العنوان عشر سنوات على توحيد اليمن: ولادة في لهيب الأزمات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1402
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 30-مايو-2000
كانت اليمن أكبر ضحايا أزمة الاحتلال العراقي للكويت.. وقد استغل الانفصاليون الموقف لتحقيق مكاسب على حساب دولة الوحدة.
وافق يوم الثاني والعشرين من مايو الجاري ذكرى مرور عشر سنوات على قيام الوحدة اليمنية، وهي مناسبة احتفى بها اليمن، وزار صنعاء بسببها عدد من القادة العرب.
الاستعدادات التي شهدها اليمن الأسابيع الماضية عكست اهتمام القيادة بتحويل المناسبة إلى لقاء عربي - إسلامي واسع يتناسب مع حدث «الوحدة» واستمرارها لمدة عقد من الزمان واجهت خلاله منعطفات خطيرة كادت تطيح بالوحدة وتضمها لقائمة التجارب الفاشلة التي عرفها العالم العربي خلال الخمسين عامًا الماضية.
القيادات اليمنية كانت مسكونة بهاجس الفشل التاريخي الذي منيت به تجربة الوحدة المصرية – السورية (1958 - ١٩٦١م) وألحقت بفكرة الوحدة العربية خسائر معنوية ماتزال تفعل أثارها سلبًا في النفوس حتى الآن.. كما أن غوغائية وشكلية الإعلانات الوحدوية التي زخرت بها سنوات ما بعد فشل الوحدة المصرية – السورية، قد قذف بأحلام الشعوب العربية في الوحدة إلى ركن منزوٍ من اهتمامات أبناء الأمة.
ويذكر أنه في أثناء التحضيرات التي كان اليمنيون يجرونها لإعلان توحيد الشطرين بعثت صنعاء وعدن عددًا من الوقود إلى الدول العربية لتمهيد الأجواء لقيام الوحدة واستمزاج أراء القيادات العربية في السبل التي توفر ظروفًا سليمة لإعلان أهم حدث يمني في العقد الأخير من القرن العشرين، كما شمل البحث عن النصائح - إن صح التعبير - الالتقاء بعدد من الشخصيات العربية المرموقة، وقد تركزت معظم النصائح على ضرورة دمج الجيشين والأمن والجهاز الإداري للدولة، بحيث يصير من الصعب إعادة التشطير أو التفكير في مغامرة انفصالية مستقبلًا.
وعلى الرغم من أن جزءًا من تلك النصائح قد تم الأخذ به، إلا أن أهم نصيحة تتعلق بدمج القوات المسلحة والأمن قد فشلت في أن تأخذ مداها، باستثناء دمج القيادة العليا في وزارتي الدفاع والداخلية، فيما احتفظ كل طرف بسيطرة فعلية على القوات التي كانت تتبعه قبل الوحدة بالإضافة إلى ذلك فقد تم نقل وحدات عسكرية من الشمال إلى الجنوب، وأخرى من الجنوب إلى الشمال، ويرى كثيرون أن هذا الإجراء أسهم بقوة في إفشال عملية الانفصال التي نفذتها قيادة الحزب الاشتراكي بعد ٤ سنوات من الوحدة حيث أدى وجود قوات عسكرية قوية في المحافظات الجنوبية والشرقية إلى منع تحقق فكرة الانفصال، إذ استطاعت تلك القوات أن تصمد حتى النهاية في وجه أعنف الحملات العسكرية البرية والجوية والبحرية، حتى نهاية الحرب، فظلت الأراضي التي أعلن عن انفصالها مجزأة لا يربط بينها رابط.
مشكلات الوحدة: نظام الرأسين
جاء عهد الوحدة ومعه مشكلاته ومعضلاته الخاصة به أو تلك الموروثة من عهد التشطير أو تلك التي استجدت بعده، وكان أخطر تلك المشكلات ظهور نظام برأسين وجيشين وجهازي أمن.. إذ ظلت السيطرة الفعلية لكل طرف تتركز على المناطق التي كان يحكمها قبل الوحدة، وأطلق اليمنيون وصف «دولة التقاسم» على الفترة الانتقالية، حيث تنافس الحزبان الحاكمان على تقاسم معظم مناصب الدولة حتى مستوى مدير ام وأدى ذلك - بالطبع - إلى تنازع الاختصاصات وثنائية القرار، وأربك النشاط اليومي للدولة حتى وصلت إلى درجة خطيرة من التفكك والجمود وتعطيل القوانين واستمرار اختلاف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية بين مناطق نفوذ كل من الحزبين الحاكمين.
مع أن تفاؤلًا شعبيًا وسياسيًا عامًا كان يأمل أن تنهي أول انتخابات نيابية بعد الوحدة «بريل ۱۹۹۳م» وضعية «التقاسم» التي اتسمت بها الدولة خلال الفترة الانتقالية إلا أن انفجار الأزمة السياسية شل الحياة في اليمن طوال تسعة اشهر: تفاقمت خلالها الأزمات حتى وجد اليمنيون أنفسهم أمام مفترق طريق يؤدي إما إلى الانفصال وإما إلى التمسك بالوحدة، ولو عبر الحرب، ولان كل خيار كان أصعب من الآخر، فقد طالت الأزمة وتعقدت مسالكها وانكوى اليمنيون بها كما لم يحدث من قبل، والشاهد أن مخطط الأزمة التي نفذها نائب الرئيس اليمني - حينذاك - علي سالم البيض، كان يتدرج في خطواته، وكان أبرز مظاهرها عودة - أو إعادة - موظفي الدولة القادمين من الجنوب إلى مناطقهم تحت مبرر الخوف على حياتهم، فعاد - كثيرون منهم - وتركوا وظائفهم ومراكزهم، وظهر بوضوح أن «التقاسم» قد أبقى على حواجز الفصل بين اليمنيين رغمًا عن وجودهم في مكان واحد، باعتبار كل طرف يمثل «دولة» كانت قائمة.
وقبيل انفجار الوضع عسكريًا، كادت الأوضاع تعود إلى ما كانت عليه عام ١٩٩٠م وشدد الاشتراكيون قبضتهم على المناطق الجنوبية والشرقية وطردوا منها العدد القليل من كبار الموظفين كالمحافظين ومدراء العموم الذين انتقلوا من الشمال إلى الجنوب، لكن ظلت العقدة التي أوقفت قطار الانفصال هي وجود قوات «العمالة» المدججة بالأسلحة في وسط هذه المناطق.
أزمة الخليج الثانية: الصدمة الأولى
على خلاف آراء كثيرة، فإن اندلاع أزمة الخليج الثانية واحتلال الجيش العراقي للكويت كان أول وأخطِر أزمة واجهتها دولة الوحدة اليمنية بعد أقل من عشر أسابيع على قيامها، فقد أدت تطورات الأزمة والمواقف الرسمية المعلنة إلى ظهور خلاف حاد بين اليمن وبين دول الخليج وخاصة الكويت، ولاشك أن تلك الأزمة قد وجهت ضربة عنيفة لعوامل الاستقرار المحلي والإقليمي التي كانت دولة الوحدة بحاجة إليه في بداية عهدها فعلى المستوي المحلي انعكست الأزمة على الاقتصاد سلبًا، حيث عاد مئات الآلاف من المغتربين اليمنيين من دول الخليج، وأضاف ذلك عبنًا ثقيلًا على الاقتصاد الذي كان قد بدأ ينوء بالتكاليف المالية الباهظة لعملية التوحيد.. وعلى المستوى الإقليمي عاشت اليمن فترة من جمود العلاقات مع جيرانها لم تعرفها منذ السبعينيات وانعكس الجمود في العلاقات السياسية الخارجية العربية لليمن على مجريات الحرب الأهلية في مايو ١٩٩٤م، فقد بدا حينها أن قيادة الحزب الاشتراكي قد نجحت - عبر وسائلها الخاصة - في إقناع دول عربية مهمة أن «صنعاء» والرئيس علي عبد الله صالح هو المسؤول عن «الموقف اليمني» أثناء أزمة احتلال الكويت، كما نجحت في كسب تأييد دولي لمشروعها الانفصالي بحجة أن «صنعاء» تحولت إلى حصن للإرهابيين من دول عربية عدة، وبالنسبة للدول الغربية فقد كان المدخل كسب تعاطفها هو لفت أنظارها إلى النفوذ الكبير للإسلاميين وتزايد شعبيتهم ونشاطهم.
ولا يخفي أحد في اليمن قناعته بأن اليمن هي إحدى أكبر ضحايا أزمة الخليج الثانية بصرف النظر عن الأسباب ومدى وجاهتها، فالذي لاشك فيه أن الأوضاع كانت ستكون أفضل بكثير فيما لو ظلت اليمن على ذلك المستوى الرفيع من العلاقات مع دول الخليج التي كان لها دور مشهود في دعم عملية التنمية في اليمن طوال السنوات الثلاثين السابقة على احتلال الكويت.
الاقتصاد.. الضحية الدائمة
صاحب عملية توحيد شطري اليمن بروز أزمة اقتصادية خطيرة، نتجت - بداية - عن ضعف الاقتصاد في النظامين السابقين، ووجود اختلالات خطيرة في هيكلية الاقتصاد وضعف الإنتاج، واعتماد البلدين على المعونات الخارجية، بالإضافة إلى مديونية هائلة وعمالة متضخمة في الجهاز الإداري تستنزف وحدها ثلث ميزانية الدولة.
وفي السياق نفسه، فقد كلفت عملية التوحيد مبالغ ضخمة، فقد انتقلت آلاف الكوادر إلى «صنعاء»، عاصمة الدولة الجديدة في مقابل آخرين انتقلوا إلى «عدن»، وبدأت الدولة - في نشوة التوحيد - تبالغ في إنفاقها لتسهيل عملية الاندماج وتطمين الخائفين، وتعويض الخاسرين وكل ذلك أدى إلى بدء انهيار العملة الوطنية ولاسيما بعد انفجار أزمة الخليج وتعدى ذلك إلى تدهور مستوى المعيشة وظهور موجة غلاء غير معهودة كما تراكم العجز في ميزان المدفوعات واندفعت الدولة لطبع إصدارات نقدية بدون غطاء مما أدى إلى تزايد التضخم بصورة يومية هزت الاستقرار المعيشي للمواطنين، وأنتجت عددًا من الانفجارات الشعبية الاحتجاجية التي لم تخل من دوافع سياسية واستحقاقات التنافس الحاد على النفوذ بين الحزبين الحاكمين أنذاك.
وبلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها مع اندلاع الأزمة السياسية بين فرقاء السلطة الثلاثية «أغسطس ۱۹۹۳ م - يوليو ١٩٩٤م» بعد أن انقسمت الدولة بكل أجهزتها ومرافقها.
ويشيع اعتقاد في المجتمع اليمني أن المشكلات الاقتصادية التي خلفتها مرحلتا التشطير والفترة الانتقالية سوف تظل تلقي بظلالها القائمة على الاقتصاد سنوات طويلة... حيث ما يزال بعض أثار التطبيقات الماركسية في «الجنوب» بدون حلول حقيقية، وخاصة في مجال المنازل والمباني المؤممة، والأراضي في بعض المناطق، ومشاريع القطاع العام الفاشل الذي خلف عمالة كبيرة ماتزال الدولة تتحمل تبعاتها حتى الآن.
ربما كانت هذه هي أخطر المشكلات التي واجهت اليمن الموحد، وإذا كانت هزيمة الحزب الاشتراكي في الحرب الأهلية عام ١٩٩٤م قد أنهت الازدواجية الموجودة في السلطة وثنائية القرار، وتم توحيد القوات المسلحة والأمن بصورة كاملة إلا أن الأزمة الاقتصادية لاتزال «كعب أخيل» التي تشكل منبعًا كبيرًا للمشكلات والاحتقان الاجتماعي والاحتجاج السياسي.
أما على صعيد العلاقات الخارجية، فقد استعاد اليمن جزءًا كبيرًا من مستوى علاقاته مع العالم، ولا سيما دول الخليج التي شارك عدد من كبار قادتها في احتفالات اليمن بذكرى الوحدة العاشرة، فيما يعده المراقبون أقوى تأييد سياسي تلقاه دولتهم الموحدة منذ عشر سنوات.
بعد عشر سنوات يمكن القول إن الوحدة اليمنية قد تجاوزت - بحمد الله - مرحلة الخطر المباشر، لكن السياسات الحاضرة والمستقبلية هي التي ستحدد قدرة اليمنيين على الحفاظ على حلم نبيل يستحق أن يتعاون كل العرب والمسلمين لرعايته وترشيده ودعمه لكي يظل البذرة الأولى والتجربة الحية لوحدة الأمة كلها.
الأسبوع المقبل: الطريق إلى الوحدة.. قصة قيام الدولة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل