; عسكرة التعليم «الإسرائيلي» (٢من٣) الاستيطان بالتوراة والتلمود | مجلة المجتمع

العنوان عسكرة التعليم «الإسرائيلي» (٢من٣) الاستيطان بالتوراة والتلمود

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2010

مشاهدات 55

نشر في العدد 1931

نشر في الصفحة 26

السبت 18-ديسمبر-2010

٣٨٤ حصة لتدريس التاريخ اليهودي والصهيوني.. مقابل٣٢ حصة فقط لتدريس التاريخ العربي والإسلامي بصورة مشوهة.

اليهود يعظمون الوعد البريطاني بإنشاء دولتهم على أنه هدية علمية من آرثر بلفور العالم الكيمياء العضوية «حاييم وايزمان».. يعتقدون أن السيف والتوراة نزلًا معا من السماء.

اللغة العبرية هي اللغة التي لا يمكن فهمها إلا من خلال عاملين أساسيين، هما: الديانة اليهودية والتاريخ اليهودي، فهي لغة دينية تاريخية في المقام الأول، وليست لغة حضارة وصناعة واقتصاد وفنون وعمران...

وثمة مستحدثات ومستجدات شديدة التعقيد، لابد من إدراكها للتعامل مع تطبيقات البرنامج الصهيوني داخليًا وخارجيًا، ابتداء من المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل بسويسرا عام ۱۸۹۷م، ومرورًا بوعد «بلفور» الذي قطعه آرثر «جيمس بلفور» وزير خارجية بريطانية العظمى على نفسه عام ۱۹۱۷م، تحية لعالم الكيمياء الروسي الصهيوني حاييم وايزمان، الذي كان يعمل أستاذًا للكيمياء العضوية في جامعة مانشستر بإنجلترا وذلك مكافأة له عن اختراع طريقة لصناعة سائل الأسيتون من دقيق الذرة، وكان ذلك عام ١٩١٦م، فأنقذ بذلك المجهود الحربي للحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وكانوا في حاجة ماسة إلى هذا السائل.

ورفض وايزمان أعظم المكافآت المادية، وطلب أن تكون مكافأته مجرد وعده من حكومة بريطانيا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومرروًا أيضًا بالحربين العالميتين الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨م) والثانية (١٩٤٥م بوصفهما «الأساس» الذي أنجزته الحركة الصهيونية بجميع تياراتها الدينية والعلمانية.. وذلك حتى تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧م بأعتباره التاريخ الواقعي لقيام دولة الكيان الصهيوني.. وهذه المكونات المعقدة لفهم هذه التركيبة الدينية التاريخية الأدبية الصهيونية، تبرز لنا العلاقة الموروثة والمستمرة بين اليهودية والصهيونية و إسرائيل، فالصهيونية انعكاس لليهودية و إسرائيل، انعكاس للصهيونية.

ويتجلى هذا الفهم على المستوى الفردي والجماعي ومن المهد إلى اللحد.. خاصة في مجال التربية والتعليم حيث يتم تدريس الأصول الدينية اليهودية وإلزام الوالدين بتعليم أبنائهم هذه الديانة على مدى عُمر الناشئ اليهودي، فيدخل المدرسة الإبتدائية المسماة «ها حدر»، ثم المدرسة المتوسطة المسماة «اليوسيشباء» ثم المدرسة الثانوية والعالية المسماة «بيت ها مدراش».. وتكون دراسة التوراة والتلمود هي البرنامج

الأساسي في هذه المدارس، ويكفي الإشارة إلى أن قانون التعليم الإلزامي الذي أقره «الكنيست» عام ١٩٤٩م. وقانون التعليم الأساسي بفرعيه الديني والعلماني، المقرر عام ١٩٥١م، وما سعت إليه وزارة المعارف الصهيونية لزيادة التنظيم الطقوسي الجماعي بإدخال مادة الوعي اليهودي لفرعي التعليم المشار إليهما على حد سواء؛ بغية تحقيق جملة نتائج تجعل من كل تلميذ يهودي جسدًا صهيونيًا، وعقلًا حاخاميًا متحركًا..

حتى أصبحت الحركة الصهيونية الآن هي الوريث الشرعي لجميع الاتجاهات اليهودية ولجميع التراث الديني والتاريخي لليهود واليهودية.. وهذا ما أكده «أبا أيبان» وزير هي خارجية ، إسرائيل، الأسبق، بقوله: «ما «إسرائيل» الحديثة، إذا لم تكن وحدة هذا الشعب والأرض واللغة في تحقيق سام لدور التاريخ؟ إن إسرائيل هي الجسر الذي أنشأناه ليكون ملتقى للقارات والأجيال وليرمز إلى وحدة التجربة التاريخية جميعًا... ولعل هذا هو ما يؤكده اليوم «نتنياهو» من إلحاحه الدائم على يهودية الكيان الصهيوني، ويهودية الدولة العبرية.

 جدير بالذكر هنا أن نذكر أن استيعاب هرتزل الجيد للتاريخ، قد ساعده إلى حد كبير في خلق تعاطف- عبر الماسون حول فكرته واستطاع في ظل المعالم الدراماتيكية التي صاحبت الثورة الفرنسية وحروب نابليون أن ينتقل بفكرته من تلك الصورة المتخلفة المنعزلة المتمثلة في ذلك المرابي شايلوك شكسبير، ليقدم بدلًا منه نموذج المليونير اليهودي«روتشيلد»، وبذلك توارت صورة ذلك اليهودي الغادر الذليل المقهور الخبيث الماكر المرابي ليحل بدلا منها ذلك اليهودي العبقري المبدع في شتى العلوم العصرية، فهو في العلوم الطبيعية «دارون» وتلاميذه، وهو في الاقتصاد ماركس وأتباعه، وفي الأدب كافكا ومريدوه وفي الفيزياء أينشتاين، وفي الاجتماع «دوركايم».. وهكذا ..

دولة الحروب المقدسة

وفي ظل هذا الفهم، يؤمن اليهود جميعًا: أن التوراة والسيف نزلًا من السماء معاء، ويجعلون من هذا الفهم منطلقًا مقدسًا القراءة كل أحداثهم، نصرا كانت أم هزيمة على تعبير الحاخام «موشی غورين» حاخام الجيش الإسرائيلي، أثناء حرب يونيو ١٩٦٧م الذي قال: إن حروب «إسرائيل» مقدسة، إذ جرى في أولها: تحرير أرض إسرائيل، وفي الثانية: تم تثبيت أركان دولة إسرائيل»، وفي الثالثة: كان تحقيق كلمات أنبياء «إسرائيل»...

ومن أجل تحرير و«تثبيت» و«تحقيق» أمن إسرائيل، نؤمر بالقتال، ثم قال هذا الحاخام المجرم يوم 5 يونيو: «لقد جاء اليوم العظيم لأمة «إسرائيل»، ولسوف يساعدكم رب المعارك وينصركم..

أما حرب رمضان ١٣٩٣هـ / ٦ أكتوبر ١٩٧٣م، فإنها تذكرة من الله لشعبه- يقصد اليهود- كي يسلم بخروج حالة السواء، وبانفصاله الجذري عن عالم الأمم، والقبول بالقدر المقدر عليه في «العهد». 

تمامًا مثلما قال حيي بن أخطب عشية الملحمة خيانته وقومه من بني قريظة: هي التي كتب الله على بني إسرائيل! إلى ما سبق فإن التعليم «الإسرائيلي» يهدف بصورة أشد خطورة إلى قطع الصلة بين الطلبة العرب وبين ماضيهم، بحيث يندمجون اندماجًا تامًا في المجتمع اليهودي الأمر الذي يؤدي إلى ذوبانهم واندثارهم كأقلية قومية، وفي نفس الوقت تقدم لهم الأفكار الصهيونية، وتاريخ اليهود من وجهة نظر صهيونية.

ويذكر الكتاب السنوي للكيان الصهيوني بالنص أحد الأهداف الأساسية. للوزارة- التعليم- في كل النظام التعليمي، هو أن يوفر معرفة أعمق للتراث الثقافي اليهودي والعادات والتقاليد ومعرفة أحوال اليهود خارج «إسرائيل»، وهذا ينعكس بوضوح في مقررات المدارس والكتب المدرسية ومقررات مدارس المعلمين بصفة أساسية.. وبينما تعليم التوراة يتم إجباريًا في المدارس الثانوية العربية، فإنه لا يتم تدريس الديانتين المسيحية والإسلامية على الإطلاق، ولبلبلة أذهان النشء العربي قامت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية بتشويه وتزييف التاريخ العربي والإسلامي وكأنه سلسلة من المغامرات والانقلابات العسكرية، والخصومات الدموية، وخلاصة دامية للسلب والنهب والمذابح والمجازر البشرية المتعاقبة.. كما تم أيضًا محاصرة وقت تدريس هذا التاريخ العربي والإسلامي ليصبح ٣٢ حصة فقط في السنوات الثانوية الأربع، ومن هذا يجب أن نعي جيدًا أن كل لبنة وضعها اليهود في فلسطين وضعوها لتمحو حقًا أصيلًا وتثبت باطلًا دخيلًا وتؤدي دورًا سياسيًا وعسكريًا.. إنطلاقًا من نظرية الخوف الصهيوني التي تكرس أن «إسرائيل» عبارة عن خط حدود مع دول معادية، ومن ثم كما قال «ديان»: فإن تاريخ «إسرائيل» المعاصر هو التاريخ الذي يكتبه الجنود .. والجنود وحدهم!

 وبالتالي، فإن كل صهيوني في أي مكان هو جندي تحت السلاح، في مشوار إجرامي عتيد مفاده الاستيطان بالتوراة والتلمود، ففي عام ١٩٤٩م، أقر الكنيست الإسرائيلي، قانون التعليم الإلزامي بالمدارس، واعتبر الصهاينة هذا القانون هو أسعد القوانين التي أقرها الكنيست إلى الحد الذي يرى معه شاعر السجل الأدبي الاجتماعي الصهيوني ناتان الترمان أن هذا الحدث يجب أن يدون ويخلد حيث يتناول قانون التعليم الإلزامي» في قصيدة بنفس العنوان بتاريخ 8/7/1949م، يقول فيها :

في يوم الأحد صباح

ستضحك الشمس في سعادة   

 وسيسير كل طفل أو طفلة ليطبقوا قانون التعليم الإلزامي

ستدق أقدامهم.. ستدق في سير نشط ومرح

وفي الأحد صباحُا

سينبسط نور لا نهاية له

وفجأة..

ستبدو الدولة كالجندية

كمعلمة شابة

وسنقول:

ليس بين الأمم امة أخرى

ارتفع.. كصدى للمحارق والنحيب..

 صوت طفل يتعلم ألف باء.

إنه يجعل من خطى الأطفال البريئة.. واقعا عسكريًا متحفزًا .. ويجعل من الكيان الصهيوني مجندة يهودية تزهو بلباسها العسكري، وتتحفز لمهامها المستقبلية... ويستدعي ذلك كله في رؤية تاريخية بعيون صهيونية تعبئ المخزون الأيديولوجي الآثار المحارق والمذابح والمآسي اليهودية عبر التاريخ في عسكرة مبكرة للتعليم الإسرائيلي» من أول يوم صدر فيه أول قانون للتعليم الإلزامي.

ومن قبل، وفي عام ١٩٤٥م بدأ بتسيير خط حافلات منتظم بين تل أبيب ومستوطنة جات الصناعية الواقعة في النقب.

وفي يوم 14/9/1945م التالي لافتتاح الخط، كتب قصيدة طويلة على هيئة نشرات الأخبار وفي صياغة شعرية تعبئ كل الهالات التاريخية العسكرية، فيقول: حتى الصبي داود نزل ذات مرة على خط تل أبيب جات وكذلك صعد من بين الفلسطينيين

جوليات

على خط تل أبيب- جات

وفي امتداد تاريخي لجذور عميقة من العداء والصراع والاستنفار والتحفز، وحتى فيما يتعلق بالخدمات الطبية والصناعات العسكرية، وديون الدولة فإن الترمان يربط ذلك كله بإطاره التعليمي، ليجعل منه كتيبة عسكرية في جهاز حربي صهيوني يحفز أبجديته الجديدة بكل آلات الحرب ويشحن كلماته بالنابالم ويضع عليها كل الحركات والنقاط بالقنابل والذخيرة الحية ويحفر حواليها حقولا من الفخاخ والألغام.

الرابط المختصر :