; عساكرنا وفقدان الهوية الحضارية | مجلة المجتمع

العنوان عساكرنا وفقدان الهوية الحضارية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يناير-1986

مشاهدات 72

نشر في العدد 750

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 14-يناير-1986

  تأملات تاريخية

·    تحكي كتب التاريخ أن بديع الزمان النورسي المجدد الذي أكرم الله به المسلمين في تركيا إبان حكم أتاتورك التحق بالجيش التركي هو وثلاثة آلآف من تلاميذه خلال الحرب العالمية الأولى للقتال ضد روسيا القيصرية على الرغم من معارضة النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب في البداية، وخلال القتال جرح النورسي ثم وقع في الأسر مع البقية من تلامذته إذ كان الكثير منهم قد استشهد أثناء القتال الضاري ضد الاحتلال الروسي وذهبوا بهم إلى سيبيريا.

وفي الأسر وقعت له حادثة كادت أن تؤدي به إلى الإعدام، جاء القائد الروسي «نيقولا فيج» ليتفقد الأسرى فقام له الجميع وقوفًا، ما عدا بديع الزمان سعيد النورسي، احتد القائد الروسي وسأل أسيره العنيد عن سبب امتناعه عن قيامه له، فقال سعيد له: «إنني عالم من علماء المسلمين،

إنني أعتز بديني، وتلك المعزة تمنعني أن أقوم لأحد، ولا أقوم لك».

احتد نيقولا وأمر بتقديمه إلى محكمة عسكرية خاصة لمحاكمته فحكمت عليه بالإعدام، وعندما طلب منه قبل التنفيذ أن يتراجع ويعتذر للقائد رفض رفضًا قاطعًا، ثم استأذن منهم أن يؤدي ركعتين، عندئذ أكبر نيقولا فيه ذلك الموقف وأتى إليه معتذرًا، يقول: «لقد ظننت أنك قمت بعملك قاصدًا إهانتي، ولكنني واثق الآن أنك كنت تنفذ ما تأمرك به عقيدتك وإيمانك، لذا فقد أبطلت قرار المحكمة، وإنني أهنئك على صلابتك في عقيدتك، وأرجو المعذرة مرة أخرى».‏

·    ‎‏ إن موقف النورسي هذا يذكرنا بجملة من الحقائق التي ينبغي أن يكون عليها علماء الأمة أولها: أن علماء الأمة الأخيار لا يمكن أن ينعزلوا عن قضايا أمتهم فإذا ما احتلت الأرض وديست الحرمات انقلب هؤلاء العلماء إلى أسود ضراغم ونسور كواسر لا ينامون على ضيم ولا يرضون بذل بل يسارعون للدفاع عن الحمى. إنهم رهبان ليل وعمار محاريب وفرسان جهاد وطلاب شهادة حينما يجد الجد.

‏وثاني هذه الحقائق أن النورسي بموقفه هذا يمثل ما يجب أن يكون عليه الجندي المسلم من استعلاء على الكفر وأهله فلا تملق ولا خضوع ولا مهادنة مع أعداء الأمة ولا خوف من الموت في الوقت الذي نرى عساكر الدول العربية اليوم يحكمون ديار المسلمين في خضوع وتبعية للشرق أو الغرب ويقدمون أبطال الأمة كسيد قطب والإسلامبولي وخاطر وغيرهم من الأبطال قرابين لتقربهم من أعدائهم زلفى حسب زعمهم. لقد نسي هؤلاء العساكر حقيقة أخرى وهي أن المعتدي يحترم الأمم التي تحترم نفسها وتحترم عقيدتها ويحترم الجندي الذي يحترم هويته الحضارية، وأن الأمة التي تصوغ من دماء شبابها ومن ثروات بلادها تاجًا تضعه فوق رؤوس الأعداء أمة ذليلة لا بد أن يدوسها العدو وستظل تتقلب من جحيم إلى جحيم حتى تعود إلى تراثها وهويتها الحضارية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

121

الثلاثاء 05-مايو-1970

يوميات المجتمع - العدد 8

نشر في العدد 117

85

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

مطلوب مؤلف لهذا الكتاب