; عطايا الرحمن في شهر رمضان | مجلة المجتمع

العنوان عطايا الرحمن في شهر رمضان

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009

مشاهدات 123

نشر في العدد 1867

نشر في الصفحة 32

السبت 29-أغسطس-2009

الاستغناء عن الطعام من صفات الخالق فالصائم يتقرب إلى الله بأمر يتعلق بإحدى صفاته.

في شهر رمضان عطايا وهبات تجمع في أيامه ولياليه ما يرمز لأركان الإسلام الخمسة بلا استثناء.

ثواب أداء فريضة الصوم لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

حين يفكر المرء منا في حاله ويتفكر، وينظر في نفسه بصدق ويتدبر، ويجول بخاطره في هذا الكون الشاسع من حوله وما يحويه من أشياء ومخلوقات كلها مسخرة لخدمته ومسيرة لراحته لا يجد بديلًا عن خضوعه للمُنعم وانقياده للمالك، وذله للمعطي، وشكره للمهدي، شكرًا يتعانق فيه النطق باللسان مع التسليم بالجنان فهو سبحانه أهل أن يذكر ويُشكر وهو القائل سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: ١٥٣).

وتتجلى العطاءات الإلهية والهبات الربانية في كل وقت من الملك القوي الغني لعبيده الضعفاء الفقراء، إذ يشملهم برحمته، ويغطيهم بستره، ويكرمهم برعايته، لكنه عز وجل قد جعل لنا من فيض هذه النعم والعطايا ما لا نحسن عده ولا نحصي عدده، في مواسم كلها بركات، وليال تفيض بالخيرات لتنال النفوس حظها من البركة ونصيبها من الخير، وزادها من التقوى في أيام من العام معدودات يضاعف فيها الأجر والثواب وهي في أشد الحاجة إلى جوده وكرمه ونظره وعفوه، ومن هذه المواسم المباركة شهر رمضان.

معنى الاسم

وقد قيل: إنما سمي هذا الشهر الكريم برمضان؛ لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها بالأعمال الصالحة من الإرماض وهو الإحراق، ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت وأرمـضتني الرمضاء أي أحرقتني، ومنه قيل: أرمضني الأمر، وقيل: سمي بهذا؛ لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما إنما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس.

وقد اختص هذا الشهر العظيم بما لم يوجد في غيره من شهور العام من عطايا وهبات ،مباركات، إذ اجتمع في أيامه ولياليه ما يرمز لأركان الإسلام الخمسة جميعها بلا استثناء، ففيه كلمة التوحيد تتردد ليل نهار قولًا وعملًا، سرًا وجهرًا، على صفحات الألسنة وفي ثنايا القلوب، وعلى المنابر والمآذن، وفي دور العلم وحلق الذكر ومجالس الطاعات، وفيه فريضة الصلاة العظيمة والمحافظة عليها في رمضان هي أعظم وأشد ما يكون من أي وقت آخر بالإضافة إلى صلاة التراويح والتهجد ونوافل الصلوات التي تصل العبد بربه متى شاء، وفيه الزكاة - زكاة الفطر- وزكاة الوقت والفكر ، وصدقة المال المطهرة للنفوس المزكية لها وفيه صيام الفريضة، وهو صيام الشهر كله لمن وجب عليه، وكذا الصيام عن فحش القول وسيئ الأخلاق والأعمال، وفيه التوجه للقبلة كل يوم في الصلوات وكذا في قصد بيت الله الحرام في العمرة التي تعدل حجة، لكن أشهر ما تميز به واختلف فيه عن غيره من شهور السنة هو انفراده بفريضة الصيام الذي لا يجزي عليه إلا الله وحده سبحانه وتعالى.

عطية كبيرة..

وهذه الفريضة المباركة هي الهدية الثمينة والعطية الكبيرة التي انفرد بها رمضان دون غيره من إخوانه من الشهور وقد انفردت هي الأخرى في مقدار ثواب فاعلها عن غيرها من الفرائض المفروضة علينا، فالثواب المترتب على القيام بها وأدائها لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل كما جاء عن النبي : «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ...» (متفق عليه).

وفي قوله: «يقول الله: الصيام لي، وأنا أجزي به» (أخرجه الطبراني وصححه السيوطي).

فقوله تعالى: «الصيام لي»، أي أنه أحب العبادات إليّ والمقدم عندي ولا يطلع عليه غيري، «وأنا أجزي به» فلا أكله إلى ملك مقرب ولا غيره، لأنه سرّ بيني وبين عبدي، وفي هذا تعظيم الفريضة الصيام وتعظيم لثواب الصوم، وأنه لا حد له؛ وذلك لأن اختصاصه من بين سائر الأعمال بأنه مخصوص بعظيم لا نهاية لعظمته ولا حد لها، وأن ذلك العظيم هو المتولي لجزائه مما ينساق الذهن منه إلى أن جزاءه مما لا حد له.

«فإنه لي وأنا أجزي به»..

واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» مع كون جميع الطاعات لله تعالى فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنه لم أحد غير الله تعالى به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود يعبد والصدقة والذكر وغير ذلك.

وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزوة والصدقة وغيرها من العبادات الظاهرة، ويؤيده حديث «ليس في الصوم رياء»؛ وذلك لأن الأعمال إنما تكون بالحركات إلا الصوم، فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس، وليس للصائم ونفسه فيه حظ.

وقيل: إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى فتقرب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء، كأنه يقول: إن الصائم يتقرب إلى بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي.

وقيل: معناه: أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه أو تضعيف حسناته وغيره من العبادات أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها.

وقيل: إن الصوم لا يظهر فتكتبه الحفظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب.

وقيل: هي إضافة تشريف وتعظيم، كقوله تعالى: «ناقة الله» مع أن العالم كله لله تعالى وكما يقال: «بيت الله» وإن كانت البيوت كلها لله.

وقيل: إن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصوم، روى البيهقي عن ابن عيينة قال: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله تعالى عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم فيتحمل الله تعالى ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة، ويؤيده حديث أبي هريرة رفعه: «قال ربكم تبارك وتعالى كل العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به» (رواه الطيالسي وأحمد).

قال الحافظ ابن حجر: اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولا وفعلًا.

شهر الصبر..

ورمضان هو شهر الصبر، كما قال النبي : «صم شهر الصبر رمضان» (أحمد).. وأصل الصبر الحبس فسمي الصوم صبرًا لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والجماع.. قال الطبري: الصبر منع النفس محابها وكفها عن هواها، ولذلك قيل لمن لم يجزع صابر لكفه نفسه، وقيل لرمضان شهر الصبر لكف الصائم نفسه عن المطعم والمشرب.

والصبر ثوابه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:10).

بين يدي رمضان

زياد المشوخي

عندما يحل ضيف عزيز لزيارة أحدنا يستعد لاستقباله أتم الاستعداد ويسعى جاهدًا لتوفير ما يحبه الضيف، وعندما يبدأ العام الدراسي نستعد له أتم الاستعداد كذلك، وهكذا الحال في مواسم الإجازات، فماذا عن شهر رمضان؟

عادة ما يستقبل شهر رمضان بالتزود بالأطعمة المتنوعة المتعددة الأصناف حتى أصبحت سمة من سمات هذا الشهر، وهذا أمر لا ضير فيه طالما بقي في حدود المقبول والمعقول، ولم يصل إلى حد الإسراف.

إلا أننا يجب أن يتجاوز استعدادنا واستقبالنا لهذا الشهر شراء قائمة الأطعمة إلى أمور أخرى من أجلها فرض الصوم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).

فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى ولكن النفس إن لم تتهيأ وتستعد له فإنه قد يمضي عليها هذا الشهر كما مضى غيره، ومهما كان حماسها في أوله فإنه قد يفتر ويضعف، وقد تفوت الأيام المعدودات دون أن يشعر.

وإن من خير ما يُستقبل به شهر رمضان التوبة لله عز وجل، وأن يحاسب الإنسان نفسه، ولنعلم أن فضل الله واسع وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (أخرجه مسلم).

ولنعلم أن هذا الشهر موسم للربح؛ ففيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم، فهلموا إلى التنافس في هذا الموسم، فقد لا يتكرر.

ولنتذكر إخوة لنا كانوا معنا في رمضان مضى ولم يدركوه هذا العام ولنتذكر إخوة لنا يمر رمضان عليهم وهم في خوف وجوع وعطش وحصار، ولنتذكر إخوة لنا يمر رمضان عليهم وهم محرومون من رؤية ذويهم وأهليهم، ولنشكر الله عز وجل على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.

الرابط المختصر :