العنوان على صهوة الكلمة.. حضارة بلا معنى ومذاق وهدف
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1986
مشاهدات 57
نشر في العدد 766
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 06-مايو-1986
يضع توفلر Toffler أصبعه في قاع الجرح حين يقول في كتابه الثمين «الموجة الثالثة The Third Wave» إن الحياة في حضارة الغرب باتت بلا معنى ولا مذاق ولا هدف (1). ويؤكد بأن الفرد -لكي يحيا حياة متكاملة- يحتاج لإشباع ثلاثة ميولات طبيعية لديه: أولها الانتماء لجماعة تستحق الاحترام، وثانيها وضوح المعايير والمقاييس التي تحدد الصحيح من غير الصحيح، وثالثها تحديد معنى لهذه الحياة وهدفها ومآلها. ويقول بأن الفرد الذي يعيش في المجتمع الغربي لم يتمكن من إشباع هذه الميولات الطبيعية المشروعة لأن المجتمع الغربي لا يشجع ولا يحرض الفرد لأن ينتمي إليه. فتكوين ذلك المجتمع يؤكد على الفردانية وبفعل صراعه مع النموذج الماركسي يحارب الجماعية، وهذه الطبيعة الفردانية للمجتمع الغربي أسقطت على إشكالية المعايير والمقاييس فجعلت كل شيء نسبيًّا ولا شيء مطلقًا، فما يراه ذلك الفرد صحيحًا قد لا يراه الآخر صحيحًا فاهتزت مجالات المعايير والمقاييس. ولذا -ولهذه الأسباب- صارت الحياة في المجتمع الغربي -كما يقول توفلر- بلا معنى ولا هدف ولا مذاق. لقد انهارت روح الانتماء للمجتمع بفعل الفردانية المتوغلة، وانهارت كل بناءات المعايير والمقاييس بفعل الفوضى الفكرية والثقافية المتدثرة بالحرية، ونتج عن هذا أو ربما تسبب بهذا غياب المعنى الكامن وراء هذه الحياة.
وليس من الضروري أن نذهب إلى الغرب ونعيش هناك لنتبين مدى صحة ما يقوله توفلر وها هو الغرب يأتي إلينا عبر صحفه ومجلاته وكتبه وأفلامه وأشرطته وغير ذلك من أساليب التواصل الإعلامي.
والمتأمل -مثلًا- للأفلام الغربية والمسلسلات الأمريكية يلحظ الخيط المشترك بينها وهو تأكيدها لظاهرات الجنس والعنف والشذوذ العاطفي والذوقي.
وتأكيدًا للفردانية المتوغلة في المجتمع الغربي نلحظ في الأفلام والمسلسلات الغربية تمجيدًا للمجرم والخارج على القانون.
والمشاهد لأعمال الغرب الفنية لا يستطيع أن يتجاهل الرومنطيقية التي تحيط بالمجرم والخارج على القانون والنظم، هذه الرومنطيقية التي تناشد وتستنهض كل أحاسيس التعاطف لدى المشاهد مؤشر خطير وذات دلالة مجتمعية أخطر بكثير مما نتصور نحن أبناء الشرق العربي المسلم.
لا شك -من جهة أخرى- أن الغرب استطاع أن يغرق هذا العالم بمبتكراته المادية «السيارات والطائرات والقاطرات والسفن وغير ذلك» وأن يبدع في هذا المجال، لكن نقطة الضعف في حضارة الغرب أنها أخفقت في صناعة العالم الجدير بالانتماء إليه واحترامه. نقطة الضعف في حضارة الغرب أنها أخفقت في إقامة المجتمع الذي ينمي روح الانتماء لدى الفرد، وأخفقت في عالم المعايير والمقاييس المستقرة والثابتة وحولت حياة الإنسان إلى سلسلة لاهثة من المتغيرات المتلاحقة المرهقة التي تتحكم بها آليات التسويق والترويج للسلع التي تقذفها كل صباح المصانع الغربية في أسواق العالم. لقد فشل الغرب إنسانيًّا ونجح ماديًّا ولا شك في ذلك.
إزاء كل هذا ينبغي علينا نحن أبناء الشرق العربي المسلم أن نقف من الغرب موقفًا انتقائيًّا فنأخذ منه ما يصلح لنا وندع ما لا يصلح لنا من حضارته، فإسلامنا قد أكد على الجماعية وروحها وحرض عليها، وإسلامنا قد حدد المعايير والمقاييس وبيّن لنا الصحيح من غير الصحيح، وإسلامنا قد أعطى معنى لهذه الرحلة التي تسمى الحياة.
(1) ص 377 طبعة 1981م سلسلة Pan Books - لندن.