العنوان على هامش مؤتمر فتح الرابع
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1980
مشاهدات 62
نشر في العدد 485
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 17-يونيو-1980
- المؤتمر الرابع هو أهم وأخطر المؤتمرات التي عقدتها فتح حتى الآن.
- التسوية السياسية سقطت ولم يبقَ أمام فتح إلا الكفاح المسلح، فهل تُسقِط غصنَ الزيتون؟!
- المؤتمر كرس القيادة التاريخية للحركة وأكد على أنها جماعية.
- كرايسكي يقول إن عرفات يريد حلًا سلميًا.
«ليس أمام المؤتمر إلا التشدد» هذا ما قاله أحد المراقبين في الساعات الأولى لانعقاد المؤتمر الرابع لحركة فتح في دمشق في نهاية الشهر الماضي. وبما أن الجلسات كانت سرية وحتى البيان السياسي، لم ينشر إلا في نهاية الأسبوع الماضي، فقد شاعت أنباء وتكهنات مفادها أن المؤتمر أسقط من حسابه العمل السياسي، واتجه نحو التصلب واعتماد الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. فهل حقًا كانت هذه هي النتيجة التي توصل إليها المؤتمر!؟
وهل سيتجه العمل الفلسطيني إلى العمل العسكري؟!
حقًا إن هذا المؤتمر «أهم وأخطر المؤتمرات التي عقدتها فتح حتى الآن» كما وصفه مسؤول فلسطيني. والسبب في ذلك مرده إلى طبيعة المرحلة، وما استجد على الساحة السياسية فيما يتعلق بالحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، وما آل إليه الوضع الداخلي لحركة فتح التي تعقد أي مؤتمر عام لها منذ تسع سنوات، ونظرًا لحجم حركة فتح وأهميتها القيادية في الساحة الفلسطينية، فإن أي برنامج سياسي يتم التوصل إليه في هذا المؤتمر سينعكس على مجمل العمل الفلسطيني سواء في المجلس الوطني الفلسطيني أو في منظمة التحرير الفلسطينية.
لماذا تأخر انعقاد المؤتمر؟
- فقد كان من المفروض أن يعقد هذا المؤتمر في عام ۱۹۷۳م، أو في عام ١٩٧٥م على أبعد تقدير حسب النظام الداخلي للمنظمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه إذًا هو: لماذا التأخر والتباطؤ من قبل قيادة فتح في الدعوة والتحضير لمثل هذا المؤتمر؟ لقد قالت القيادة: إن السبب في ذلك هو الظروف الأمنية! ولكن هل زالت الظروف الأمنية؟ ألم يتم تحويل مكان انعقاد المؤتمر من بيروت لدمشق لأسباب أمنية؟!
لقد ظل العمل الفلسطيني المسلح يتعرض لمضايقات وملاحقات وحروب منذ عام ۱۹۷۳م وحتى الوقت الحاضر ولا زال الجرح الفلسطيني في لبنان ينزف دمًا. وإذًا فإن مسوغ الظروف الأمنية ليس كافيًا لكل هذا التأخير.
ولعل المراقب يستطيع القول: إنه خلال هذه السنوات كانت قد طُرحت حلول كثيرة للقضية الفلسطينية، وقد أملت قيادة فتح والمنظمة خيرًا في بعض هذه الحلول مما أدى إلى تكثيف العمل السياسي الفلسطيني على الساحة العربية والدولية.. طمعًا في التوصل إلى حل سياسي للقضية والحصول على دولة فلسطينية مستقلة!
وفي هذه الأثناء كانت الحركة قد توسعت كمًا وكيفًا، وكنتيجة لهذا التوسع ولعدم وضوح مسؤولية رجال القيادة ومضيهم قدمًا في الحل السياسي أو التحرك السياسي على رأي السيد عرفات، فقد تهيأ جو لمزيد من البلبلة وتباين الآراء داخل الحركة، مما أخذ ينذر بانفجار داخلي.
وبما أن جهود التسوية السياسية أو الحل السلمي قد فشلت حتى الآن وتشكلت لدى القيادة قناعة بأن الحل السياسي خاصة وفق التصور الأوروبي سيحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى يؤتي أكله، كما عبر عن ذلك أكثر من مسؤول فلسطيني من اللجنة المركزية لحركة فتح. فلا بد إذًا من عقد مؤتمر عام للحركة يسوي جميع هذه المشاكل ويكرس القيادة للخميرة الأولى في الحركة.
ولتسوية المشاكل الداخلية فقد تم وضع نظام داخلي للحركة، أبرز ما فيه انتخاب اللجنة المركزية والمجلس الثوري وتأكيد صفة جماعية القيادة ووضع الضوابط اللازمة لحسن أداء القيادة ومحاسبتها.
وتكرست القيادة السابقة:
وبالرغم من الانتقادات اللاذعة التي وجهها التيار المنادي بالتشدد ضد قيادة الحركة وبالذات ضد السيد ياسر عرفات نفسه وممارساته على الصعيدين العسكري والسياسي، إلا أن المؤتمر بايعه أمينًا عامًا للحركة وقائدًا لها بالإجماع.
وقد تكرست القيادة التاريخية كذلك بإعادة انتخاب أعضاء اللجنة المركزية العشرة السابقين أضيف إليهم خمسة، اثنان منهم من أنصار السيد عرفات شخصيًا هما هاني الحسن وسعد صايل. وقد خولت اللجنة انتخاب ثلاثة أعضاء آخرين بموافقة أغلبية الثلاثة أرباع. وهذا ما يضمن بأن يكون المنتخبون الجدد منسجمين مع منظومة القيادة التاريخية التي توسعت في التحرك السياسي بقيادة السيد عرفات الذي وصفه كرايسكي مؤخرًا «السياسة 10/ 6/ 80» قائلًا: «إنه شخصية قوية ويريد حلًا سلميًا»، وأضاف «وأكون سعيدًا إذا ضاقت الهوة بينه وبين السادات».
وأما حكاية انتخاب السيد خليل الوزير نائبًا لعرفات القائد العام لقوات العاصفة فتعتبر خسارة شخصية للسيد الوزير وتكريسًا للقيادة التي تؤمن بالحل السياسي.
الوحدة الوطنية:
ومما تناوله المؤتمر بحث موضوع الوحدة الوطنية الفلسطينية. ولقد ذكر
أبو جهاد في مقابلة مع صحيفة السفير اللبنانية أنه انسجامًا مع هذا المطلب المُلح فقد تم بحث دمج قوات العاصفة مع قوات جيش التحرير الفلسطيني.. وبالرغم من أهمية الوحدة والتلاحم بين جميع القوى الفلسطينية، إلا أن المراقب لا يسعه إلا أن يتساءل لماذا الوحدة الفرضية الآن؟ وفي هذه الظروف العربية والدولية التي تجمع على أن حل القضية الفلسطينية لا يمكن إلا أن يكون حلًا سلميًا يضمن الاعتراف بحقوق جميع الأطراف بما في ذلك حق إسرائيل في البقاء؟! والسؤال الآخر لماذا تكون البداية في دمج قوات العاصفة بجيش التحرير النظامي الذي لا يتحرك إلا بأوامر و«إجماع عربي» ؟!.. ومن هنا يمكن القول: إن جميع التغييرات على المستوى التنظيمي للحركة بالرغم من إشاعة أن الجو العام للمؤتمر كان مع الكفاح المسلح ستظهر في المستقبل بوضوح أنها كانت ضرورية للسير في طريق الحل السياسي والحصول على دولة فلسطينية مستقلة إن أمكن أو متحدة مع الأردن!
البيان السياسي:
وعلى أية حال فقد تم نشر البيان السياسي للمؤتمر، والقارئ العام للبيان قد يخرج بنتيجة مفادها أن البيان قد دعا فعلًا لاعتماد الكفاح المسلح طريقًا لتحرير كامل التراب الفلسطيني والتخلي إلى غير رجعة عن الحلول السياسية... ولكن قراءة متأنية للبيان تجعل المراقب يخرج بالملاحظات التالية:
- في الوقت الذي ثبت فيه بالبرهان القاطع عدم إمكانية التعايش الطائفي من خلال التجربة اللبنانية والسورية وفلسطين المحتلة، عاد البيان ليطالب بهدف خيالي غير قابل للتطبيق وهو «إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني تحفظ لجميع المواطنين فيها حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساوة دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة».
وخير برهان على سقوط هذه المقولة موجة الإرهاب اليهودي الأخيرة ضد سكان الأرض المحتلة التي تُوجت ببتر سيقان رؤساء بلدية نابلس ورام الله.
- وفي الوقت الذي بدأت تتضح فيه أن القضية الفلسطينية قضية إسلامية، وبدأت حركة المد الإسلامي تنمو وتترعرع بشكل ملموس أفرغ البيان القضية الفلسطينية من المحتوى الإسلامي. ولم يذكر شيئًا يمت لذلك غير كلمة ديني في عبارة «والتحرير هو واجب عربي وديني وإنساني».
- بالرغم من أن البيان قد نص على «أن أسلوبنا لتحقيق أهدافنا هو الثورة الشعبية المسلحة كونها الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين، وأن الكفاح المسلح هو استراتيجية وليس تكتيكًا..»، إلا أنه في الفقرة بعنوان معسكر الأصدقاء طالب في البند الثالث «بتمتين العلاقات الخارجية لحركتنا، وتكثيف تحركها السياسي، انطلاقًا من مبادئ حركتنا وبرنامجها مع إقامة التحالفات مع القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية التي تقف إلى جانب نضالنا العادل وحقوقنا المشروعة.
وفي الفقرة (ج) الخاصة بدول السوق الأوروبية واليابان وكندا دعا البيان إلى: تكثيف العمل السياسي في هذه الدول والاستفادة من تأييد القوى السياسية والديمقراطية والتقدمية فيها من أجل تقليص الدعم للكيان الصهيوني وتحقيق عزلته! عن طريق الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.
وقد اختتم البيان بالعبارة التالية:
«وختامًا فإن المؤتمر العام لحركتنا يؤكد على ضرورة حماية وتدعيم المكتسبات والإنجازات السياسية التي تم تحقيقها على صعيد الساحة الدولية التي جعلت من قضية فلسطين قضية حية تحظى بأوسع تأييد دولي مما جعلها طليعة حركات التحرر العالمي وحاملة رايتها».
على أن ما هو أوضح من ذلك البند السابع من فقرة على الصعيد الفلسطيني الذي جاء فيه «انسجامًا مع الموقع القيادي لحركتنا في منظمة التحرير الفلسطينية وما ورد في البرنامج السياسي حول هذا الموضوع وشرعية منظمة التحرير الفلسطينية على الساحة العربية والدولية، اعتبار القرارات السارية للمجالس الوطنية الفلسطينية جزءًا مكملًا للبرنامج السياسي للحركة لا يتعارض مع مبادئ وأهداف حركتنا وبرامجنا السياسية».
والجدير بالذكر أن المجلس الوطني كان قد أقر العمل السياسي للحصول على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإقامة سلطة وطنية على أية أرض يتم تحريرها أو الانسحاب منها!
وهكذا يتضح أن البيان في الوقت الذي دعا فيه إلى اعتبار الكفاح المسلح استراتيجية وليس تكتيكًا أفسح المجال للتحرك السياسي.
- بالرغم من أن البيان اعتبر الانتماء الفلسطيني هو محور العلاقة مع جميع الدول والأحزاب، ونادى باستقلالية القرار الفلسطيني ورفض الوصاية على القضية الفلسطينية. إلا أن البيان أولى اعتبارًا لدول جبهة الصمود والتصدي أكثر من غيرها على المستوى العربي، وأولى اعتبارًا أكثر لدول المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي على المستوى الدولي!
وقد يكون لانعقاد المؤتمر في دمشق أثر في ذلك، ولكن المبدأ يجب أن يلتزم به حتى يحفظ لأصحابه الاحترام. هذا من الناحية الثورية، ومن الناحية العملية فإن الثورة الفلسطينية قد عانت كثيرًا من دول جبهة الصمود والتصدي، وربما أكثر مما عانته من الدول المحافظة أو «الرجعية».. وإذا كان موقف ليبيا القذافي خاصة تجاه فتح لا زال ماثلًا، فإن ما يستحق الذكر هو أن سوريا كما أفادت الأنباء قد اعتقلت مجموعة فدائية حاولت القيام بعملية عبر أراضيها على أثر تصريح الأسد بفتح الحدود السورية أمام العمل الفدائي!! بل إن النظام السوري قد رفض إطلاق سراح مدير مالية فتح وآخرين اعتقلوا بتهمة مؤازرة الإخوان المسلمين!!
إننا نعلم ونقدر أن الشعب الفلسطيني والثورة المسلحة مستهدفان عربيًا ودوليًا، وأن الفلسطينيين في لبنان والداخل تنتظرهم أيام عصيبة - كما قال عرفات -، ولكن إذا كان الأمر كذلك، أليس الأجدى أن نكون صرحاء، وأن نموت في سبيل الحق الذي نعتقده!؟
ثم هل يقبل الملك حسين أن يكون الأردن «قاعدة ارتكازية أساسية من قواعد النضال والكفاح».. كما دعا البيان دون الاتفاق على شيء معين، ربما تعلق بمستقبل العلاقة بين الأردن والضفة إذا انسحبت منها «إسرائيل»؟!
- إن البيان السياسي يظل -كأي بيان سياسي عربي- حبرًا على ورق ما لم يترجم إلى واقع عملي. وإننا إذ نؤمن بأن فلسطين قضية إسلامية ولا يمكن أن تتحرر إلا كما تحررت من قبل على يدي القائد المسلم البطل صلاح الدين، فإننا نأمل ونرجو من الثورة الفلسطينية، إذا لم تكن قادرة على ذلك حاضرًا، أن تصبر وألا تستسلم، وأن تتبنى الإسلام عقيدة وسلوكًا، وتعمل على زيادة التلاحم مع الجماهير الإسلامية، ومن هذا المنطلق فقط. وعندها فلن يتأخر مسلم عن طلب الشهادة، ويكتب الله النصرة لمن ينصره إنه قوي عزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل