العنوان عفوًا.. فالصحوة الإسلامية ليست ظاهرة اجتماعية!
الكاتب شادي الأيوبي
تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010
مشاهدات 66
نشر في العدد 1901
نشر في الصفحة 37
السبت 08-مايو-2010
الصحوة التي برزت في البلاد العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية، وجددت طرح المشروع الإسلامي كحل عملي المشكلات الفرد والمجتمع والمنطقة بأسرها، اجتذبت أنظار العديد من الأكاديميين والباحثين والمحللين في الغرب والشرق الذين أوجدوا لها الكثير من النظريات والتفسيرات والتأويلات التي كانت تقترب حيناً وتبتعد أحيانا أخرى عن جوهر الحقيقة.
وكان العنصر الذي لفت أنظار الباحثين خاصة علماء الاجتماع، هو عودة فئتي الشباب والنساء إلى أحضان الإسلام من جديد لاسيما وأن الأدبيات الوافدة من الخارج، وتلك الموافقة لها، كانت تصوّر أشد الثائرين هاتين الفئتين على أنهما من على «تقاليد الإسلام، وسلطة رجال الدين والسلطة الأبوية المهيمنة على المجتمع»!
ومنذ وقت مبكر، ربط الكثير من الباحثين تلك الصحوة بتفسيرات سطحية وعزوها إلى ظواهر اجتماعية أقل ما يقال عنها: إنها بعيدة عن الواقع، مثل: انتشار الفقر بين بعض الفئات الاجتماعية، ونزوح فئات أخرى من الريف إلى المدن الكبرى، وتأخر سن الزواج لدى الشباب.. فيما لم تغب النظريات السياسية، مثل: ربط الصحوة بهزيمة عام ١٩٦٧م، وعجز الأنظمة العلمانية، وانسداد أفاق الإصلاح السياسي.. وأطلقوا عليها تعريفات تبين عدم فهم مطلقيها الطبيعة الإسلام والمسلمين والمنطقة التي يعيشون فيها، مثل: الإسلام السياسي والإسلام الراديكالي والمجموعات الأصولية وغير ذلك.
والعجيب في الموضوع هو هذا القدر من الاستغراب لدى هؤلاء الباحثين لظاهرة الصحوة وعودة الشباب للالتزام بدينهم والتماس حلول عملية لحياتهم مستقاة من تعاليمه، والبحث في فلسفة هذه الصحوة، وتسميتها بــــــ «الظاهرة»، وكأن هذه الصحوة لم يسبقها أي وجود لهذا الدين وحضارته، أو كان الأصل أن يكون المسلمون مبتعدين تماماً عن الدين، بينما الالتزام هو الاستثناء!
وإذا قرأنا بعض النصوص التي تدعي البحث العلمي في الصحوة فسيتضح لنا أن هناك قدرا كبيرا من الجهل والتحامل عليها في تلك الكتابات، وهناك رفض وإصرار على عدم وضعها في إطارها الصحيح، والبحث عن كل تأويل وتفسير غريب وبعيد عن المنطق والواقع لشرحها.
إن ربط صحوة الأمة اليوم بــــــ «الظاهرة» الاجتماعية أمر خطير وغير بريء من الأغراض، فهو تحييد لها عن أهدافها وعوامل قيامها، كما أن تسميتها به الظاهرة يعني بترها من السياق التاريخي الذي يحتم حصولها من جهة واعتبارها مسألة آنية مؤقتة من جهة أخرى. فالظواهر الاجتماعية تنشأ وتتطور في ظروف معينة ثم تبدأ بالضمور والاختفاء عندما تتغير هذه الظروف.
لن ندخل في نوايا ودوافع أحد من الخلق، فليس المقصود إظهار أن الجميع متآمر ضدنا، لكن هذا النهج أصبح تيارا جارفا في علوم الاجتماع اليوم، حتى صار يلزم مسبقاً أي باحث بالانتهاء إليه بطريقة أو بأخرى.
جهود جماعية
إن وقوع الأمة أو بعض شعوبها في محن أو هزائم سيؤدي دون شك إلى المناداة بالعودة إلى الدين والالتزام بتعاليمه، والتماس معاني ومقومات النصر من مبادئه وإن محاربة المستعمرين للحجاب أو أي أمر إسلامي سيؤدي إلى تمسك المسلمين به، لكن هذا ليس كافيا لشرح العودة إلى الدين ولا يمكن أن يكون سببا حصريا لها.
فالصحوة التي نشهدها اليوم نقطة صحية في تاريخ الأمة وإن حاول الكثيرون تصويرها عكس ذلك، والناظر في تاريخنا يعلم أن هذه الصحوة إنما هي امتداد لتعليمات وإصلاحات الأئمة والمصلحين الذين نادوا بالإصلاح والعودة إلى الله والتعامل بأوامر وتشريعات الإسلام في كل مجال، وإن كانت اليوم نتيجة جهود جماعية، بينما كانت في السابق نتيجة جهود مصلحین فرادی.
هذه الصحوة ليست ظاهرة اجتماعية أو سياسية وليست رد فعل على هزيمة عسكرية أو تردي الأحوال الاقتصادية، إنها عودة صادقة إلى المبادئ والأصول، ومحاولة جادة لإعادة روابط وعرى الوحدة بين أجزاء الأمة، وكل محاولة لشرحها وتفسيرها بعيدًا عن هذا السياق هو إصرار على رؤية قاصرة للأمور، وتحريف مقصود للسياق التاريخي لهذه الأمة.
إنها عودة صادقة إلى المبادئ والأصول.. ومحاولة جادة لتقوية روابط وعُرى الوحدة بين أجزاء الأمة.
(*) مراسل «المجتمع» في اليونان.