العنوان عشت وشفت كل شيء على ما يرام
الكاتب مبارك فهد الدويلة
تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 798
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 30-ديسمبر-1986
عبد الرحمن..
أحد شباب هذا الوطن المعطاء، هادئ لكنه كسول، دمث الأخلاق، لولا إهماله وتقاعسه، هكذا عرفته منذ فترة وتعاملت معه عن قرب، فقد جمعني به شرف الواجب تحت مظلة الوطن.
وذات يوم، وعلى غير العادة، رأيت صديقي هذا يترك بسرعة وفي كل اتجاه، يأمر هذا، ويستعجل ذاك، يصرخ على هذا، ويستحث ذاك، فأدركت بأن أمرًا ما قد طرأ، نظرت يميني، فإذا بأحدهم يصلح بابا كان مكسورًا منذ شهرين، والتفت شمالي فإذا بالآخر يغسل النوافذ ويزيل عنها غبارًا استقر هادئًا عليها منذ أسابيع، أبصرت أمامي فإذا بصديقي عبد الرحمن يصبغ بنفسه قضبان المدخل ويزينها بالدهان المذهب، فأدركت بأن ضيفًا خاصًّا سيحل قريبًا، وفعلا صدق إحساسي فقد جاء المسؤول وخرج من موقع العمل ولسانه يلهج بالشكر والتقدير للنظام والنظافة والضبط والربط وسرعة إنجاز الأعمال المطلوبة بعد أن تبين له أن كل شيء على ما يرام، وبعد يوم واحد فقط عادت حليمة إلى عادتها القديمة.
هذه الظاهرة تتكرر في حياتنا كثيرًا، وهي شكل من أشكال النفاق الإداري؛ حيث يظهر فيه، وذلك عند حضور أحد المعنيين، مخفين بذلك عيوبهم، مضللين مسؤوليهم.
أعرف أحد هؤلاء، كان يقول لمن يليه من الموظفين: إياكم والشكوى، فكل شيء على ما يرام، وإياكم وإظهار النواقص والحاجيات، فكل شيء على ما يرام، وإياكم والتذمر «والتحلطم» فكل شيء على ما يرام، وذلك عند قدوم أحد المسؤولين.
لذلك كانت الزيارات المفاجئة لبعض المسؤولين تكشف حقائق مرة، وفضائح كان متسترًا عليها، فتتعرى وتظهر واضحة، فتكون هذه الزيارة سببًا في الإصلاح وطريقا للتقويم، وعندما كان يقوم الأخ وزير الصحة بزيارات مفاجئة بعد منتصف الليل إلى المستشفيات والمجمعات الصحية، كان يرى بأم عينيه الوضع الطبيعي لمجريات الأمور هناك، ولكن عندما كان يعلن عن زيارته لإحدى مرافق الوزارة ويصطحب معه الوكلاء والمدراء، ويرافقه الصحفيون ورجال الإعلام ويستقبله عند الباب الرئيس والمرؤوس لم نسمع منه ولا من غيره إلا الشكر والتقدير لهذه الإنجازات العظيمة والأعمال الجليلة، التي أثبتت بأن الأمور في تقدم وازدهار، وأن كل شيء على ما يرام.
يحدثني أحدهم فيقول: طلب مني أن أكتب ملاحظات عن وضع معين، فكتبت ما شاهدت وسمعت، وبعد يوم تم استدعائي من قبل مسؤولي، وهناك تم إسماعي التأنيب ووابلًا من ألفاظ التوبيخ، ومما قيل لي: كيف تريد منا أن نقدم تقريرًا كهذا؟!، خذ أوراقك وأعد كتابة رأيك، وبين أن «كل شيء على ما يرام»، وهكذا كان!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل