العنوان عقيدة التوحيد في مسرحية "البعد الخامس"
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973
مشاهدات 21
نشر في العدد 159
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 17-يوليو-1973
الحديث عن المسرح الإسلامي لم يحن أوانه بعد..
ذلك أنه غير موجود بصورته العملية الواقعية.. ولا يمكن لي أن أتكلم عن شيء لا يزال
في ضمير الغيب.. يعتصره الذهن اعتصارًا.. ويبحث عن صورته.. وما دام غائبًا -بصورته
العملية -فليس لي أن أفترض وجوده والتفكير فيه الآن سابق لأوانه.
لكن الحديث عن المسرحية المقروءة -أقصد
الإسلامية بالطبع -ممكن، ذلك لأنها فن أدبي نشأ منذ زمن.. وإن لم تكن البداية بقلم
مسلم.. إذ إن خط القلم المسلم في المسرحية الإسلامية ليس بإنتاجه بينونته الواضحة
حتى الآن.. وإن كانت هناك بدايات ظهرت.. وإن كانت في حقيقتها تقترب من الروح
الإسلامية المتمثلة في واقع الناس وفي حياتهم.. إلا أنها لم تبد حقيقة متمثلة
للعيان ممثلًا ملموسًا مرئيًا..
وليعلم القارئ أني لم أقصد إلى الحديث عن
المسرح الإسلامي وأسباب عدم وجوده فهذا مجال آخر.. ليس هنا موضع الحديث عنه..
وإنما الحديث عن المسرحية.. وليس شرطًا أن
تكون ممثلة أو مقدمة للناس على خشبة المسرح، فوجودها بين دفتي كتاب يضم فصولها
وحوادثها هو الذي أعنيه.
وهذه المسرحية التي نسميها إسلامية.. غير
موجودة أيضًا.. إلا من مدة بسيطة جدًا -موجودة ولكن لدرجة الندرة!
والذي ألجأني إلى الكتابة هو ما صادفته أثناء
قراءتي لمسرحية «البعد الخامس» لمؤلفها «أحمد رائف» فلما انتهيت منها راودتني نفسي
على تقديمها للقراء.. قاصدًا من وراء ذلك إفادة القارئ وإدلاله على ما يمكن قراءته
والاستفادة منه.
فهذه المسرحية المكونة من أربعة فصول إنما هي
بداية أراد بها مؤلفها فتح الباب للأقلام المهتمة بمناقشة قضايا هذه المجتمعات
الشاردة.. التي ابتعدت بُعْدًا شاسعًا عن مجالات الحياة ومراميها... حتى فقدت
آدميتها... ومع فقد الآدمية فقدت كل شعور!
هذه المسرحية نقطة بدء لمعالجة قضايا كثيرة
تتمثل في هذه الحياة التي تتنازعها التيارات وتختلط فيها المفاهيم.. ويقع الناس
فرائس لكل غوايات الشيطان -الشيطان المتمثل في الأفكار.. وفي عبادة الطواغيت.. وفي
التسليم المطلق لأهواء البشر.. ومن ثم عدم استعمال العقل لما خلق له..
والذي حدا بي إلى الكتابة عن هذه المسرحية
أنها منطلق جديد.. وإجابة لسؤال كان يدور في خلد الكثيرين.. حول إمكانية معالجة
القضايا الإنسانية العامة.. ومستقبل البشرية بمنظار الإسلام وبموازينه وقيمه.. وهل
يمكن للنظرة الإسلامية أن تستوعب قضايا الناس داخل المجتمع المسلم.. ثم أن تعبره
لتناقش قضايا الناس في خارج هذا المجتمع.. وتبحث قضايا الناس ومصائرهم فيما وراء
حدود هذا المجتمع... حتى في المجتمعات البعيدة عن روح الإسلام... بل والمحاربة له.
والمسرحية تطرح الإجابة وتلم بشخصياتها
القليلة... بكثير من التساؤلات وتطرح الأمور التي تشغل الذهن على بساط البحث
والتأمل أخذًا وردًا بين مختلف الاتجاهات على لسان الشخصيات.
وفي مقدمة هذه المسرحية التي قدم لها الأستاذ
محمد قطب يصف مؤلفها بأنه «فنان مسلم ذو كفاءة عريضة متنوعة» وهذا واضح من خلال
عرض المسرحية، إذ إنه يتمتع بذهن لاقط مفكر تتجلى فيه براعة اختيار المواقف لإذاعة
الحديث في صورة مناسبة جدا...
في البعد الخامس مناقشة عامة لموقف الإنسانية
التي تقف على شفا هاوية تكاد تهدها وتهوي بها إلى منحدر سحيق... مناقشة يقبلها
العقل والمنطق كما أنها تبعث في النفس ارتياحًا لملاءمة اختيار أسلوب الحوار
وطريقة الإقناع من ناحية الحوار الفكري.
وما لم يكن الكاتب متمكنًا من الإلمام بأبعاد
الموضوع الذي يكتب عنه مكملًا لشروطه واحتياجاته فإنه لن يبلغ ما يريد.. لأن
اعتماد ذلك يرجع إلى مقدرته في مناقشة الحقائق وخاصة إذا ما تعرض لموضوع كهذا قد
يؤدي به إلى مزالق بعيدة... لأن الكتابة عن الناحية الفكرية... وتداخل المفاهيم
واختلافها... ما لم تحكم فإنها سوف تبدو غامضة... كذلك عند عرض المذاهب المتبعة
بين أبناء البشرية الآن من أفكار إلحادية ومادية وما في صورتها... وما هو قائم على
التصور الرباني... كل هذه تحتاج إلى صفاء ذهن وعمق تفكير وترتيب بعيد الغور... حتى
يمكن للكاتب أن يستجلي حقيقة الموضوع ويؤدي غرضه وهدفه من خلال ما يقدم للناس.
والكاتب هذا في مسرحية «البعد الخامس» رجل
مسلم.. يؤمن بعقيدة التوحيد ويرى الناس من حوله وقد تعاورتهم أمور كثيرة وتجاذبتهم
حيل شتى.. وشغلتهم دنياهم حتى فرت بهم إلى متاهات غائرة... وسلكت بهم دروب التفرق
والضياع!
وقف الكاتب يتأمل هذه اللجة ورأى سفن الباطل
وهي تمخر بها.. والناس ما بين غريق ومشرف على الغرق.. وقلة هي التي اعتصمت بحبل
الله المتين فوجدت الأمن والسعادة واستشعرت الطمأنينة والهدوء.. وساءها ما تلقاه
البشرية من ضيم وضنك على أيدي نفر يعملون ما لا يعقلون ويأتون من الأمور ما لا
يعون بحال من الأحوال.
تجسدت هذه الصور بمخيلته... وطافت بذهنه هذه
الاستعراضات متتابعة متتالية- ولعل صورة اليوم الآخر كانت هي الأخرى ملازمة
لخياله... وهكذا المسلم... إذا أهمه أمر الناس وما هم عليه وتمنى لهم الهداية...
يرى ما هم فيه من هول وضياع... ويرى اختلاط الحياة بكل قبيح ومنكر... ويحس برد
اليقين يدب في أوصاله وينعش قلبه... فيتمناه لهؤلاء الذين جرفهم التيار... فضلوا
وأضلوا.. هكذا المسلم دائمًا لا يحقد على أحد- حتى لو جوبه بالإساءة- وإنما يطلب
الهداية للناس جميعًا... من بارئ النسم جل وعلا...
هذه الأفكار شطت بي وأنا أتلو المسرحية بصوت
خافت تارة، وتارة يعلو صوتي حتى لا أشعر أنني أقوم بتمثيل المسرحية... متقمصًا شخصياتها...
منفعلًا معها لأنني أحسست من خلالها ما عليه هؤلاء الناس.. الجاهل لذات نفسه..
والمعترف بخطئه، ثم محاولة الآخرين لتبصيره الطريق مهما كابدوا من مشقة وعنت آملين
أن يستجيب لفطرته ويرفع رأسه نحو السماء.
كل هذه الأفكار تترابط في ذهن المسلم... لذلك
يحسها إن كان قارئًا... ويعرفها وهي وحي تأثيره في الكتابة إن كان كاتبًا... لأن
هذا العلم الروحي والرابط النفسي والمتنفس الإيماني قد ربط بين هذا المسلم وذاك،
ربط بين الشعور والتصور والتماس وجه المعرفة الصريحة الحقة. وانطلاقًا من هذا
النور الذي يشع بين قلبيهما... لأنهما يسيران في طريق واحدة... رباطها الإيمان...
فالله- سبحانه وتعالى- هو الذي يملك هذه القلوب لذلك يحس كل منهما أنه يفهم الآخر
بهذا الأسلوب... وبهذا التصور... وبهذه المفاهيم السامية.
إن هذه التصورات... بل هذه الحقائق... أملت
للكاتب أن يدبج هذه المسرحية ليقدمها للجيل الذي ينشد نوعًا من الثقافة متمثلة في
كل صور الفنون الأدبية... ثم ليعلمهم تصور الإسلام العظيم... لكل ما في الكون وما
في الأحياء... وما في الجمادات أيضًا!
ومسرحية من هذا النوع... معالجة لقضايا الناس
جميعًا إنما هي تعبير عن تصور الإسلام للحياة كلها... ثم إنها تقدمه للذين يظنون
أن الإسلام لا يمكنه أن يسع بتصوراته ومفاهيمه وقيمه كل حقائق الحياة!
وكذب الذين يصرون على إشاعة مثل هذا الكلام.
وفيه تبيان لمن لم يدرك نظرة الإسلام الشمولية
لحقائق الكون والإنسان والحياة!!
ويثور سؤال أيضًا... حول إمكانية كتابة
المسرحية بتصورات الإسلام ومفاهيمه...
وهذا يعرف إذا فهم المسلم حقيقة دينه أولًا ثم
أدرك مفهوم «الفن الإسلامي»، من حيث قابليته للتعامل مع كل ما في الوجود من مباحث
مطروقة... ينظمها الإسلام ويسمها بميسمه... فتعرف أنها ليست تلك الصورة المخوفة
والتي يخشى منها على الإسلام... بل إن الإسلام لسعة فكرته واستعداده لإضفاء صفته
العالية عليها أن يخضعها لمفهومه... لأنه أعلى مقامًا منها... ولأنه أوسع منها
تصورًا... ولأنه أعمق منها إدراكًا لحقائق الوجود ولا تعسر عليه معالجة مشكلة من
مشكلات المجتمعات حاضرة كانت أو مستقبلة أيضًا... إذ إنه كما أعطى الماضي كل ما احتاجه
لتصحيح مقومات وتثبيتها... هو الذي يعطي الحاضر مقومات قيامه ونهوضه... هو الذي
يوجد للمستقبل من هذه المقومات حسبما تكون عليه حالته.
وفي مقدمة هذه المسرحية يجد القارئ كثيرًا من
إجابات الأسئلة التي تدور في عقله، وكفى ما كتبه مقدم المسرحية من نقاط إذ جعلني
أتوجه وجهةً أخرى في التكلم عن هذه المسرحية، وذلك من حيث التصورات التي تنتصب في
ذهن المسلم وهو ينظر إلى الحياة... ويحاول التعبير عنها بما أوتي من فهم ولمس
للواقع الماثل أمامه.
و«البعد الخامس» هو البعد المنقذ لما تورطت
فيه البشرية من مزالق ومهاوٍ... البعد الخامس... يقف يرقب الناس وهم يولولون
يبحثون من نصوع الحق فلا يجدونه إلا في مشكاة أنواره. ذلك البعد... عقيدة التوحيد
التي تزيل فوارق البشر وتؤلف الأرواح وتسمو بها... نحو غاية سامية... وهدف عالٍ...
وحكمة رافعة.
وهذه المسرحية بداية طيبة للكتابة في المسرحية
الإسلامية ولوضع اللمسات الأولى نحو بناء مثل هذا الفن وإبراز معالمه للآخرين...
ثم إنها التفات إلى كيفية معالجة أمور الحياة عن طريق الفكرة... كما أن نشر
التحليل عن طريق الفكر كان رائجًا... والتضليل باطل... والباطل زاهقٌ فالفكرة
الصحيحة حق... والحق لا بد منتصر... بإذن الله...
وبعد فإن كان لي أن أقدم للقارئ كلمة فإني أقول- وهذا رأيي- أن يلتمس الأخ القارئ هذه المسرحية ويطالعها على مهل، وليترك المقدمة... إلى أن ينتهي من قراءتها ثم يشرع في قراءة المقدمة... بعد أن يكون قد استدرك مفهوم المسرحية حسب فهمه لها... وليحفظ في نفسه ويردد كلامها في فكره... ثم لينظر في المقدمة ليجد فيها ما غمض عليه من أمورها... وليفهم مرادها الذي من أجله كتبت.