العنوان عندما تصير كل فعالية جهادًا في سبيل الله
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 66
السبت 11-أبريل-2009
حدثني مدرب لكرة القدم يشرف على تدريب فريق أحد الجوامع، وهو فريق متواضع كل أعضائه من الدعاة الذين لا تفوتهم صلاة، ولا تشغلهم تجارة أو بيع عن ذكر الله.. أنه دخل بفريقه بطولة دوري أحياء المدينة لكرة القدم، بعد أن قام بإعداده الأسابيع الطوال.. فأول ما لاحظه التزام اللاعبين الصارم بالحضور في مواعيد التدريب، وقيامهم بالمهمات التدريبية الملقاة على عاتق كل منهم بأقصى درجات الإتقان والإخلاص.
ثم لما بدأت فعاليات الدوري راح الفريق، على جدته الميدانية، يكتسح الفرق المنافسة الواحدة تلو الأخرى.. كان أحدهم وهو يتابع الكرة يبذل أقصى درجات الجهد في التعامل معها من أجل الاقتراب بها من هدف الخصم.. كان كمن يمارس عملًا دعويًا أو جهاديا يتطلب الإحسان والإتقان في مستوياتهما العليا من أجل كسب رضا الله سبحانه!
وكانت النتيجة في نهاية الموسم أن يفوز الفريق «إياه» ببطولة الدوري!
ذكرني هذا بحالة أكبر بكثير، وأخطر بكثير تثير الإعجاب هي الأخرى: عندما فاز الرفاهيون (أعضاء حزب الرفاه التركي) في انتخابات بلدية إسطنبول في تسعينيات القرن الماضي، وراحوا يمزجون الليل بالنهار لتقديم أفضل وأوسع الخدمات لتغطية مطالب مدينة من أكبر مدن آسيا.. بل العالم على امتداده.
وحدثنا أحدهم بأنهم استطاعوا في فترة قياسية أن يوصلوا خدمات الماء والكهرباء إلى ضواحٍ وقرى بعيدة لم تكن قد ذاقت طعم الماء العذب أو عرفت الكهرباء..
لقد كانوا يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن أمانة كبيرة، ويتعاطون مع مفرداتها ومطالبها كما لو أنهم يمارسون مهمة جهادية يستنفر من أجلها كل ما يمكن للإنسان أن يقدمه.
ومن نجاحهم الباهر في بلدية إسطنبول قفزوا إلى حكم تركيا كلها من أقصاها إلى أقصاها...
لقد كان الشعب التركي يعرف جيدًا من يخدمه، ويبذل جهده المخلص لتلبية مطالبه وتنفيذ حاجاته الملحة.. وهو يملك حاسة مرهفة تجعله يمنح أصواته لمن يستحقها فعلًا.. وهكذا تحققت المعجزة وكان هذا الذي كان...
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل هو يمضي لتحقيق معجزة أخرى لا يصنعها إلا الإيمان بما يبعثه في نفوس العاملين من حرص وتقوى ويقظة ضمير، وخشية من عقاب الله وطلب لثوابه..
إنها حماية المال العام من السرقة والابتزاز، وهي بوابة السوء الكبرى التي تستنزف الدخل القومي في الكثير من الدول والبلدان.
ها هنا في الحالة الإسلامية، يصير التقشف وحراسة المال العام من أي يد قد تمتد إليه بليل لكي تختلس منه شيئًا أو تنفقه في غير موضعه، واجبًا دينيًا يصبح المسؤول المسلم نفسه ملزمًا بتنفيذه والسهر عليه..
ولنا أن نتصور كيف سيكون المردود كبيرًا كبيرًا على مستوى حماية الدخل القومي من الهدر والابتزاز، ومستوى توظيفه بالصيغ المدروسة والمحكمة لتقديم أوسع الخدمات وإنجاز أكبر المشاريع.
وإنني لأتذكر-على سبيل المثال-ما حدث في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ( ۹۹- ۱۰۱ هـ) يرحمه الله في هذه المسألة بالذات: حماية المال العام من أية محاولة للهدر والابتزاز، واعتبار ذلك عملًا مقدسًا.. وكيف أن هذا منح الدولة دخلًا موفورًا، وعوضها عن نفقاتها كافة، ومكنها من تقديم خدماتها المدهشة في كل المجالات دون أن تتعرض مالية الدولة للاهتزاز.
ولو عرفت الجماعات والشعوب أين تتحقق مصلحتها لهرعت إلى دعاة الإسلام في كل مكان تمنحهم أصواتها لكي يحققوا ما عجز الآخرون عن تحقيق عشر معشاره ...
(*) باحث وأكاديمي من العراق
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل