العنوان على هامش ندوة تطوير الزراعة في الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1982
مشاهدات 81
نشر في العدد 563
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 02-مارس-1982
الندوة مهما كان وراءها من دوافع ضرورية ومفيدة.
مطلوب التطبيق لكي لا تبقى التوصيات حبرًا على ورق.
الأمن الغذائي يتحقق في الاستثمار في الدول الشقيقة.
قطاع الزراعة يشكل 1% فقط من الناتج القومي وآفاق توسعه محدودة.
الدعم المطلوب هو الإسهام في تأسيس الشركات.. واستخدام الناتج في المدارس والمستشفيات.
نعم للدعم الحكومي للزراعة في ظل هذه الحقيقة.
هل الكويت بلد زراعي حتى تستحق أن تعقد فيها ندوة عن تطوير الزراعة؟
هذا هو السؤال الذي طرح نفسه بمجرد الإعلان عن ندوة تطوير الزراعة في الكويت التي عقدت يومي ١٣ و١٤ من فبراير الفائت بالتعاون بين مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وكل من الاتحاد الكويتي للمزارعين وإدارة الزراعة بوزارة الأشغال العامة.
فالكويت كما هو معروف بلد صحراوي لم يشتهر في التاريخ أنه بلد زراعي وليس من المتوقع أن يصبح زراعيًا في المستقبل حيث إن النفط هو سيد الموقف.
ولذا فإن انعقاد تلك الندوة في ظل مطالبة المزارعين بالدعم الحكومي للزراعة والإنتاج الحيواني جعل بعض الأقلام تتساءل فيما إذا كانت هذه الندوة مجرد تغطية لتقديم السخاء الحكومي للمزارعين كما قدمته لغيرهم، وذلك ضمن سياسة «التنفيع» أو توزيع مدخولات النفط على المواطنين كحصص نقدية لا كمردود لإسهامهم في زيادة الناتج المحلي أو الدخل الحقيقي للبلاد.
الأولى من نوعها:
على أي حال، فالندوة حاولت قدر الإمكان أن تجيب على السؤال المذكور من خلال ما قدم فيها من أبحاث ودراسات لا يسع المتتبع المنصف لها إلا أن يقول بأن هذه الندوة كانت ضرورية بلا شك، وهي على أي حال الأولى من نوعها.
والذي يجعلنا نقول بذلك إن البحث العلمي أو الدراسة الموضوعية بغض النظر عن تكلفتها المادية أصبحت في العصر الحديث من أسس تقدم المجتمعات، كما أثبت الواقع أن مردودها على المدى البعيد أضعاف ما صرف عليها من نفقات.
ثم إن الندوات العلمية وإن كان وراءها أحيانًا مقاصد نفعية أو رؤى ذاتية، ألا أنها بالتأكيد ستتمخض عن حقيقة موضوعية أو نتيجة تخدم الصالح العام والندوة التي نحن بصددها ألقت الضوء على واقع الزراعة في الكويت وطرق تطويرها ضمن معطيات الواقع من تربة ومناخ وندرة في المياه والأيدي العاملة، وأنماط الاستهلاك ونصيب هذا القطاع من إجمالي الناتج المحلي. وقبل أن نقرر العرض لهذا الموضوع كنا بصراحة متناهية، مترددين لعدم قناعتنا أصلًا، فضلًا عن عدم جاذبيته للقراء.
لماذا الزراعة؟
لكن بعد الدراسة تبين أن الموضوع جد، ويستحق الاهتمام شعبيًا لجملة أسباب لم تغفل أبحاث الندوة عن التطرق لها فالسؤال الأساسي الذي طرح نفسه بمجرد الإعلان عن الندوة له جواب مقنع.
يقول أحد أبحاث الندوة أن قطاع الزراعة الآن يسهم بنسبة «1%» فقط في الناتج القومي غير النفطي وسوف لن يشكل نسبًا عالية في المستقبل المنظور، ولكن أهمية القطاع لا تقاس من هذه الزاوية، فأهميته يجب أن ينظر لها من حيث ارتباطها بالدرجة الأولى بمساهمته في تحقيق ما تم التعارف على تسميته بالأمن الغذائي، بشكل مباشر سواء في داخل البلاد أو خارجها.
والمنظار الثاني هو في مدى مساهمته في خلق قاعدة إنتاجية حقيقية في الاقتصاد الوطني، وبطبيعة الحال فهناك جوانب تتعلق بحماية البيئة وتحسينها وتجميلها، وهذا أمر لا يخضع للمعايير الاقتصادية الكمية. وتتأكد هذه الأهمية فيما إذا علمنا أن الإنتاج المحلي من الخضراوات يغطي حوالي ٢٥% من الاستهلاك وهي على أي حال نسبة جيدة، أما لحوم الأغنام والأبقار المنتجة محليًا فلا تشكل إلا حوالي 5% من الاستهلاك أما لحم الدواجن فيشكل حوالي ٣٥% من الاستهلاك.
وأعلى نسبة حققها قطاع الغذاء المحلي هو بيض الدجاج الذي يشكل الناتج المحلي منه حوالي ٥٥% من الاستهلاك.
مشاكل أساسية:
وهكذا فإن قطاع الزراعة النباتي والحيواني مهم جدًا للاقتصاد الوطني، ولكن ألا يتعرض تطوير هذا القطاع عقبات ومشاكل؟
الواقع أن المشكلة الأساسية للقطاع الزراعي في البلاد هي ندرة الأراضي الصالحة للزراعة وندرة المياه الصالحة للري، وعدم توفر المناخ المناسب للزراعة وندرة الأيدي العاملة الزراعية.
وقد حاولت أبحاث ندوة تطوير الزراعة في الكويت وضع الحلول المناسبة لهذه المشكلات، لكنها أجمعت أن إمكانية ذلك محدودة في المستقبل المنظور. فالأراضي الصالحة للزراعة بسبب الطبيعة الصحراوية للبلاد تكاد تكون محدودة وهي تتركز في منطقتي الوفرة والعبدلي، لكن تطوير أساليب الزراعة وتحديثها ربما كان كفيلًا بمضاعفة الإنتاج أضعافًا كثيرة.
أما المياه رغم ندرتها فقد تبين من أحد الأبحاث المقدمة للندوة أنه يمكن توفير٥٠% من المياه المستهلكة للزراعة حاليًا إذا ما اتبعت أساليب حديثة في الري.
أما المناخ فربما كان استخدام الطرق الحديثة في الزراعة المحمية أحد الحلول الناجحة للحد من تأثير سوء المناخ على الإنتاج الزراعي، وفي هذا المجال أثبتت محطة التجارب الزراعية أن الزراعة المحمية بطرقها المختلفة قادرة على إنتاج أصناف متعددة وبمعدلات إنتاج عالية كالطماطم والخيار وغيرهما من الخضراوات.
لكن المشكلة التي يظل حلها مستعصيًا في ظل التوجه العام لتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة هي مشكلة توفير الأيدي العاملة الزراعية، ومهما قيل في الميكنة الزراعية وإمكانية إسهامها في الاستغناء عن الأيدي العاملة الوافدة، إلا أن طبيعة الزراعة والملكية الزراعية في الكويت تحتم أن يكون اعتمادها على العنصر البشري أكثر من اعتمادها على المكائن خاصة في الزراعة النباتية.
وثمة مشكلة أخرى تواجه المنتجات الزراعية والحيوانية المحلية بشكل عام، وهي العادات الاستهلاكية للمواطنين، حيث تعود المواطنون على استهلاك أنواع ونوعيات محددة قد لا تتوافر محليًا.
والحق أنه في مثل هذه الحال يمكن للدعم الحكومي أن يكون ذا أثر فعال.
وذلك أولًا: باستخدام هذه الأنواع في التغذية الحكومية في المستشفيات والمدارس والقوات المسلحة، وثانيًا بالإرشاد الزراعي والإعلام عبر الوسائل المختصة وعلى مدى طويل الأجل.
الحقيقة المرة:
والواقع أن أبحاث الندوة توصلت للحقيقة المرة وهي أن إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي وكمصدر جديد للدخل سيظل ضئيلًا بسبب جملة العوائق الطبيعية التي أشرنا إليها آنفًا.
لكن قضية الأمن الغذائي تظل قضية حية ومهمة جدًا فكيف يمكن تحقيق ذلك؟
لقد حاولت الندوة أن تجيب عن ذلك لكن إجابتها تركزت على جانب واحد هو تطوير قطاع الزراعة في البلاد عن طريق الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر، وتحديث أساليب الزراعة وغير ذلك.
أما الجانب الآخر فلم تشر إليه الندوة إلا إشارة واحدة يقول أحد الأبحاث: وبالرغم من تسليمنا بأن القطاع الزراعي لا يمكن إلا أن يلعب دورًا محدودًا داخل الكويت إلا إننا نعتقد بأن المجال الطبيعي للأمن الغذائي يقودنا إلى الاستثمار في هذا النشاط في الدول العربية الشقيقة أو غيرها.
وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن البال أبدًا.
ولكن لا بد أن يمتلك المستثمر الكويتي خبرة كافية حتى يستطيع أن يتوجه للاستثمار في هذا النشاط بنجاح في الخارج.
ومن هنا فإن مطلب قيام شركات تساهم فيها الحكومة لممارسة النشاط في القطاع الزراعي يعتبر مطلبًا معقولًا وضروريًا طالما ظل آخذًا بنظر الاعتبار محدودية الإنتاج الزراعي في البلاد.
ولا شك أن توجيه الاستثمار الوطني لمثل هذا القطاع، وإن كان خارج البلاد هو خير من تكديس الأموال واستخدامها للمضاربة في سوق المناخ التي خلقت ظاهرة اجتماعية واقتصادية خطيرة.
ويبقى التطبيق:
وفيما عدا هذه الملاحظات الأساسية خير ما يمكن قوله بشأن أبحاث الندوة أنها قدمت اقتراحات جديدة وجيدة في حقل تطوير الزراعة وتحديث أساليبها والرقي بالإرشاد الزراعي وطرق التسويق.
وهذه الاقتراحات والتصورات وإن كانت جيدة ألا أنها ستكون عديمة الفائدة ما لم تر النور ويصار إلى تطبيقها سواء من قبل الحكومة أو المزارعين وما لم يتحقق ذلك فإن ما أملناه في هذه الندوة من إسهام في تنوير الرأي العام وخدمة الاقتصاد الوطني، فإن أعمالها ستكون كغيرها في الندوات والمؤتمرات حبرًا على ورق وإنا لغد لناظرون.