بكل دقة كما لو كان ثالث معهما، وكثير من رواد الديوانيات يصدق الرواية ويقوم بنقل تفاصيلها إلى ديوانيات أخرى دون تفكير، كيف استطاع الراوي أن يحصل على هذه الرواية وهي بين اثنين؟

وهذه الظاهرة السيئة لاقت حربًا شديدة في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، كمثل قوله: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» (أخرجه مسلم)، وهذه دعوة للتحقق من كل ما يستمع إليه المرء ولا ينقله إلا بعد ثبوته وقوعه وثبوت جدوى نقله، وكمثل قوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا» (متفق عليه)، وهي دعوة لتثمين كل كلمة يقولها المرء قبل التفوُّه بها، ولو استعرضنا أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم لعرفنا خطورة نقل الإشاعة ومداولتها.

ولنضرب مثلًا بإحدى الإشاعات التي أشرت إليها في رسالتك عزيزي القارئ واستفسرت عن عدم إشارتنا لها وهي حكاية اختلاس مليار دولار، فقد سمعنا هذه الإشاعة ووجدناها قضية خطيرة تستحق المعالجة، خاصة وأننا لم نترك مجالًا للنصح إلا واستثمرناه للحفاظ على المال العام، وعندما بدأنا باستقصاء مصادر الخبر لم نصل إلى شيء، فلا الأشخاص الذين قيل إنهم اكتشفوا هذا الاختلاس يؤكدون صحة هذا الخبر، ولا الوزارة المختصة تؤكد شيئًا من ذلك، لقد لجأنا إلى خصوم الشخصية التي أشيع حولها هذا الخبر وكنا نتوقع لديهم شيئًا ولكننا لم نحصل إلا على ترديد الإشاعة نفسها، لقد اجتهدنا للحصول على مصدر الخبر أو طرف يؤكد بشكل جاد فلم نحصل على شيء، فكيف بالله عليك تريدنا أن نعالج إشاعة ليس لها من الدليل والبرهان أي شيء؟

في كثير من الأحيان تأخذ الصراعات الشخصية بين القيادات الإدارية مسارًا مُنحرفًا يؤدي إلى انتشار أقاويل وإشاعات يستخدمها أطراف الصراع للنيْل من الطرف الآخر، وهذه الظاهرة نحتاج إلى من يتصدى لها بقوة للحفاظ على قيم هذا المجتمع وتقاليده. أما بعض الأمثلة التي ذكرت فقد أشرنا إلى بعضها بالفعل في أعداد سابقة، وإذا لم ننشر عن بعضها فهو سهو غير مقصود.

وكلمة أخرى نوجهها للحكومة، وهي أن معالجتها لكثير من هذه الجرائم غير حازمة وحاسمة، فقضية اختلاس ثلاثة ملايين دولار من أحد البنوك عالجتها الحكومة بأن اكتفت باسترداد المبلغ وإقالة الجاني من منصبه، وفعلت نفس الشيء في قضية شركة المواشي، إن مثل هذه الجرائم يجب أن تحال إلى النيابة العامة لكي يسمع بها الرأي العام ولكي يرتدع من تسول له نفسه بفعل الجرم مرة أخرى، ولو أن الحكومة فعلت ذلك لحالت دون انتشار كثير من الإشاعات والأقاويل التي تضرُّ بسمعتها.

وأخيرًا.. عزيزي القارئ، إن في مهمة الصحافي مسؤولية كبيرة يحاسب عليها أمام الله، فالصحافي يتحدث بقلمه، والذي يزيد من أهمية مسؤوليته أن حديثه مقيَّد بالأوراق وحصاد لسانه مثبت، والرسول الأعظم يقول: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم» (أخرجه الترمذي)، والله الموفِّق.

 

الرابط المختصر :