العنوان على صهوة الكلمة .. الميكانيكي والديناميكي
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1986
مشاهدات 102
نشر في العدد 769
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 27-مايو-1986
في رمضان بالذات تزدهر حكاية «أنت تسأل والشيخ يجيب».
لا تخلو جريدة ولا إذاعة ولا محطة تلفاز من هذه الحكاية. سيل منهمر من أسئلة الجمهور موجهة للعلماء، وسيل آخر من أجوبة العلماء موجهة للجمهور.
ومن يتفحص أسئلة الجمهور من جهة وأجوبة العلماء من جهة أخرى لا يمكن أن تغيب عنه بعض الملاحظات.
أولًا: يلاحظ أن الجمهور يصب كل اهتمامه في أسئلته حول فروع الدين.
ثانيًا: أن الجمهور يركز على الفتاوى الشخصية لا العامة التي تعالج قضايا عامة.
ثالثًا: أن معظم الأسئلة تركز على الجانب العبادي من الإسلام.
هذه هي الملاحظات الثلاث التي يستشفها المتتبع لحكاية «أنت تسأل والشيخ يجيب» والتي تزدهر في رمضان بالذات.
من خلال هذه الملاحظات يتبدى لنا طبيعة تصور الجمهور للإسلام من حيث هو دين لا من حيث هو منهج عمران وحركة وحياة.
وحيث إن تصور الجمهور للإسلام لا يخرج عن نطاق المفاهيم الموروثة المرتبطة –تقليديًا– بالبنية الاجتماعية السائدة، يبرز الإسلام من خلال أسئلة الجمهور – وكأنه نظام ميكانيكي.
الإسلام من حيث هو دين فيه كثير من الأحكام، ولهذه الأحكام شكل وآلية ومظهر ومن جهة أخرى لها علة ومحتوى وجوهر والتركيز كما يتبدى من أسئلة الجمهور للعلماء - كثيرًا ما يكون على الشكل والآلية والمظهر، وقلما يكون على علل الأحكام ومحتواها وجوهرها.
هذا الفهم الميكانيكي -الآلي- للإسلام لا يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في الناس، ولا يتم من خلاله تعميق الوعي الإسلامي المطلوب في وسط الجمهور. وإذا -لا سمح الله- ظل التركيز دائماً على الجانب الميكانيكي -الآلي- في الإسلام دون استيعاب جوهر الدين والإطار الأوسع لروحانياته، فقد يأتي الوقت والزمان الذي يصبح الإسلام فيه عبئًا علينا لا عونًا لنا.
تصحيح المدخل لفهم الإسلام هو نقطة البداية المطلوبة. وهذا التصحيح لن يتحقق ما لم نستكشف الطاقة الهائلة والكامنة في الإسلام لتحقيق التغيير في أبنية حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، أي ما لم نستكشف الجانب الديناميكي في الإسلام: وأقصد بالجانب الديناميكي تلك النزعة الواضحة في أحكامه لتكريس العدل الاجتماعي والشورى السياسية وتصحيح مسارات توزيع الثروة بين الناس. لو تعزز هذا الفهم في وسط الجمهور للإسلام لما كان كل هذا التركيز على الجانب الآلي فيه كما نلمسه هذه الأيام.
والإسلام كما أفهمه وأحسه– ليس نظامًا سكونيًا وآليًا وثبوتيًا لا علاقة له بمجرى الحياة، بل على العكس هو مشروع كبير لتنظيم الحياة وتحقيق النهضة فيها والعمران والحركة في كل مراحلها.
والقرآن الكريم يحتوي على المبادئ الأساسية لمشروع النهوض الذي ذكرنا، ولذا فهو كتاب حركة بالأساس ومن حيث المضمون وليس فقط كتاب تعاليم بالمعنى التقليدي للكلمة.
والمطلوب من العلماء والخطباء والكتاب الإسلاميين التركيز -خاصة في المناسبات الإسلامية- على هذا الجانب الديناميكي من الإسلام وانتشال الجمهور من الأسئلة المكرورة التي تركز على الجانب الميكانيكي والآلي فقط دون استشراف لعلاقة ذلك بمجرى الحياة من حولنا.