; عصر حسابات البنوك السرية.. يقترب من النهاية | مجلة المجتمع

العنوان عصر حسابات البنوك السرية.. يقترب من النهاية

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2010

مشاهدات 57

نشر في العدد 1922

نشر في الصفحة 14

السبت 09-أكتوبر-2010

  • السر المصرفي على وشك الانهيار...
  • هل نقول : وداعاً لنهب أموال الشعوب؟
  • الحسابات السرية في طريقها للانكشاف.. والمستور لن يبقى كذلك.. وشيئا فشيئا تنكشف سوءات أكبر مركز للتعامل الربوي في العالم
  • بقدر ما يسعد المرء لمبادرة البنك الدولي لتشجيع رد الأموال المنهوبة بقدر ما تنتابه الشكوك بشأن المبادرة بسبب تاريخ البنك وسيرة رئيسه الحالي
  • المبالغ المستردة حتى الآن ضئيلة للغاية إذا قورنت بحجم الأموال المنهوبة .. ولعل قيمة هذه الإجراءات المتخذة أنها تحد من المزيد من النهب ومن تحويل الأموال للخارج
  • تقديرات: الأصول المالية غير المعلنة المودعة في سويسرا وحدها تقارب ۷۰۰ مليار دولار أمريكي
  • وزير المالية البلجيكي : إذا تبين أن تسعة من كل عشرة من أصحاب الودائع في المصارف السويسرية يجب أن يتابعوا قضائيا بسبب عمليات تهرب ضريبي
  • ألا يجب على سويسرا أن تطرح السؤال على نفسها : إلى متى ستظل تحمي ساحة مالية تجذب المتهربين من الضرائب في بلدانهم ؟!

 لطالما كتبت تقارير، ونسجت أساطير حول الثروات الطائلة التي نهبت من أموال الشعوب الفقيرة المبتلاة بحكام ومسؤولين فاسدين، وعرفت طريقها إلى الحسابات السرية في مصارف الغرب، وبخاصة سويسرا. وإلى جانب أولئك الفاسدين «المهربين»، هناك طبقة من «المتهربين»، لكنهم من مواطني الدول الغربية ذاتها، يتهربون من دفع الضرائب «الفادحة» على أموالهم في بلدانهم، ويلجؤون إلى إيداع ثرواتهم في بنوك سويسرا ودول أخرى عملت بقاعدة «السر المصرفي»، أو الحسابات السرية، مثل: بلجيكا والنمسا ولوكسمبورج.

سويسرا على وجه الخصوص تميزت بثقافة تمتد لقرون تلتزم السرية في الصفقات التجارية للبنوك، ومنذ عام ١٩٣٥م أجاز القانون رسميًا احتفاظ البنوك والمؤسسات المالية بالطابع السري المعلومات العملاء. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى هاجرت رؤوس أموال كبيرة إلى سويسرا» التي التزمت الحياد، وفي فترة ما بين الحربين كانت سويسرا مركزا للصفقات السرية حتى تحولت السرية المصرفية إلى عنصر تقليدي.

وأثناء الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت عام ۱۹۲۹م بذلت ألمانيا وفرنسا جهودًا كبيرة لمنع تهريب رؤوس الأموال إلى «سويسرا»، لكنها فشلت، ورفضت البنوك السويسرية تسليم أي معلومات عن عملائها وفي عام ۱۹۳۲م ألقي القبض في «باريس» على مدير بنك من سويسرا يحمل قائمة تضم أسماء عدد من الفرنسيين أودعوا مبالغ ضخمة في سويسرا، وتقول الخبيرة الاقتصادية السويسرية ماشا مادورين» كانت: « جنيف، وكانتون التيتشينو، وزيورخ بمثابة الساحات التي طورت فيها سويسرا خدمات مالية لتهريب رؤوس الأموال والتهرب الضريبي».

لقد وضعت السرية المصرفية في الأساس لمنع موظفي البنوك من الحديث عن أسرار المهنة، ولكي تكون أداة تسمح بمنع أي حزب اشتراكي يمكن أن يصل للحكم من الاطلاع على الكثير من التفاصيل الخاصة بالنشاطات المصرفية لكنها تطورت بعد ذلك.

بل إن البنوك السويسرية كانت الملاذ الآمن لنظام التمييز العنصري السابق في جنوب أفريقيا، لقد أصبحت صناعة الصيرفة والاستثمار المالي عصب الاقتصاد السويسري، وتشير تقديرات إلى أن الأصول المالية غير المعلنة المودعة في سويسرا تقارب ۷۰۰ مليار دولار، ويحتفظ بنك كريدي سويس وحده بودائع مالية أوروبية تزيد على مائة مليار دولار.

  • بداية تهاوي السر المصرفي

هذا الوضع لم يكن ليستمر، فالحسابات السرية في طريقها للانكشاف، والمستور لن يبقى كذلك، وشيئاً فشيئًا تنكشف سوءات أكبر مركز للتعامل الربوي في العالم، وذلك عبر أكثر من طريق:

- مبادرات استعادة الأموال المنهوبة.

- اتفاقية مكافحة الفساد. 

- مكافحة التهرب الضريبي

إعادة الأموال المنهوبة 

أموال طائلة سرقها حكام مستبدون وبخاصة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا عرفت طريقها إلى بنوك الغرب وبخاصة سويسرا، وفشل تلك البلدان في استعادتها وفي عام ۲۰۰۷م أطلق البنك الدولي والأمم المتحدة مبادرة لتشجيع الدول الغنية على إعادة تلك الأموال إلى أصحابها واستثمارها في برامج اجتماعية ومشروعات مكافحة الفقر، وتوعد «روبرت زوليك» رئيس البنك الدولي بألا يكون هناك ملاذ آمن لمن يسرقون الفقراء، وألا يفلت الحكام الفاسدون من حكم القانون، ودعا المراكز المالية لأن تزيد من شفافيتها وتتبنى أفضل الأساليب في قبول الأموال من خارج حدودها، فإعادة الأموال المنهوبة ليست مسألة إنصاف وعدالة فحسب لكنها مسألة أساسية من أجل التنمية.. يجب أن نجذب انتباه الدول المتقدمة ونعمل من أجل أن تتفهم خطورة الوضع. 

ويضيف: لقد حدثت تغيرات في سلوك البعض مثل السويسريين الذين يتفهمون أنه ليس مفيدًا لسمعة المؤسسات المالية الكبرى أن تكون مرتبطة بمليارات الدولارات من الأموال المسروقة من زعماء فاسدين في دول فقيرة، وهو يأمل أن تشجع هذه المبادرة مزيدًا من الدول على التصديق على معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي أبرمت عام ٢٠٠٥م وصدقت عليها ۹۲ دولة، وبين مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى لم تصدق عليها سوى كندا وألمانيا وإيطاليا واليابان.

وبقدر ما يسعد المرء لهذا التوجه لدى البنك الدولي بقدر ما تنتابه الشكوك بشأن المبادرة فـ«زوليك» أمريكي جمهوري نائب سابق لوزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس»، ومستشار سابق في مصرف «جولدمان ساكس».  كتبت عنه مجلة «بيزنيس ويك» في ۲۰۰۳م أنه يسعى لطرح نفسه في موقع قيصر العولمة الأمريكي، ووصفته نشرة «ديسيدنت فويس» عام ٢٠٠٣م بأنه«يتقن استخدام خطاب الشفافية التلقائي  والوقح».

أما البنك الدولي فقد حاول لأكثر من ثلاثة عقود تطويع اقتصادات الدول النامية والفقيرة، لصالح الدول الكبرى، وسعى بالاشتراك مع صندوق النقد لفرض وصفة واحدة على مختلف الشعوب محتوياتها: الخصخصة وإعادة الهيكلة وبيع أصول الدولة، ورفع يد الدولة عن النشاط الاقتصادي، وبدلا من تحقق وعد الارتقاء بمستوى معيشة الفقراء حدث العكس مزيد من الفقر والبطالة.

فكيف يمكن الوثوق في مبادرة هؤلاء أصحابها إلا أن نشهد تغيرا ملموساً يمحو الصورة السابقة؟

  • ١٠٦ تريليون دولار قيمة فاتورة الفساد في أفريقيا سنويا

يقول تقرير للبنك الدولي: إن الفساد في الدول الأفريقية يلتهم سنويا ربع الناتج المحلي الإجمالي، أي ١٤٨ مليار دولار، بينها ٢٠ إلى ٤٠ مليارا رشاوى للحكام والمسؤولين، وأن ما بين ١,٦١ تريليون دولار يتم تهريبها خارج الحدود سنويا من نشاطات مالية وتجارية غير مشروعة.

ويسعى البنك الدولي لتخفيف حدة هذه الظواهر إلى مساندة البلدان في تحسين أنظمة الإدارة العامة وبناء المؤسسات وتحسين الأداء، وزيادة مستوى الشفافية والمساءلة، أي القضاء على الأسباب التي تسمح بوجود مناخ فاسد تتم فيه عمليات النهب والسلب، وهو اتجاه صحيح. وتبنى البنك عام ٢٠٠٧م إستراتيجية لنظام الإدارة العامة ومكافحة الفساد تمنح قدرا أكبر من الاهتمام بالإدارة العامة والتصدي للفساد في البلدان المختلفة ويعمل كوكالة تنمية تقدم المساندة لبناء الأداء والمساءلة في المؤسسات الرئيسية بالقطاع العام، وقد بلغ حجم إقراضه لنظام الإدارة العامة في القطاع العام نحو ٤,٧ مليار دولار في ۲۰۰۸ ، و ٥,٨ مليار في ۲۰۰۹م.

كما كثف البنك اهتمامه بتتبع الفساد ومعاقبة المفسدين من خلال مكتب نائب رئيس البنك الدولي لشؤون النزاهة المؤسسية، ويشمل ذلك حرمان الشركات التي يثبت تورطها في أعمال فساد من المشاركة في مشروعات يمولها البنك.

وأدى تنفيذ استراتيجية نظام الإدارة العامة ومكافحة الفساد لتركيز الانتباه على دور أصحاب المصلحة خارج السلطة التنفيذية كالمجتمع المدني ومؤسسات الرقابة الرسمية كالبرلمان والقضاء وهيئات المراجعة فضلا عن آليات تمكنها من ممارسة دورها الرقابي بفاعلية.

لكن على الوجه الآخر؛ أي تشجيع الدول الغنية على رد الأموال المنهوبة، لا يلمس المراقب أثرًا كبيرًا لمبادرة البنك الدولي فالدول النامية تواجه مشكلات عدة في استعادة الأموال المنهوبة، فقد استغرقت الفلبين ١٨ عامًا لاستعادة أموال كانت تخص حاكمها السابق فرديناند ماركوس من سويسرا، وأنهت نيجيريا معركة استمرت خمس سنوات لاستعادة ٥٠٠ مليون دولار نهبها الدكتاتور «ثاني أباتشا».

  • خطوات سويسرية

«سويسرا» من جانبها، قررت الدفع في اتجاه تيسير إعادة الأموال غير المشروعة إلى بلدانها، والسماح بتجميد الأموال في حالة استحالة التعاون القضائي مع الجهات المعنية أو مصادرتها في حال ثبوت عدم مشروعية مصدرها، أو إعادتها إلى بلدانها .

وتحتل «سويسرا » المرتبة الأولى في قائمة البلدان التي أعادت أكبر قدر من الأموال غير المشروعة المودعة في مصارفها ( أكثر من ۱٫۷ مليار دولار)، تمثل نصف الأموال غير الشرعية التي أعيدت من دول العالم لكن هذا المبلغ لا يعد شيئًا مذكورًا بالمقارنة بالأموال المنهوبة.

كما تتجه «سويسرا» لتعزيز آليات إعادة الأموال المنهوبة، حتى في حالة عدم قدرة البلد الأصلي على استيفاء الشروط القانونية للحصول على المساعدة القضائية ففي حالة اكتشاف بلد ما أن مسؤولين سابقين أو حاليين حولوا أموالا بطريقة غير مشروعة لحسابات مصرفية في سويسرا»، فإن المشكلة الرئيسة هي عدم القدرة على استكمال الإجراءات الضرورية للحصول على حق المساعدة القانونية أو القضائية من السلطات السويسرية، إما لتفكك النظام السياسي للبلد المتضرر، أو لعدم توافر الخبرة القانونية، أو لغياب الإرادة السياسية لمحاربة الفساد، أو لأن صراعات الأجنحة تؤدي إلى تعطيل الإجراءات.

وفي العادة، لا تملك تلك الدول القدرة على تقديم إثباتات تؤكد المسار الذي سلكته الأموال المنهوبة حتى وصلت «سويسرا». 

وترتكز مجموعة القوانين السويسرية الخاصة بإعادة الأموال ذات المصادر الإجرامية على خمس دعائم:

1- محاربة الرشوة.

2- التأكد من مصادر الأموال بقيام البنك بالتعرف على هوية الراغب في افتتاح حساب جديد، والاطلاع على هوية المستفيد الفعلي من الحساب.

3- إبلاغ السلطات عند ملاحظة أي تصرفات غير قانونية.

٤- طلب المساعدة القضائية في الحالات الإجرامية بناء على طلب من البلد الأصلي.

5- إعادة الأموال ذات المصدر غير الشرعي للبلد الأصلي، والعمل على أن يستفيد منها الشعب الذي سرقت منه.

ويشير «فالنتين تسلفيجر» مدير قسم القانون الدولي بوزارة الخارجية السويسرية إلى أن قانون المساعدة القضائية يسمح بالوقوف إلى جانب البلد الضحية، وفي بعض الحالات، دفعت «سويسرا» أتعاب محامين ليساعدوا على استكمال الشروط من أجل استعادة الأموال المهربة، كما في حالة الرئيس المالي الأسبق «موسى تراوري» في التسعينيات.

وترى «سويسرا » أنها ذهبت إلى أبعد مما تقوم به باقي الدول، فقد استعانت بإجراء دستوري يسمح بالتدخل لحجز أموال يحوم حولها شك في أنها مودعة بطريقة غير شرعية، وهذا ما حدث مع ودائع الدكتاتور الفلبيني «ماركوس»، التي احتجزت لتفادي قيام عائلته بسحبها، وفي المقابل لم ينجح هذا الأسلوب في قضية الدكتاتور الزائيري «موبوتو سيسي سيكو»؛ لأن نظام «لوران كابيلا» الذي جاء بعده لم يستكمل الإجراءات القانونية بعد أن استفاد من تجميد أولي للملف في عام ١٩٩٧م.

وقد بدأت في فبراير الماضي مشاورات إعداد مشروع «القانون الخاص بإعادة أموال وممتلكات تم اقتناؤها بطريقة غير شرعية من قبل أشخاص يتقلدون مهام سياسية» ليكون مكملاً لقانون المساعدة القضائية، ليتم استخدامه في حالة البلدان التي لا تقوى على استيفاء شروط المساعدة القضائية، ويسمح للسلطات بأن تعين قاضيا يقوم بمصادرة الأموال وإعادتها إلى البلد المتضرر.

ومن المنتظر أن يطبق هذا القانون على ودائع الدكتاتور الهاييتي «دوفالييه» (قرابة ٦ ملايين دولار) بعد انتهاء صياغته وعرضه على استفتاء شعبي، ويتوقع أن يدخل حيز التطبيق في عام ٢٠١١م.

وقد تمت إعادة أموال مودعة في «سويسرا»، أهمها :

- ۸۰۰ مليون من أموال الدكتاتور النيجيري السابق «أباتشا» (وهو أكبر مبلغ مالي تمت إعادته)، ويقدر المراقبون الأموال التي نهبها «أباتشا» بخمسة مليارات دولار في خمس سنوات!

- إعادة قرابة ۷۰۰ مليون دولار من بين أموال هربها «ماركوس» خلال فترة حكمه للفلبين بين ١٩٦٥ إلى ١٩٨٦م. 

- ۹۲ مليون دولار أموال «مونتسينوس» الرئيس السابق لجهاز مخابرات «بيرو».

- إعادة ٢١ مليون دولار لأنجولا .

- قضية كازاخستان: وهي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة وتتعلق بـ ٨٤ مليون دولار . وانتهت بتسوية بين سويسرا والولايات المتحدة وكازاخستان لتشكيل صندوق المساعدة الأطفال المحرومين.

- قضية الرئيس «كارلوس ساليناس» في المكسيك، فبعد تحقيق استمر من عام ١٩٩٦م حتى ۲۰۰۸م توصل إلى أن هناك ٦٦ مليون دولار محصلة من مصدر إجرامي وتمت إعادتها .

- قضية «دوفالييه» جمدت السلطات السويسرية قرابة 6 ملايين دولار من أموال دكتاتور هايتي السابق في انتظار تسوية مع سلطات بلده.

لكن أرقام المبالغ المستردة حتى الآن تعد ضئيلة للغاية إذا قورنت بحجم الأموال المنهوبة؛ فهي لا تتجاوز أربعة مليارات دولار من سويسرا وغيرها، مقارنة بنهب يتجاوز تريليون دولار كل عام، ولعل قيمة هذه الإجراءات أنها تحد من المزيد من النهب وتحويل الأموال للخارج، أما استعادة ما سبق نهبه فيحتاج إلى مزيد من الإجراءات القانونية من الدول، ومزيد من الشفافية من البنوك.

اتفاقية مكافحة الفساد: في ديسمبر ٢٠٠٥م دخلت المعاهدة الدولية لمكافحة الفساد» حيز التطبيق وهي أول أداة قانونية دولية ملزمة ترمي لمحاربة الفساد في القطاعات الحكومية والخاصة، وأغراض الاتفاقية هي:

١- ترويج وتدعيم التدابير الرامية إلى منع ومكافحة الفساد بصورة أكفأ وأنجع.

٢- ترويج وتيسير ودعم التعاون الدولي والمساعدة التقنية في مجال منع ومكافحة الفساد، بما في ذلك استرداد الموجودات.

3- تعزيز النزاهة والمساءلة والإدارة السليمة للشؤون والممتلكات العمومية.

وتزخر مواد الاتفاقية الثماني والستون (وفي كل مادة أكثر من فقرة) بالعديد من الإجراءات التي من شأنها إذا جرى تطبيقها أن تسد كل مداخل ومخارج الفساد المالي والإداري وتوقف نزيف الأموال، وتعيد الأموال المنهوبة وتضمن ألا يفلت سارق من العقاب.

وبخصوص السرية المصرفية والدول التي تؤوي الأموال المنهوبة نصت المادة الثانية على أن تتخذ كل دولة ما يلزم من تدابير الإلزام المؤسسات المالية الواقعة ضمن ولايتها القضائية بأن تتحقق من هوية العملاء، وأن تتخذ خطوات معقولة لتحديد هوية المالكين المنتفعين للأموال المودعة في حسابات عالية القيمة، وأن تجري فحصا دقيقاً للحسابات التي يطلب فتحها أو يحتفظ بها من قبل (أو نيابة عن) أفراد مكلفين، أو سبق أن كلفوا بأداء وظائف عمومية مهمة، أو أفراد أسرهم، أو أشخاص وثيقي الصلة بهم.

فيما حملت المادة (٤٠) عنوان «السرية المصرفية»، ونصت على أن تكفل كل دولة في حال القيام بتحقيقات جنائية داخلية في أفعال مجرمة وفقا لهذه الاتفاقية، وجود آليات مناسبة في نظامها القانوني الداخلي لتذليل العقبات التي قد تنشأ عن تطبيق قوانين السرية المصرفية، وقررت أنه لا يجوز للدول الأطراف أن ترفض تقديم المساعدة القانونية المتبادلة بحجة السرية المصرفية.

بل قررت الاتفاقية إنشاء وحدة معلومات استخبارية مالية تكون مسؤولة عن تلقي التقارير المتعلقة بالمعاملات المالية المشبوهة وتحليلها وتعميمها على السلطات المختصة.

مكافحة التهرب الضريبي: في مايو ۲۰۰۸م اتهمت السلطات الأمريكية موظفا سابقا في اتحاد المصارف السويسرية «يو بي إس»، ورجل أعمال من إمارة «ليختنشتاين» بمساعدة أثرياء أمريكيين على التهرب من دفع ضرائب على أموال مودعة في حسابات مصرفية بـ«سويسرا» و «ليختنشتاين».

وقادت التحقيقات للاشتباه في تورط اتحاد المصارف في عمليات تهرب ضريبي فطلبت منه السلطات الأمريكية معلومات عن ٥٢ ألف حساب لديه تخص أشخاصا أمريكيين، ورفض البنك متذرعا بأن تقديم تلك المعلومات يتعارض مع قوانين السرية المصرفية، وهو الموقف الذي أيدته الحكومة السويسرية.

لكن الموقف السويسري تغير تحت الضغوط، وسمحت السلطات الاتحاد المصارف بمد الضرائب الأمريكية بأسماء ٢٥٠ عميلا أمريكيا ساعدهم المصرف في قضايا التهرب الضريبي، كما اضطر البنك لدفع غرامة ۷۸۰ مليون دولار، وكان ذلك ثقبا كبيرًا في جدار السر المصرفي، بعدها سلم البنك بيانات متعلقة بـ ٤٤٥٠ من حسابات العملاء الأمريكيين ضمن اتفاق تخلت الولايات المتحدة بموجبه عن رفع قضية ضد البنك، واعتبرت دائرة الإيرادات الأمريكية الاتفاق مرحلة رئيسة في مساعي كشف نقاب السر المصرفي.

ولم تقف الحال عند الولايات المتحدة ففي مطلع العام الجاري اشترت فرنسا معلومات تحتوي أرصدة مودعين في فرع بنك «اتش بي إس سي» في جنيف، ولكن بعد تدخل رئيسي البلدين اتفق الطرفان على رد البيانات لسويسرا» مع حق فرنسا في الاحتفاظ بنسخة منها .

ثم ظهرت مشكلة سرقة بيانات مودعين أجانب في المصارف السويسرية، وأعربت ألمانيا عن رغبتها في شراء بيانات نحو ١٥٠٠ من أصحاب الحسابات للتأكد مما إن كانت تحوي أسماء الألمان يتهربون من دفع الضرائب.

وكانت المخابرات الألمانية قد اشترت في عام ۲۰۰۸م بيانات عن حسابات بنكية المواطنين ألمان في «ليختنشتاين».

وأعلنت النمسا وهولندا عن رغبتهما في الاستفادة من البيانات التي تعتزم ألمانيا شراءها، كما طالبتا بالتعرف على البيانات التي حصلت عليها فرنسا.

وهكذا تعرضت «سويسرا» لضغوط من عدة جهات من أجل الكشف عن الأرصدة الأجنبية في بنوكها، وقد أتت الضغوط ثمارها وبدأت أسطورة السر المصرفي تنهار تدريجيا .

وظهرت دعوات داخل «سويسرا» الوضع إستراتيجيات جديدة تكافح التهرب الضريبي، وتلتزم بالتعاون الدولي في مواجهته، وتقول «ماشا مادورين»: «بدا منذ عشر سنوات أن السرية المصرفية لن تستطيع الاستمرار في الصمود، فقد سبق مناقشة كل التصورات المتعلقة بالمساعدة القانونية أو الإدارية، أو المنافسة الضريبية في نهاية تسعينيات القرن الماضي من قبل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما أن مشكلة التهرب الضريبي عبر المصارف السويسرية كانت مطروحة للنقاش آنذاك في الولايات المتحدة، لكن انتخاب «بوش» الجمهوري أدى إلى تعطيل البت في الموضوع مؤقتا .. ومع انتخاب الديمقراطي «أوباما» أصبح واضحا أن موضوع التهرب الضريبي سيصبح ساخنا».

وبالفعل تفاقمت الضغوط على«سويسرا»، وزادت من قوتها الأزمة المالية والاقتصادية التي كلفت الدول أموالا باهظة ودفعتها إلى جباية المزيد من الضرائب...

ومارست مجموعة الدول العشرين ضغوطا قوية على «سويسرا»، ووضعتها ضمن القائمة الرمادية.

وقد ألغت بلجيكا السر المصرفي، وقبلت بالتبادل الآلي للبيانات المصرفية، ودعت «سويسرا» إلى الاقتداء بها حتى لا تبقى بلدا جاذبًا للمتهربين من دفع الضرائب، لكن بلدانا أوروبية أخرى مثل النمسا ولكسمبورج لا تزال متمسكة بالسر المصرفي، وترفض التبادل الآلي للبيانات، خوفا من أن يؤدي ذلك إلى هروب الأموال إلى «سويسرا».

ويقول «ديدييه ريندار» وزير المالية البلجيكي: «إذا تبين أن تسعة من كل عشرة من أصحاب الودائع في المصارف السويسرية يجب أن يتابعوا قضائيا بسبب عمليات تهرب ضريبي، ألا يجب على سويسرا أن تطرح السؤال: إلى متى ستظل تحمي ساحة مالية تجذب المتهربين من الضرائب في بلدانهم؟ كانت نقطة الخلاف الجوهرية أن القانون السويسري لا يعاقب على التهرب الضريبي (عدم الإعلان عن دخل معين) وإنما على التحايل أو الغش الضريبي (التلاعب بالبيانات الضريبية)، بينما تعتبر قوانين الدول الأخرى التهرب والتحايل جريمة واحدة.

وأصبح السؤال المطروح: ما العمل إذا كانت بعض الممارسات تعتبر جرائم في بلد ما، وليست كذلك في سويسرا ؟

الإجابة الواقعية لا مفر من أن تغير «سويسرا» سياستها، وتقبل بمعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي ستقود للتخلي عن السر المصرفي، أما إذا وقفت في وجه العاصفة فستصبح في وضع شديد الحرج والضعف والعزلة، خاصة بعد أن أقر البرلمان الأوروبي مبدأ التبادل الآلي للمعلومات.

وبالفعل بدأت «سويسرا» تليين الالتزام بالسر المصرفي، واتجهت لاحترام المعايير التي وضعتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في مجال التعاون وتبادل المعلومات بشأن الملف الضريبي، وأعلنت فتح الباب للتفاوض مع البلدان الأخرى للتوصل لاتفاقيات لمنع الازدواج الضريبي والاستعداد للتعاون في حالتي الغش والتهرب الضريبي.

ويحتدم الجدل بين الساسة السويسريين حول مستقبل السر المصرفي إذ يرى البعض أن لا خيار سوى إلغاء هذا التقليد لتحقيق الشفافية، وأنه يجب على الحكومة ألا تحمي مرتكبي المخالفات فيما يرى آخرون أنه ضروري لحماية المعطيات الشخصية والمصلحة الوطنية وأفاد استطلاع للرأي في فبراير الماضي أن ٦٢ من السويسريين يرفضون إلغاء مبدأ السرية المصرفية على الرغم من الضغوط الخارجية، وساندت أغلبية من أدلوا بآرائهم الحكومة في رفضها للتبادل الآلي للبيانات المصرفية، وفي دولة مثل «سويسرا» حيث الاحتكام للإرادة الشعبية هو أساس الحكم تصبح الحكومة بين فكي الكماشة : الضغوط الدولية، والرفض الشعبي لتغيير سياسة السرية المصرفية.

ولكن لماذا تتمسك غالبية الشعب السويسري بالسر المصرفي؟ يفسر ذلك أورس روٹ، عضو مجلس إدارة رابطة المصارف السويسرية بقوله: «إن حماية الخصوصية الفردية هي المرتكز الأساسي للنظام القانوني السويسري، ولابد من التمسك به».

ولكن هل هذا واقعي؟ تقول «ماشا مادورين»: «مارست الحكومة السويسرية طوال ٥٠ عاما سياسة دفن الرأس في الرمال، وما يتم اكتشافه اليوم تدريجيا، هو أن القوانين السويسرية لم تعد متطابقة مع العالم ولم تعد قادرة على تقنين ما يجب تقنينه .. الذين يرغبون في مواصلة محاولة إنقاذ السرية البنكية، ويعتقدون بأن لسويسرا مكانة تفاوضية قوية على الساحة الدولية، يعانون من عدم القدرة على إدراك الواقع... على الحكومة السويسرية أن تصدر قوانين جديدة؛ لأن ذلك هو السبيل الوحيد القادر على

التخفيف من الضغوط. لقد أصبحت كل دولة مستعدة لاستخدام كافة الوسائل المتاحة من أجل الضغط على «سويسرا»، فالدول الأوروبية تسعى لاستعادة ۲۰۰ مليار يورو تخسرها كل سنة بسبب التهرب الضريبي، وعلى «سويسرا» أن توازن بين المصالح المختلفة.

ومع توالي الضغوط تتوالى النجاحات في اختراق جدار السر المصرفي، فقد أعلنت «سويسرا» نهاية عصر الأرصدة المالية غير المعلنة، وذهبت أبعد مما تقتضيه معايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لمحاربة الملاذات الضريبية، وأقرت خطة مالية وجملة من المبادئ لضمان شفافية الساحة المالية السويسرية.

وأكد وزير المالية هانز رودلف ميرتس أعلن مؤخرًا عزمه على الاستقالة من منصبه أن «سويسرا» لا ترغب في استقبال أموال لم تستخلص عنها مستحقاتها الضريبية وهو ما يعني إلغاء التمييز السابق بين التهرب الضريبي والغش الضريبي بالنسبة للمودعين الأجانب.

والغريب أن هناك من يجرؤ على معارضة ذلك صراحة، قد علق أحد العاملين في قطاع الاستثمار المالي بقوله : لم يبق أمام الأثرياء الأجانب إلا التوجه للولايات المتحدة أو بريطانيا وسنغافورة، وهونج كونج، إنه ضرب من التخريب !! ويتساءل آخر : إذا كنتم لا تقبلون بالأموال غير المعلنة، فما البديل الذي أعددتموه؟

وبقدر ما تتسارع الخطى لكشف السر المصرفي في قضايا الضرائب، بقدر ما تتثاقل في قضايا إعادة الأموال المنهوبة .. ففي الأولى هناك حكومات تضغط نحو التنفيذ وفي الثانية هناك حكومات ومصرفيون وأصحاب مصالح يضغطون لوقف التنفيذ ولا تملك الشعوب المنكوبة حتى الآن الوسائل الكافية لاسترداد ثرواتها المسلوبة ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 237

98

الثلاثاء 18-فبراير-1975

المجتمع المحلي (237)

نشر في العدد 1651

113

السبت 14-مايو-2005

المجتمع المحلي العدد 1724