; عز العرب .. أبو المساكين | مجلة المجتمع

العنوان عز العرب .. أبو المساكين

الكاتب محسن راضي

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003

مشاهدات 65

نشر في العدد 1575

نشر في الصفحة 46

السبت 01-نوفمبر-2003

تعرفت إليه في منتصف السبعينيات بعد خروجه من السجن، وكان قد قضى فيه ست سنوات وشهرًا وسبعة عشر يومًا صابرًا محتسبًا بعد اعتقاله عام ١٩٦٥.

ذهبت لزيارته لأول مرة بمنزله المتواضع وخلوت به أتعرف إليه عن قرب، فإذا برجل أشعث أغبر يقطع خلوتنا ويصر على أن يقطع علينا حلاوة الحديث ليطلب من الأستاذ عز العرب فؤاد أن يخرج معه ليقضي له مصلحة، فظننت أنه سيعتذر، فإذا به ينهي الحديث معي بذكاء ليخرج معه ولما هممت أن أكلمه من باب النصح ألا يضيع وقته مع مثل هؤلاء الناس إذا بآخرين يلاقونه بالشارع ويطلبون منه الطلب نفسه، فعلمت أن الله قد وفقه لأن يكون أبًا للمساكين.. وهكذا اشتهر بين الناس لا يرد أحدًا، ولا يغلق بابًا للخير وكنت كلما ذهبت إليه مبكرًا في الصباح لأصطحبه معي في سيارتي، أجده يخرج نقودًا من محفظته ويبحث عن المساكين في الشوارع وعمال النظافة ويتحسس بعض البيوت لينفقها عليهم.

وكنت أسمع منه القصص والروايات والطرائف بذاكرته الحديدية، وكان يسرد الوقائع باليوم والشهر والسنة والأشخاص بأسمائهم الكاملة .. صاحب الأستاذ حسن البنا وحضر دروسه وانفعل بها وصار واحدًا من رجالات الدعوة المجاهرين بالحق، استعد للسفر إلى فلسطين للجهاد فرفضه الأستاذ البنا لأنه كان وحيد أبويه وقال له في لطف «أنت يا عز أسمر اللون ومثلك ينفعنا في السودان لمحاربة الإنجليز».. فصل من المدرسة الثانوية بسبب معارضته الحكومة فدرس في المنزل وحصل على الثانوية العامة والتحق بكلية الحقوق بجامعة عين شمس ثم فصل فالتحق بحقوق القاهرة ففصل أيضًا وسجن عام ٥٥ وخرج بعد عام.. ولما أراد أن يعتزل الناس دار بينه وبين نفسه حديث فتوجه إلى ربه: اللهم إنك تعلم أني قد تأخرت في دراستي ولا أستطيع مواصلة طريق المجاهدين هذا وأنك تقول ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  (البقرة : ٢٨٦) .. ثم نام ليرى في منامه الشيخ عبد اللطيف عفيفي الدسوقي- رحمه الله- الذي عرّفه على دعوة الإخوان يقول له: يا عز.. هذا كتاب الله افتحه واقرأ فيه هذه الآية ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا  (الكهف: ٢٨) ثم قال: فهمت يا عز؟... فقال: نعم فهمت وقام من منامه ليستمر على طريق الدعوة.. وحصل على الماجستير في الاقتصاد الإسلامي.

كان شجاعًا لا يتردد في قول الحق.. يؤدي الواجبات بحب وشغف نحو الصديق والقريب والغريب، امتحن في سبيل الدعوة ولاقى فيها الكثير من التضييق والتعذيب، ورغم ذلك كان في سجنه ملكًا يجلس فيه جلسة الملوك وحوله إخوانه حتى لقبوه بالملك، ولما خرج من السجن تبعه الكثير من الشباب وكنت منهم، وكنت ظله وآخرون في تجواله وترحاله.. يسابقنا الخير ولا نلحق به.. جاب القرى راكبًا الدراجة البخارية خلف الدكتور عماد والمهندس بسيوني والأستاذ عبد الغفار.. يحب البساطة في كل شيء، اختاره الناس نائبًا لهم بمجلس الشعب في انتخابات عام ١٩٨٧ فلم يتأخر لحظة عن خدمة الناس ولم يتكسب مالاً ولا منفعة طوال فترة عضويته بالمجلس.. كانت حركته كلها دعوة.. حتى في موته.. مات صائمًا بالمسجد في ليلة النصف من شعبان وفي ليلة الجمعة عقب تأدية صلاة المغرب ولما دعاه إمام المسجد ليفطر معه قال له: سأفطر في مكان آخر.. هكذا صعدت روحه الطاهرة ليعلم الناس أن الجهاد ثمرته حسن الخاتمة، وأن من تعب كثيرًا في الدنيا .. أراحه الله في آخرته.

رحم الله شيخنا أبا المساكين، وأسكنه فسيح جناته.. اللهم أمين..

الرابط المختصر :