; على هامش مؤتمر القمة الخليجي | مجلة المجتمع

العنوان على هامش مؤتمر القمة الخليجي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 03-يونيو-1981

مشاهدات 56

نشر في العدد 531

نشر في الصفحة 4

الأربعاء 03-يونيو-1981

لا نحسب أحدًا يغفل أو يجهل مقومات وأسس التعاون بين بلدان الخليج العربية، فهي كما قال أمير البلاد قبيل سفره إلى أبو ظبي لحضور مؤتمر القمة الخليجي «علاقات نابعة من عقيدتها الإسلامية السمحاء، وتشابه أنظمتها، ووحدة تراثها، وتماثل تكوينها السياسي والاجتماعي والسكاني».

ولكن السؤال الذي كان مطروحًا باستمرار هو: لماذا إذن لا تتطور العلاقة بين هذه البلدان إلى نوع من الوحدة، أو التنسيق الشامل في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟!

وكان الجواب بالطبع يكمن عند الأنظمة الحاكمة، وليس عند الشعوب؛ فالشعوب سجل التاريخ الحديث أنها ظلت دائمًا تتطلع إلى اللقاء والعمل الوحدوي، حتى عندما قامت بعض أشكال الوحدة العربية -ولو على غير أساس سليم- هللت لها الجماهير كخطوة أولى، ثم يتم تصحيح المسار.

وفي منطقة الخليج بالذات جرت محاولات كثيرة للاتحاد لم يكتب النجاح إلا لواحدة منها هي اتحاد الإمارات العربية المتحدة، والذي مازال يعاني من بعض آثار حب الذات والاستقلالية!

وقد أحسنت دول الخليج العربية الستة؛ إذ أعلن مسؤولوها أنهم يهدفون إلى نوع من التنسيق والتعاون وليس الوحدة؛ لأن الوحدة بمعناها الشامل تحتاج إلى جهود مضنية وآجال زمنية طويلة.

وعلى أية حال فقد انتهت كل التكهنات حول التعاون الخليجي يوم أن اجتمع قادة الكويت والسعودية والإمارات وقطر والبحرين وعمان، ووقعوا على النظام الأساسي لمجلس التعاون بين دول الخليج العربية، وهذا لا يعني أنه لم يكن هنالك تعاون بين هذه الدول، ولكن هذا التعاون الذي اتخذ أشكالًا سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية وتربوية؛ كان تعاونًا ثنائيًا، ولا يصل إلى مستوى ما يطمح إليه مجلس التعاون.

والآن بعد أن أصبح مجلس التعاون حقيقة قائمة يتحتم على مسؤولي الدول الأعضاء وكل العقلاء في دول الخليج العربية أن يتأملوا في التحديات التي تواجه هذا المجلس من أول قيامه... وما لم يتم تأمل هذه التحديات ووضع الحلول المناسبة لها؛ فإن الحديث عن المجلس وكونه نقطة تحول كبرى في حاضر هذه المنطقة نحو الأفضل، لا يعدو عن كونه لغوًا أو حبرًا على ورق.

أول التحديات

وأول التحديات تكمن في أهداف المجلس؛ إذ إنها بالرغم من تواضعها من حيث عدم النص على الوحدة إلا أنها أهداف كبار:

•  تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولًا إلى وحدتها.

•  تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.

 • يدعو إلى أنظمة متماثلة لمختلف الميادين بما في ذلك الشؤون الآتية:

أ- الشؤون الاقتصادية والمالية.

ب- الشؤون التجارية والجمارك والمواصلات.

ج- التعليمية والثقافية.

د- الاجتماعية والصحية.

هـ- الإعلامية والسياحة.

و- التشريعية والإدارية.

•  دفع عجلة التقدم العلمي والتقني

وتحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى إخلاص النية وصدق العزيمة ابتداء، ثم إنها تحتاج إلى جهود كبيرة، ونحن نفترض أن الإخلاص هو الدافع لجميع الأطراف لإنشاء مجلس التعاون، ولكن ما قاله أمير البلاد قبيل سفره إلى أبو ظبي لحضور المؤتمر أن «لكل دولة من الأعضاء أن تختار لنفسها ما ترتضيه من نظم داخلية، فالتعاون لا يقتضي التماثل» يكشف عن تحد يواجه تحقيق هذه الأهداف الكبار... إذ طالما لكل دولة أن تختار ما تشاء من نظم داخلية، فكيف يتم إذن توحيد النظم التشريعية والقانونية في مختلف المجالات؟!

المعلن والمخفي

والتحدي الآخر الذي يواجهه المجلس هو هل أهدافه المعلنة هي كل أهدافه أم أن هناك أهدافًا غير معلنة؟

وأساس هذا التساؤل يأتي من واقع التجربة السياسية العربية المريرة طوال العقود الثلاث الأخيرة... فما من وحدة أو لقاء أو مؤتمر إلا وكان له أهداف أخرى غير معلنة!

وليس هذا تشكيكًا كما قد يظن البعض، ولكن انطباع لدى الشعوب تشكل من واقع التجربة، لقد نفى كل القادة الخليجيين أن يكون المجلس نوعًا من التكتل أو الحلف، ولكن هذا النفي لا يكفي.

•  فالظروف التي عجلت بدفع عجلة التعاون بين دول الخليج العربية وبالذات إنشاء مجلس التعاون لابد أن يكون لها أثر في تشكيل المجلس وأهدافه. لقد جاء تشكيل المجلس في أجواء قيام حكم جديد في إيران لا تزال رحى الحرب بينه وبين العراق دائرة، وفي أجواء تكالب القوى الطامعة في الخليج، وانتشار قوات التدخل السريع الأمريكية، وقطع الحربية الروسية حول الخليج... وفي دول الخليج ذاتها.

•  تقدم التسهيلات العسكرية لأمريكا، ومن يقدمها للاتحاد السوفيتي. إن أجواء التواجد العسكري الأجنبي في مياه الخليج وبحر العرب وتهديد «أمن الخليج» لابد وأن انعكس على أجواء المؤتمر وسياسة مجلس التعاون.

إبعاد القوى الدولية

لكن البيان الختامي ركز على «إبعاد القوى الدولية» وأن مسؤولية أمن الخليج هي مسؤولية دوله وأبنائه، وهي مسؤولية «المجلس» وحده، فكيف يمكن تحقيق ذلك وبعض دول الخليج تصرح بدعوتها وقبولها للحماية الأجنبية؟! أو تتستر فيما يسمى بالقواعد والتسهيلات العسكرية؟!

ولتطمين الشعوب لابد من إرساء التعاون على أسس وقواعد سليمة وبسرعة لا تحتمل التأجيل ولا المماطلة.

أسس سليمة

إن مجلس التعاون يشكل بحق خطوة على طريق العمل الخليجي المشترك، ولكي تتبع هذه الخطوة خطوات، وثمة أسس لابد من بناء العمل المشترك عليها.

وأول هذه الأسس والضمانات ما جاء في بيان مجلس الأمة حول قيام المجلس؛ حيث قال البيان: «إن بلوغ هذه الأهداف -أهداف المجلس- إنما يتحقق على الوجه الأمثل بالاستمساك بأحكام الشريعة الإسلامية، والعمل بمبادئها القويمة التي تقوم عليها «الديمقراطية» الأصيلة النابعة من تعاليم ديننا الحنيف؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159) وتأسيًا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في المشورة والعدل، ومتابعة لركب حضارتنا في بناء المجتمع، وإرساء قواعد الحكم...

ومن مقتضيات هذا الأصل الكبير:

• إعادة النظر في سبل توزيع الثروة وإرسائها على أساس من الحق والعدل، طبقًا لأحكام الإسلام في شؤون المال والمعاملات.

• سحب الأرصدة المالية من الدول الغربية واستثمارها في أصول إنتاجية في العالم الإسلامي.

• هدم المبادئ والقيم الجاهلية التي تكرس التفاوت الاجتماعي.

• تحقيق وتوسيع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وتوسيع دائرة الحريات بما يتفق مع روح الإسلام؛ وخاصة حرية الفكر والدعوة إلى الله.

• اتخاذ التدابير الجادة للقضاء على الفساد الخلقي والانحلال.

وأخيرًا لابد من البعد الإسلامي للتعاون الخليجي؛ إذ إنه بدون تعميق هذا البعد يظل الأمل في تحقيق الأهداف ضعيفًا:

- فالعالم الإسلامي مجال خصب للاستثمار في الزراعة والتعدين.

- والعالم الإسلامي يمتلك القوى البشرية والخبرات الفنية.

- ودول الخليج بحكم انخفاض كثافتها السكانية لا تستطيع بمفردها أن تذود عن الحمى إذا ما احتدم الصراع الدولي حولها.

إنه بعد استراتيجي وعقدي، وما لم يؤخذ ذلك في الحسبان؛ فإن كل الخطط تظل ناقصة، وغير قادرة على تحقيق الأهداف.

وبعد فمقياس التعاون في الإسلام هو ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:2) وهذا المقياس يبقى على أية حال هو المحك الذي يجب على مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن يجتازه بسلام؛ ليكون مجلس خير وبركة لشعوب المنطقة.

الرابط المختصر :