العنوان عملية الباص بين انقلاب المفاهيم... واستراتيجية المواجهة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990
مشاهدات 74
نشر في العدد 954
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 13-فبراير-1990
عملية الباص عند
غروب شمس 4 فبراير 1990 ما بين الإسماعيلية والقاهرة، تؤكد استمرار وتواصل الرفض
الشعبي العربي والإسلامي "لإسرائيل" ولكامب ديفيد، ولكل التركة التي
خلقها السادات الهالك، الذي حاول "إزالة" الحاجز النفسي بين العرب وبين
اليهود، لكن ربك كان له بالمرصاد، فأرسل له من أبطال الإسلام من "يزيله"
من الوجود.
وعلى خطى الشهيد
خالد الإسلامبولي والشهيد سليمان خاطر تأتي هذه العملية الجريئة؛ لتكون كما أكد
ناطق باسم منظمة الجهاد الإسلامي "بيت المقدس" التي نفذت العملية -
ردًّا على قتل أهلنا في الوطن المحتل. هذه العملية وما سبقها تؤكد أن العداء بين
الشعوب العربية والإسلامية وبين اليهود ما زال قائمًا، وأن كل محاولات التطبيع
والترويض قد فشلت في قتل الغضب في نفوس الأمة.
فالعداء بين
المسلمين وبين اليهود عداء بين الحق والباطل، وهو عداء أزلي لا ينتهي إلا بقيام
الساعة، ثم هو عداء لا يملك العبيد إلغاءه أو وقفه أو تمييعه، ولا حتى تجميده أو
تأجيله أو الهروب منه. وهذا هو قدر الله وهذه هي إرادته ﴿قَالَ اهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (الأعراف:24). وهذه العمليات تأتي في سياق التعبير
عن الشعور الطبيعي تجاه اليهود الذين احتلوا ديارنا وعاثوا فيها فسادًا وإفسادًا
وحربًا شعواء على العقيدة والمقدسات والأرض والإنسان. كما أنها تثبت أن أطروحات
السلام مع اليهود والتعايش معهم وإنشاء ما يسمى بعلاقات طبيعية بيننا وبينهم، إنما
هي أوهام وأضغاث أحلام لا تعبر عن ضمير الأمة ولا عن حقيقة مشاعرها ومواقفها
وإرادتها. والمحزن حقًّا هو مواقف بعض الأنظمة العربية وبعض الفصائل الفلسطينية،
وأصبحت بعض أجهزة الأمن العربية تبذل جهودًا كبيرة من أجل ضمان عدم تعرض مصالح
"إسرائيل" للخطر، ولضمان عدم قيام فدائيين بالتسلل عبر الحدود لضرب
"إسرائيل" وجنودها.
مسؤول فلسطيني
"بريء جدًّا!!" استنكر الحادث، وأكد أن "الاستنكار
الفلسطيني؟!" يأتي من منطلق الموقف المبدئي والثابت ضد كل أشكال
"الإرهاب"! والعبث بحياة "الأبرياء"!!
ولعل ذلك يعطي
صورة عن حجم "النقلة النكدة" التي حدثت في عقول وقلوب وضمائر بعض
القيادات العربية والفلسطينية. فأصبحنا نعيش في عصر الانحطاط، وعصر انقلاب
المفاهيم وانعدام التوازن، وكأن هذه القيادات تريد من الشعوب أن تتحول إلى
"هر جبان" يرى عدوه يقتل ويشرد ويحرق ويدمر، وتسير "مجموعات
مستوطنيه" آمنة مطمئنة، تسرح وتمرح و"تتسوح!!" في بلاد المسلمين،
وتدوس على مشاعرهم وعلى كرامتهم، ثم لا تحرك هذه الشعوب ساكنًا، وكأن الأمر لا
يعنيها.
البعض يريد من
شعوبنا أن تلغي عقولها، وتصم آذانها، وتشطب كيانها، لتقتنع "أو تقبل"
بالمنطق الأعوج الذي يقول به البعض بأن هؤلاء السياح الذين يتجولون في بلادنا هم
غير أولئك "المهاجرين المستوطنين" الذين يأتون إلى فلسطين من كل حدب
وصوب؛ لتكريس مقولة: إن "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، أو أنهم غير
أولئك الجنود الذين يحتلون أرضنا، ويقمعون أهلنا، ويسومونهم أشد العذاب. هؤلاء هم
هؤلاء، واستهدافهم في أي مكان بلا شك عمل جهادي.
أما الذين
ساءتهم أخبار العملية، وأسفوا على اليهود "الأبرياء"!! والذين خافوا على
مسيرة "السلام" ومصير اللقاء الثلاثي بين وزراء خارجية أمريكا ومصر
و"إسرائيل"، فهؤلاء لا يرون أبعد من أنوفهم، فيظنون "السلام"
قاب قوسين أو أدنى، وغدًا ستعود فلسطين وتنتهي المشكلة، و"يا دار ما دخلك
شر" كما يقولون. أصحاب هذا المنطق لا يرون - أو لا يريدون أن يروا - الحقيقة.
الحقيقة التي تؤكد أن حكومة العدو إنما تناور من أجل كسب الوقت، ومن أجل تمييع
الموقف العربي والفلسطيني، ومن أجل إيجاد واقع جديد على الأرض يعزز موقفها.
وها هي الحقيقة
تقتحم على الغافلين غفلتهم، لتوقظهم على زحف مئات الآلاف من الروس القادمين
للاستيطان في فلسطين وتكريس الوجود اليهودي فيها، وتهديد النظام العربي وتفكيكه.
ها هي الحقيقة التي يتعامى عنها البعض، يصرح بها رئيس وزراء العدو إسحاق شامير
بإصراره على الاحتفاظ بالضفة والقطاع لاستيعاب أفواج المهاجرين الجدد من اليهود.
الخطر ما عاد
يهدد فلسطين وشعبها وحدهم، بل أصبح يحيط بالعواصم العربية كلها. والمخطط اليهودي
لإنشاء "إسرائيل الكبرى" لم يعد حلمًا، بل هو عين الحقيقة المرة
والنكدة، التي غدت تدق علينا الأبواب صباح مساء.
وإلى هذا يشير
الملك حسين الذي يشعر ويلمس اقتراب الخطر اليهودي، وزحف الأفعى اليهودية لتهديد
العواصم العربية؛ حيث يقول: "من حيث الواقع "إسرائيل" استمرت في
مخططاتها، وصعدت من تصريحاتها ومن أقوالها - وأعتقد أنها تعنيها تمامًا - بأنها لن
تتنازل عن شبر من الأرض، وأن هذه أرض "إسرائيل"". كما حذر من بداية
تنفيذ الشعار اليهودي بأن الأردن هو وطن الفلسطينيين، وأن عمان هي عاصمة فلسطين!!
المرحلة الراهنة
مرحلة مصيرية في حياة الأمة، فإما أن نكون أو لا نكون، وإما أن نثبت أننا على
مستوى الصراع والتحدي، أو -لا سمح الله- نطأطئ رؤوسنا للعصر اليهودي البغيض.
والأمر يستدعي وقفة عربية وإسلامية "شعبية" و"رسمية"، تتداعى
لها الأنظمة والأحزاب والحركات الإسلامية والوطنية، من أجل رسم استراتيجية التحرك
والمواجهة للمرحلة القادمة. وعلى طريق ذلك فإن المبادرات والعمليات الفدائية التي
تقوم بها بعض الحركات لاستهداف اليهود في فلسطين أو خارجها تبقى من قبيل المعالجات
الإيجابية السريعة؛ لإغاثة الموقف العربي والإسلامي، وسد الفراغ، ريثما تُبنى
استراتيجية التحرك الفاعل وعلى مختلف الأصعدة، وبحجم الأخطار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل