العنوان عقدة الحل السلمي في أزمة «حنيش»
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 62
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 20-فبراير-1996
اليمن
صنعاء:
لا يزال الوسط السياسي والشعبي في اليمن منشغلًا بقضية الاحتلال الإريتري لجزيرة «حنيش» اليمنية الكبرى.. رغم أن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة قد استحوذت- هي الأخرى - على اهتمام اليمنيين بشكل طغى في أيامه الأولى على قضية «حنيش»، فعلى الرغم من المعاناة الاقتصادية التي ينوء بها الشعب اليمني، إلا أن الاحتلال الإريتري لجزيرة حنيش هي أكثر القضايا التي تجذب اهتمام المواطنين اليمنيين.. وبينما تعلن الدولة تفضيل الخيار السلمي لحل الأزمة، إلا أن الانطباع القوى لدى الشارع اليمني أن الآخرين لا يريدون إلا فرض سياسة الأمر الواقع.. ويستثمرون مرور الأيام لتكريس احتلالهم لجزيرة تعترف الخرائط الإريترية ذاتها بأنها يمنية، ومع أن العالم الخارجي انتفض بقوة في الأيام الأولى لانفجار الأزمة مبديًا اهتمامه بالأمر وخطورته على أحد أهم خطوط الملاحة الدولية، إلا أن الواضح أن ذلك الاهتمام قد تقلص كثيرًا، بعد أن اكتفت كثير من الدول بإصدار البيانات العاطفية الواجبة في مثل هذه الظروف.
على المستوى الدولي، لا يزال الموقف الأمريكي هو الأكثر غموضًا والأكثر إثارة للقلق.. وخاصة بعد صدور تصريح رسمي وصف الجزيرة بأنها «متنازع عليها»! لكن اليمنيين فسروا الأمر بأنه ناتج عن وجود بصمات للكيان الصهيوني في الأزمة.. مما يعني أن الأمريكيين يتعاملون مع الأمر بحذر تعاطفًا مع الإسرائيليين الذين يملكون نفوذًا قويًا على الجانب الإريتري.
أما الوساطة الفرنسية فتبقى هي الخيار الوحيد المعلن لإيجاد مخرج من الأزمة.. ورغم ذلك فإن نسبة التفاؤل في إمكانية حدوث انفراج سريع ضئيلة.. مع بروز تساؤل من قدرة «فرنسا» على فرض حل وإلزام طرفي
الصراع بتنفيذه!!
الموقف اليمني لا يزال يصر على إخلاء الجزيرة وإحالة القضية للتحكيم الدولي.. وهو يعكس ثقة قوية بامتلاك اليمن لوثائق تسنده في أي تحكيم دولي.. كما يطالب اليمنيون بأن يشمل التحكيم تحديد الحدود البحرية بين البلدين حسمًا لأى خلاف مستقبلي، وهذا هو لب الردود اليمنية على الوساطة الفرنسية.
على الجانب الإريتري، لم يتقدم الإريتيريون - حتى ساعة كتابة هذا التقرير - بردودهم على الوساطة الفرنسية حتى يستطيع المراقبون تحديد اتجاه سير الأزمة.. ولذلك تبدو الوساطة تتأرجح بين النشاط والخمول.
ولا يستبعد أن يعود مبعوث فرنسي إلى المنطقة لضخ دماء جديدة في المبادرة.
ولا شك أن المبادرة الفرنسية تبقى محكومة بمواقف أطراف أخرى على علاقة بالأزمة والمنطقة مثل الأمريكان والصهاينة.. وبالتالي فإن حلًا فرنسيًا للأزمة لن يكون متناقضًا مع مصالحهم.. وتلك هي عقدة أزمة «حنيش» الحقيقية.. لأن عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل فرض السيطرة الإريترية سيتحول إلى ثغرة ضعف واضحة في استراتيجية الإسرائيليين وخاصة أن اليمن - ومن ورائه العرب - قد اتضحت لهم بقوة أهمية الجزيرة وموقعها الاستراتيجي.. وفي المقابل فإن استمرار الوضع على ما هو عليه يدفع بالأزمة إلى خيارات عسكرية لا يعرف مداها إلا الله.
الاقتصاد: المشكلة مستمرة
على صعيد الإصلاحات الاقتصادية الجديدة التي أعلنت في يناير الماضي.. فلا تزال تواجه انتقادات حادة عبر الصحافة والمنتديات الشعبية!
ورغم أن الحكومة تجاوزت ردود الأفعال المضادة بخسائر قليلة غير متوقعة.. إلا أن الرأى الشعبي أن تلك الإجراءات كان يمكن أن تكون أقل قسوة لو كان هناك استعداد لتنفيذ إصلاحات في نفقات الدولة، وإجراء تخفيض ملموس في العمالة الوظيفية لدى الأجهزة الإدارية للدولة التي تجاوزت المعقول بسبب الممارسات الفاسدة.
ويمكن القول إن الاتجاه الوقائي للانعكاسات السلبية للإجراءات الاقتصادية يتركز في محاولة تخفيف سلبيات الإجراءات وتدارك الخطوات المتعجلة، بإجراءات أكثر تعقلًا وأكثر اهتمامًا بمعاناة المواطنين.
ولقد كشفت التطورات الأخيرة أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه مع الصندوق والبنك الدوليين، قد أجهض برنامجًا وطنيًا للإصلاح المالي والإداري كان الإسلاميون يسعون بقوة لإقناع شركائهم في السلطة بتنفيذه.
وهو برنامج كان سيجنب اليمن أية نتائج دولية بسبب حدوث فشل أو تعثر.. بينما البرنامج الدولي - إن صحت التسمية - يجعل اليمن- في حالة فشله - تحت رحمة الدول المانحة والهيئات الدولية الضامنة للمساعدات والقروض!
ويمكن القول إنه باستثناء ما تم الإعلان عنه من إجراءات لرفع إيرادات الدولة، فإن صورة البرنامج لم تتبلور تمامًا حتى الآن! فالهدف المعلن من البرنامج هو تثبيت سعر العملة المحلية على مدى الـ15 شهرًا القادمة كمقدمة للدخول في المرحلة الثالثة.. وهذا الهدف ربما يخضع للتعديل في تحديد سعر العملة المحلية لتحقيق وفاق بين طرفي الائتلاف الحاكم.. ومن ثم يمكن الحديث عن مدى نجاح البرنامج أو فشله!
الشيء المؤكد تقريبًا حتى الآن هو تجاوز طرفي الائتلاف الحاكم «المؤتمر الشعبي والإصلاح» لأزمة الخلاف حول البرنامج المعلن.. وظهور رغبة مشتركة في السعي لتخفيف سلبيات الإجراءات والتعاون المشترك لتدارك الأخطاء التي يمكن تداركها.