العنوان كيف يفهم الشيوعيون الإسلام؟ (۳)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 793
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 25-نوفمبر-1986
• العيب الشائع في كتابات الماركسيين العرب وهم يتعرضون للتاريخ الإسلامي - ومن هؤلاء بالطبع بندلي صليبا جوزي - هو إسقاط الفكر الماركسي - الينيني والفكر الاشتراكي عمومًا على بعض الحركات الفكرية أو الفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام مثل البابكية والإسماعيلية والقرامطة. فلا تجد كاتبًا ماركسيًا تعرض للتاريخ الإسلامي إلا وقد وقع في هذا المحذور حيث تجد ثناء مبالغًا فيه وانحيازًا مبتذلًا للبابكية والإسماعيلية والقرامطة باعتبارها حركات «اشتراكية» نشأت أو بالأصح طرأت على تاريخ الإسلام . فحركة بابك بالنسبة لبندلي صليبا جوزي هي حركة اشتراكية أخذت تنتشر انتشارًا سريعًا بين علوج الولايات الجنوبية من إيران وأذربيجان والعراق، أي بين الفلاحين هناك والبابكيين بالنسبة لبندلي صليبيا جوزي هم من الشيوعيين الأوائل الذين ظهروا في الدولة العباسية خلال خلافة المعتصم (۸۳۳ - ٨٤٢م) وكان هدفهم هدم الدولة العباسية وكافة ما تقوم عليه. ومن يقرأ في تاريخ البابكية – طبعًا في غير كتابات الماركسيين - يجد أنها حركة هدامة تطالب الفرس بالعودة لديانة زدادشت ونبذ الإسلام، ولذا فهم كانوا يقرون أسوارًا كثيرة مخالفة للشرع وموافقة للزردشتية مثل زواج الأخ من أخته وشرب الخمر وتحليل كثير من الأمور التي قد حرمها الإسلام، والمقدسي - وهو من المؤرخين من كتبة الجيل العاشر يقول أنه زارهم في بلادهم ورأى بعينه أن ليس في بلادهم مساجد وأنهم لا يقيمون أحكام الإسلام.» «انظر كتاب بندلي جوزي المشار إليه ص ١١٥» . ورغم هزيمة بابك ومقتله أمام جيوش الدولة العباسية وتشتت أتباعه إلا أن بندلي جوزى يصر على : «أن البذور التي ألقاها بابك وأصحابه وقعت في أرض خصبة طيبة أنبتت نباتًا حسنًا في وقته كما سنرى في الفصول الآتية» ويقصد بذلك الحركة الإسماعيلية أي جماعة عبد الله بن ميمون القداح. يقول بندلي جوزي عن هذه الفرقة: «فإنهم رأوا بعد درس شؤون الدولة العباسية درسًا وافيًا أنه لا بد للقضاء عليها وعلى نظامها الاجتماعي من بث الدعوة الاشتراكية الجديدة بين جميع الأمم والطبقات والأديان المؤلفة منها دولة المنصور وقتئذ... ثم دك الأسس التي كانت قائمة عليها الدولة المذكورة وأهمها الدين. » ص ۱۱۹ ويمضي بندلي جوزى في تبرئة هذه الفرقة من كل ما علق بأسمها وتاريخها في محاولة فاشلة للدفاع عنها.
ومن يقرأ عن الإسماعيلية في الكتابات المعتمدة - وليس في كتابات الماركسيين بالطبع - يجد أن هذه الحركة من الحركات التي تأمرت على الإسلام من حيث إنه دين وعقيدة وشريعة.
فقد كانت جمعية سرية يترأسها زعيم يُعرف بالإمام أو صاحب الزمان وله سلطة مطلقة على جميع أعضاء الجمعية وأن صاحب الزمان هذا لدى الإسماعيليين أعلى درجة من النبي صلى الله عليه وسلم وأولى بالاتباع. كما نبذت الإسماعيلية الشرائع المنزلة عامة والقرآن خاصة وكانوا يقسمون الناس إلى طبقتين: الأولى طبقة العميان والحمير - كما كانت الإسماعيلية تسميها - وهي التي بحاجة للتقيد بشرائع القرآن وأحكامه - كذا - أما الطبقة الثانية وهي الطبقة العالية فهي كما تقول الإسماعيلية - في غنى عن هذه الشرائع والفرائض ومنها الصلاة والصيام والزكاة وأركان الدين الإسلامي عمومًا. ومع ذلك يعتقد بندلي صليبا جوزى الماركسي الشيوعي أن هذه الحركة هي حركة إصلاحية ظهرت داخل جسم الإسلام. ويؤكد بندلي جوزي أن للإسماعليين دورًا كبيرًا في وضع رسائل إخوان الصفاء وهي أول دائرة معارف حاولوا أن يبثوا من خلالها مبادئهم حول الطبيعة والإنسان. ثم يؤكد بندلي جوزي على دورهم في علم التفسير حيث ساعدوا على نشر مبدأ التأويل ونشروا فلسفة التصوف وظن تأثيرهم في ابن عربي والحلاج وغيرهم.
وفي الحلقة القادمة نبحث موقف بندلي جوزي من القرامطة إن شاء الله تعالى.