العنوان على هامش أحداث رومانيا التلفزيون الجنائزي
الكاتب محمد الدكالى
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990
مشاهدات 90
نشر في العدد 973
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 10-يوليو-1990
على هامش أحداث رومانيا التلفزيون
الجنائزي
بقلم: محمد الدكالي
بخصوص ما تداولته جميع وكالات الأنباء العالمية، وتم بثه ونقله في جميع
شبكات التلفزة والمجلات والصحف والإذاعات... من «صور» و«معلومات» و«أرقام» عن
«المجازر» التي قيل إنها ارتكبت في حق أهالي مدينة تيميشوارا الرومانية قبيل
التصفية العاجلة لتشاوشيسكو وزوجته- التي ذكر أنها يهودية الأصل- وكانت ذات سطوة
بالغة في جهاز الحكم، نشرت مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية «مارس» (1990)
مقالًا لـ "إيغناسيو رامونيه"، وهو من كبار محرري هذه المجلة الشهرية،
عنوانه «أساطير وهذيان وسائط الإعلام: التلفزيون الجنائزي». وقد كشف كاتب المقال
أن الأمر لا يعدو أن يكون كذبة كبرى «ازدرتها» كل وسائط الإعلام العالمية.
الحذر
لقد تبين أنه لم تكن هناك أي مجازر مما صور في وسائط الإعلام، وبالتالي، فإن
الأرقام المنشورة عن أعداد الضحايا هي أعداد مبالغ فيها جدًا ولا علاقة لها
بالأرقام الحقيقية. يبدأ إ. رامونيه مقاله بسرد واقعة مثيرة عرفها الإيطاليون في
الخامس من فبراير 1990، عندما بثت قناة RAI2 «وثيقة ذات أهمية بالغة» كما
وصفها المعلق جياني مينولي، ويتعلق الأمر باعترافات حزينة وباكية لـ «القاضي»
سانسوفينو، وهو في حالة من التأثر الشديد، حيث ذكر أن المحكمة الانتخابية- التي
كان عضوًا فيها- قامت بتزوير نتائج الانتخابات التي جرت خلال سنة 1946 للإطاحة
بالملكية في بريطانيا. ووسط صدمة المتلقين «المشاهدين» الهائلة، وبمجرد انتهاء
«الاعترافات» تدخل المعلق مينولي ليطمئن المشاهدين إلى أن «الوثيقة» لم تكن إلا
مسرحية تم تلفيقها في الاستديو، وهذا الشخص لم يكن قاضيًا ولا شيء مما قيل. وإذا
لم يكن ما جاء في الشريط صحيحًا بالمرة، فإن الهزة التي أحدثها في نفوس ملايين
المشاهدين كانت حقيقة واقعة. وعلق مقدم «الخبطة الإعلامية» قائلًا «أن الهدف من
هذه العملية، هو إظهار الكيفية التي يمكن التحكم بها في المعلومات التي تبثها
التلفزة، يجب أن نتعلم الحذر من المعلومات المتلفزة والصور التي تقدم لنا».
أكبر خديعة تلفزيونية عرفت وأثرها
وبهذا المثال، استهل أ. رامونيه مقاله عن مذابح مزعومة وقعت في تيميشوارا،
والجانب الأول من الحقيقة يقول إن صور الأجساد التي أظهرتها التلفزات العالمية عن
مذبحة 17 يناير لم تكن سوى أجساد لموتى دفنوا حديثًا في مقابر الفقراء ويصف الكاتب
هذه الكذبة بأنها «أكبر خديعة عرفها التلفزيون منذ اختراعه». «كان لهذه الصور وقع
عجيب على المشاهدين الذين كانوا يتابعون منذ أيام وبانفعال كبير أحداث «الثورة
الرومانية» و«حرب الشوارع» في بوخارست، مع احتمالات عودة الوضع إلى قبضة أنصار
تشاوشيسكو «السيكوريتاني» ثم تأتي صور «المقبرة الجماعية» فجأة، لتؤكد حجم القمع».
وتبين مثلًا، كما يذكر رامونيه أن إحدى الجثث التي ظهرت وهي في حالة تفسخ،
والأسلاك ملتوية على الرجلين مما يوحي بحدوث حالات تعذيب بشعة، كانت لأحد الغرقى
في أحد المجاري، اضطر رجال الإنقاذ إلى جره بالأسلاك.
الهذيان الإعلامي الغربي
ويستشهد الكاتب بروايات مراسلي الصحف عن الهذيان الإعلامي الذي أصاب وسائط
الإعلام الغربية، نتيجة الترويج أو لحرب الإشاعات المنظمة التي كانت رومانيا
مسرحًا لها خلال تلك الأيام «يلاحظ المتتبع للأحداث اليومية كما وقع بثها خلال
أحداث رومانيا، أن الإشاعات عن الإرهاب كانت قوية جدًا، وأخذت مفهومًا يعين جيش
السيكوريتات وفصائل «الإرهابيين العرب» أيضًا الذين يساندونهم، كما أن مفهوم
الإرهاب أخذ ساعتها نفس مفهومه السائد في وسائط الإعلام الذي يعني الفلسطينيين
والعرب والمسلمين- تراجع جريدة لوموند خلال تلك المرحلة». ومن هذه الروايات من
تحدث عن «4000 قتيل» ومنهم من أعطى رقمًا أكثر دقة وهو (4630) كما ذكر مراسل جريدة
ليبراسيون «صادرة عن الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم». أما مراسلة «لونوفيل
أوبرفاتور» 28/12/1989 فقد تحدثت عن شاحنات النفايات المليئة بالجثث التي لا حصر
لها، والتي كانت تدفن سرًا في مقابر جماعية أو تحرق». ولم يكن ممكنًا معرفة عدد
القتلى «لأن جميع سائقي الشاحنات الذين كانوا ينقلون تلك الأعداد الهائلة من جثث
الضحايا، كانوا يعدمون لئلا يكشفوا عما حدث» «صحيفة ليبراسيون ومراسل وكالة
الأنباء الفرنسية في 23/12/1989 كما ذكر رامونيه». ومع رؤية تلك الجثث، وهي في تلك
الأشكال البشعة، لم يكن صعبًا أن يصدق الناس رقم (60,000) بل حتى (70,000) كما
تردد خلال تلك الأيام، وتناقلتها وسائط الإعلام، بينما العدد الحقيقي للقتلى- يضيف
أ. رامونيه- هو 700 قتيل، بمن فيهم أتباع الدكتاتور، وفي تيميشوارا سقط فيها 100
قتيل، كما أوردت صحيفة لوموند بتاريخ 14 فبراير 1990.
مقارنة
ويعقد الكاتب مقارنة بين هذا الهوس الإعلامي عن رومانيا، مع التعتيم الكامل
الذي ران على العملية العسكرية في بنما، فقد كان هناك منع تام لتصوير أحداث
الاجتياح الأمريكي، وعمليات القصف والمعارك التي دارت بين القوات الأمريكية وأتباع
نورييغا... «حوالي 2000 من الضحايا أغلبهم من المدنيين» سقطوا نتيجة للعمليات
الأمريكية. لم يتكلم أحد عن «المجزرة البنامية» ولا عن «المقابر الجماعية» فلم تكن
هناك سوى صور باهتة عن جنود أمريكيين وهم يصوبون أسلحتهم لمقاومين في إحدى
البنايات». «وفي الوقت الذي فتحت فيه- فجأة- أبواب حرية التصوير في بلدان أوروبا
الشرقية- بعد أن كانت مقفلة تمامًا- إذا بوسائط الإعلام تطلق العنان لتخيلات خطرة
وكريهة ومثيرة للغثيان». ويتحدث رامونيه عن الأثر الهائل الذي أحدثته التفاصيل
المخيفة عن الوضع خلال «الثورة» عن أشباح «مئات الإرهابيين» «العرب» الذين يساندون
«السيكوريتاتي» إضافة إلى «صور» المجازر في إذكاء حماس وتعاطف شديدين لدى الرأي
العام الأوروبي. والمتتبع لحركة المساندة التي تلقاها الرومانيون وقد كانت هائلة،
من جميع دول أوروبا الغربية وخاصة من فرنسا سيندهش لحجم التغطية الإعلامية الذي
صاحبها وأعقبها: غير أن التساؤلات ما فتئت تطرح حول الظروف المريبة التي عرفتها
رومانيا إبان «ثورتها» فمن الانقلاب المفاجئ بعد عودة تشاوشيسكو من إيران مباشرة
وتقديمه وزوجته «للمحاكمة»، والتعجيل بتصفيتهما، وقد تساءلت وقتذاك بعض وسائط
الإعلام عن مصير جثتيهما، وقيل أنهما «قد تلقيان في مياه البحر الأسود»!! ويضاف
إلى هذا ما ذكر عن الإخراج المسرحي لـ «المقابر الجماعية» وتضخيم الأرقام إلى حدود
غير معقولة...! وكذلك عملية تغيير الجلد بطريقة حربائية بين عشية وضحاها، للقيادات
والأطر الشيوعية، وهذا ما حدا بالطلاب وقطاعات شعبية أخرى إلى الاحتجاج الصريح،
وبالإضرابات أحيانًا على وجود نفس القيادات السياسية والعسكرية والأمنية التي عملت
لفترة مع الدكتاتور أو ممن بقوا في بنية السلطة حتى آخر لحظة من عمر الطاغية
الهالك. ومعروف أيضًا أن عددًا من المثقفين أو المنشقين الذين تم إدخالهم في لجنة
الخلاص الوطني، التي قيل عن ظروف وتاريخ إنشائها لغط كثير حتى اضطر شيفرنادزه إلى
نفي الإشاعات القوية التي تتساءل عن حقيقة ما تم إعداده فعلًا من طرف الروس وغيرهم
لتغيير الوضع في رومانيا... بذلك الشكل الذي تم فعلًا... قدموا استقالاتهم
الاحتجاجية.
أسئلة تبحث عن إجابة
فما هي حقيقة تكوين لجنة الخلاص الوطني؟ ما هي عمليات الإعداد التي تمت؟ ومن
قام بها ولأي أهداف؟! ما هي العلاقة بين الأحداث ووجود عدد من العناصر اليهودية في
لجنة الخلاص؟! وكذلك في بولونيا وفي غيرها من دول أوروبا الشرقية؟! هل هناك علاقة
بين كل هذا والتداعي السريع لاستئناف العلاقات مع إسرائيل من طرف هذه الدول؟! وهل
هناك علاقة بين هذا كله وبين «عملية نهاية القرن» للتهجير اليهودي إلى فلسطين.؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل