; بعد خطة.. الدكتور زغلول النجار في إعادة كتابة العلوم الأستاذ عبد الوارث مبروك يرسم خطوطًا عريضة لإعادة كتابة الدراسات الإنسانية من وجهة النظر الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان بعد خطة.. الدكتور زغلول النجار في إعادة كتابة العلوم الأستاذ عبد الوارث مبروك يرسم خطوطًا عريضة لإعادة كتابة الدراسات الإنسانية من وجهة النظر الإسلامية

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1976

مشاهدات 87

نشر في العدد 303

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 08-يونيو-1976

نشرت «المجتمع» مشكورة بحثًا قيمًا بالغ الأهمية للدكتور زغلول النجار عن «ضرورة إعادة كتابة العلوم من وجهة النظر الإسلامية» «في الأعداد: 297 – 300» وهو البحث الذي ألقاه أمام مؤتمر العلم والتكنولوجيا الذي عقد بالرياض في ربيع الأول 1396هـ. وأهمية الموضوع وخطورته تتركز- كما أشارت «المجتمع»- ع297 ص: 9-  في أنه يعني كشف أخطر منابع الدمار والتمزق التي تكاد تصيب بالشلل حياتنا، وتهدد أهم مقوماتها ومعقد الأمل في إنقاذها، وهو الدين. 

كما يعني اتخاذ الخطوة الأولى على الطريق الصحيح نحو علاج أدوائنا واستئناف ضخ عناصر القوة والحيوية في أوصالنا. إن تدريس العلوم من وجهة النظر الإسلامية معناه العودة إلى ذلك الخط الأصيل الذي تزدهر فيه العلوم وتستهدف خير الإنسان في الأولى والآخرة خطنا الذي كانت لنا عليه تجربة سابقة أتت أكلها بإذن ربها وارتقت بالمسلمين وبغير المسلمين، ويوم انحرف العلم عن هذه الطريق- حين صار بأيدي غير المسلمين- أصبح لعبة وأداة تسيرها الأهواء والنزعات فكان الدمار والرعب الذي نعيش فيه الآن. 

وإذا كان الدكتور زغلول قصر بحثه على العلوم البحتة، انطلاقًا من طبيعة المؤتمر الذي أعد البحث له، فإنني أعتقد أننا في حاجة ماسة أيضًا إلى إعادة تقييم مختلف أنشطتنا الفكرية والثقافية الأخرى، خارج دائرة العلوم الطبيعية تفحصها بعين المسلم ووعيه وبصيرته من منظور إسلامي أصيل واضح وشامل لنكشف ما تسرب إليها أو رسى عليها على أيدي الباحثين- مسلمين أو غير مسلمين، عن قصد أو عن غفلة نكشف زيف هذا الدخيل ووجه تصادمه مع عقيدتنا وتوجيهات شرعنا الإسلامي، ونحدد أخطاره وما في واقع حياتنا من أثارها من ضلال وتخريب في كل شؤون حياتنا الخاصة والعامة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع الصغير ثم الأمة الكبرى العربية والإسلامية. ومن خلال ذلك نضع أيدينا على مصادر الخطر ونحذر منها الغافلين ليستيقظوا ويروا الأمور والأشخاص والهيئات على حقيقتها التي طالما خدعوا عنها. 

وأعني هنا بالدراسات الإنسانية ما يطلق عليه أحيانًا مصطلح «الثقافة»، وإن كنت أرى أن تتسع دائرة كل من التسميتين لتشمل- إلى جانب الدراسات المعروفة من أدب وفن وفلسفة وأخلاق وتشريع وسياسة وإعلام ونحوها- مجموعة أخرى من الدارسات التي يميل بعض الباحثين إلى إلحاقها بدائرة العلوم نظرًا لاعتمادها في بعض مراحلها أو فروعها، خاصة في العقود الأخيرة من هذا القرن، على الأجهزة والمعامل والإحصائيات، وذلك مثل: علم الاجتماع وعلم الإنسان «الأنثروبولوجيا» وعلم النفس والتربية، وقد نضيف إليها الجغرافيا والاقتصاد واللغويات في بعض فروعها. فهذه الدراسات، وإن شاع تسميتها بالعلوم تختلف جوهريًا في الأسس والقضايا وميادين البحث وفي الغايات والوسائل عن العلوم البحتة من فيزياء وكيمياء وفلك وطب ونحوها. وليس استخدام تلك الدراسات للمعامل والإحصائيات إلا من قبيل الاستعانة بوسائل غيرها للتثبت من قضاياها ومن صدق أحكامها، وليس على أساس أن طبيعة البحث فيها قائمة على تلك الوسائل.

وليس أدل على الفرق الجوهري بينها وبين العلوم البحتة من كثرة النظريات المتباينة بل المتعارضة أحيانًا- حول العديد من القضايا في كل منها، وهي ظاهرة لا تجدها في العلوم إلا بنسبة محدودة جدًا وفي مستوى معين من البحث. إن البحث في هذه الدراسات- المتطفلة على العلوم- يصطبغ في أساسه بالذاتية لا الموضوعية- بله التجريد- الذي هو أبرز سمات البحث العلمي. ثم إن ميدان هذه الدراسات ومادة بحثها الإنسان الحي في بيئته متأثرًا ومؤثرًا، على أن مادة البحث العلمي هي المادة الجزئية غير الحية في الأعم الأغلب.

وإذا كان تدريس العلوم- في غياب النظرة الإسلامية- ينطوي على كل تلك الأخطار التي بينها الدكتور زغلول في بحثه فلست أشك في أن الدراسات الإنسانية- حين تدرس في غياب تلك النظرة الإسلامية الهادية- تنطوي على مفاسد أكثر عددًا وأبلغ خطرًا، ولذلك أسباب كثيرة منها: 

1- الدراسات الإنسانية تخاطب الإنسان كإنسان، ومن ثم فهي ألصق بفكره وبمقوماته الذاتية، كما أن لها من طبيعتها الخاصة ومن الوسائل التي تصطنعها ما يجعلها أقوى تأثيرًا على عقل الإنسان، ومشاعره، ومن ثم يسهل أن يقتنع ويؤمن بها، وقد يتغلغل ذلك في نفسه- عقلًا وشعورًا- فيصبح داعية لما أمن به ليس من السهل تشكيكه فيه أو زحزحته عنه. 

2- الدراسات الإنسانية- خلافًا للعلوم- تدور بحوثها حول قضايا حية تمس حياة الإنسان في مختلف أنشطتها، وتعالج قضايا الواقع الذي يعيشه صباح مساء. بحيث إذا نجا منها في ناحية أو موقف بذاته وصلت إليه أخطارها في عشرات من النواحي والمواقف التي تبرز له في صور وألبسة متباينة قد لا يتضح له وجه الربط بينها أو طبيعة الخطر الذي تحمله، ومن هنا يسهل عليه أن يبتلع- وهو لا يدري- هذا السم القاتل على جرعات خفيفة أو مغلفة تسمم فكره وشعوره قليلًا قليلًا حتى ينتهي به الأمر- وهو غافل- إلى الإلف أو الإدمان، وهنا مكمن الخطر الحقيقي. إذ يصبح العلاج في هذه الحال أمرًا صعبًا وأمل النجاح فيه هزيلًا! 

3- عدد الذين يتصلون بالدراسات الإنسانية- محترفين أو هواة، مدرسين أو دارسين- أكبر بكثير من عدد الذين يتناولون دراسة العلوم البحتة. بل إن كثيرًا من فروع الدراسات الإنسانية- كالأدب والفن- لتعرض أو تفرض على الجماهير من خلال الصحف وأجهزة الإعلام مسموعة ومرئية، وتحاط بعوامل الجذب والإغراء المتملق أحيانًا، مما يجعل جمهورها في ازدياد مطرد. 

4- كثير من الدراسات الإنسانية يحمل في طياته الدعوة، لأن الإنسان يخلطها بذاته، وقد يتخذ من أفكارها وتصوراتها مذهبا له في حياته. وليس أحب إلى الإنسان، حين يؤمن بشيء، من أن يجر غيره- بكل الوسائل- إلى مشاركته أو- بمعنى أدق- إلى أتباعه فيما يؤمن هو به. ومن هنا كانت المدارس والمذاهب والتكتلات ومظاهر التعصب ومحاولات الإقناع أمرًا تعرفه هذه الدراسات ولا تعرفه العلوم البحتة. 

5- الدراسات الإنسانية متاحة وميسورة أمام الجمهور الأعظم . فكل من يود الاطلاع على شيء من هذه الدراسات متوسطي الثقافة فمن فوقهم لا يلزمه إلا الكتاب وشيء من الجهد والوقت للقراءة، بل قد يجدها ميسرة بما هو أيسر من ذلك إنها على النقيض من العلوم التي لا تتيسر دراستها إلا بالمعامل والأجهزة وما يرتبط بها من إمكانيات، فضلًا عن أنها تتطلب خلفية معينة من دراسات متخصصة. إن الدراسات الإنسانية ليست ميسورة فقط، وإنما هي- خاصة في بلادنا- مفتاح سحري للعديد من أبواب الرزق والشهرة التي تفتحها وسائل الإعلام وأجهزته، أما المبزرون من دارسي العلوم البحتة فلا من يحظون من ذلك إلا بالقليل. 

6- الدراسات الإنسانية في جملتها تمس الدين، عقيدة أو سلوكًا أو تاريخًا، مسًا مباشرًا، أو غير مباشر، بل إن عددًا من هذه الدراسات يكون الدين في جوانبه تلك محورًا لقضاياها، ومن هنا يكون عظم الخطر في هذه الدراسات حين تقوم على رؤية بعيدة عن منظور الإسلام. ولأمر ما كان كل المستشرقين- أو جلهم على الأقل- وكذاك كان من تأثروا بهم من دارسينـا بالتلمذة المباشرة أو غير المباشرة هنا أو هناك، هم من المتخصصين في الدراسات الإنسانية كما كانت كل مخططات الهدم للإسلام والمسلمين، مما دبره أولئك ونفذه هؤلاء، تتخذ من هذا الفرع أو ذاك من فروع الدراسات الإنسانية مجالًا لها وستارًا.

7- النقل عن الغرب في مجال الدراسات الإنسانية- وهو المجال الذي يؤمن كل مسلم وكل عاقل أن الخطر كل الخطر في اقتفائنا خطى الغرب فيه- يفوق كمًا وعشوائية ما ننقله عن ذلك الغرب في مجال العلوم البحتة الذي يجمع المخلصون من المختصين أننا أحوج إلى علم الغرب فيه، وأن لا خطر هناك من استفادتنا منه في إطار نظرة الإسلام العامة. 

لقد جربوا في مجتمعنا وفي شبابنا في مختلف مراحل التعليم كل مذاهب الغرب وتشنجاته وكفرياته في الأدب والفن والتربية والقانون والأخلاق والاقتصاد. فكلما نعق في الغرب ناعق جاءونا بمسخ منه على أنه فتح جديد في بابه سينتشلنا مما أو قعنا فيه سابق له. 

ولو أنني ذهبت استقصي مبررات الخطر المهلك في الدراسات الإنسانية التي أقيمت على غير هدى من ديننا، كما هي حالها الآن في بلادنا، لطال الحديث.. ولست- فضلًا عن ذلك- بالمتخصص في كل هذه الدراسات حتى أستطيع أن أرى أبعاد الخطر في كل منها وأشير إليها..

لهذا أوجه نداء إلى كل مسلم حر الرأي ناج من التبعية للغرب، غيور على دينه وأمته، حريص على رضاء ربه والنجاة من غضبته يوم القيامة.

أنادي كل ذي علم وخبرة من ذلك الطراز النادر- في أي من تلك الدراسات أيا كان موقعه، أن يعيد النظر في مادة تخصصه من منظور إسلامي أصيل واع، وأن يعيد تخطيط هذه المادة شكلًا ومضمونًا على هدى من توجيهات الإسلام ومن مقومات المجتمع الإسلامي الذي نتطلع إلى إحيائه من جديد، وأن يقدم ثمرة عمله هذا للمسؤولين أو يعرضها على الناس.. فإن لم يستطع فلا أقل من أن يسلط- ومن خلال ذات المنظور الرشيد- ضوءًا كاشفًا على جوانب الزيف والضلال والإلحاد التي تسربت إلى العلم الصحيح في تلك المادة، فإن لم يستطع فلا أقل من أن يلفت انتباه الطلاب وإخوانه المخالطين إلى مواطن الخطر والانحراف في تلك الدراسة، وذلك أضعف الإيمان.

وإني لأعلم أن ما قدمته هنا لا يعدو صرخة مستنجد.. أما الإسهام الإيجابي وعرض صورة الواقع والمثال فيما تمكنني منه خبرتي ودراساتي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (سورة الكهف: 10).

الرابط المختصر :