; عقدة.. اسمها الجدار | مجلة المجتمع

العنوان عقدة.. اسمها الجدار

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 49

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 15

السبت 16-أغسطس-2003

لأنهم مردوا على الغدر والعدوان وسفك الدماء وسلب حقوق الآخرين واستعداء الشعوب، ظل اليهود على الدوام ومنذ القدم. مهووسين بـ «عقلية الجدار»، والتحصينات الهائلة التي اعتقدوا أنها تحقق لهم الأمن والحماية. وقد وصف القرآن الكريم حجم الوهم الذي سيطر على عقول اليهود وأقنعهم بأن الجدران والحصون لا العدل والخير، هو الذي يوفر لهم الأمن والسلام.

 فعلى الدوام كانوا﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (الحشر:١٤)

وفي غزوة بني قريظة ظنوا

﴿  أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ ﴾ (الحشر:٢)

 ولكن أتاهم الله 

  ﴿ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الحشر:٢)

انهارت حصون وجدران بني قينقاع وبني النضير وقريظة وخيبر، ولم تغن عنهم قلاعهم شيئًا، لكن ذلك لم يغير من إيمانهم بالحصون والجدران. 

  • عقلية الجدار

وفي فلسطين، مارس اليهود «سياسة الجدار» – منذ الهجرات الأولى التي وطئت فيها أقدام المستوطنين اليهود أرض فلسطين في القرن التاسع عشر. فقد شعروا بالخوف والحاجة الماسة لإحاطة أنفسهم بالأسوار العالية والأبراج المحصنة، لكن تلك الجدران الخشبية والإسمنتية انهارت في أكثر من موقع في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وبدل إعادة النظر في سياساتهم والبحث – عن الأسباب الحقيقية لخوفهم، بالغ المستوطنون  في تلك الفترة بإحاطة مدنهم وقراهم بالجدران، في إطار حملة واسعة أُطلق عليها اسم «سور وبرج». 

وحين حاولت عصابات ، «الهاجاناة» الإجرامية إقناع اليهود بالانتقال من حالة الدفاع والتحصن داخل جدران المستوطنات إلى سياسة الهجوم على المدن والقرى الفلسطينية لارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين الآمنين، كان شعار تلك العصابات «الخروج من الجدار». ولكن بشكل مؤقت، ولتنفيذ مهام إجرامية، ومن ثم العودة للاحتماء داخل الأسوار والحصون. 

حتى قيام الكيان الصهيوني عام ١٩٤٨ لم يقنع اليهود بالخروج من «عقلية الجدار» ونفسية الخوف، فواصلوا سياسة التمترس وراء الأسوار وتحويل المدن والقرى والمستوطنات إلى قلاع حصينة، فكل مدينة وقرية محاطة بجدار، ولكن الدولة هي التي قامت ببناء الأسيجة هذه المرة، وهذه المرة أيضاً أضيفت الألغام خارج الجدران، خاصة في المدن والقرى الحدودية. 

وبين نكبة عام ١٩٤٨ ونكسة عام ١٩٦٧ تحت إحاطة مدينة القدس بالعديد من الأسيجة والجدران لحمايتها من المقاومين الذين يحاولون التسلل إليها، كما تمت الاستعانة بالعوائق المضادة للآليات وجميع المستوطنات التي قامت قبل عام ١٩٦٧ وبعده أحيطت هي الأخرى بالجدران بصورة مشابهة تمامًا لما كان عليه الحال في مستوطنات القرن التاسع عشر.

  • السور الواقي

ولأن عقدة الأسوار والجدران تسيطر على الإسرائيليين في الماضي والحاضر، اختاروا لعدوانهم الشامل على المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية في شهري مارس وأبريل عام ٢٠٠٢ اسم عملية «السور الواقي»، لكن ذلك الجدار المعنوي إنهار وانهار معه الأمن الصهيوني. وواصل المجاهدون الفلسطينيون إختراق الأسوار الأمنية المشددة، واستطاعوا الوصول إلى المدن والقرى وتنفيذ ضربات موجعة للمحتلين. 

أمام ذلك قرر شارون إقامة جدار عازل ضخم شبيه بسور برلين، لفصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين والحد من هجمات المقاومين. وبالفعل باشروا تنفيذ خطة الجدار العازل الذي قدرت بعض المصادر طوله بنحو ٥٠٠ كيلومتر أنجز منه حتى الآن نحو ١٥٠ كيلومترًا، ويتوقع أن يستغرق إتمام بنائه نحو عامين، حيث يجري العمل على مدار الساعة وبواقع ٢٤ ساعة يوميًا من أجل إنجازه في أقصر فترة ممكنة حتى لو أدى ذلك إلى زيادة التكلفة المادية. ويسبب حرص الاحتلال على أن يكون الجدار محصنًا ومرتفعًا جدًا، فإن التكلفة المقدرة لإنجاز المشروع تصل إلى نحو ملياري دولار، وبرر شارون خطة الجدار بأنها الحل الأخير لمواجهة المقاومين الفلسطينيين. جدير بالذكر أن الاحتلال كان قد أقام منذ وقت مبكر سياجًا إلكترونيًا شائكًا يفصل بينه وبين قطاع غزة.

  • اعتراف بالوهم

في الآونة الأخيرة بدأت ترتفع أصوات يهودية تنادي بإعادة النظر في «عقلية الجدار»، وتعلن معارضتها الشديدة لخطة السور الفاصل. وبرر المعارضون موقفهم بأن جميع الجدران التي بناها اليهود منذ نحو 150 عامًا وكذلك عبر التاريخ أثبتت عدم جدواها أو فاعليتها، بل إنها وفَّرت مبررات إضافية لتعريض الأمن اليهودي للخطر.

لكن الاعتراف المتأخر من قبل البعض بأن «عقلية الجدار»، ليست أكثر من وهم، لا يلقى آذانًا صاغية من قبل الحكومة والغالبية الساحقة من اليهود، الذين ما زالوا يقبعون في عقلية «الجيتو»،والحصون المنيعة .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل