; عندما لا يوجد مبرر للوجود لا يكون هناك دافع للبقاء | مجلة المجتمع

العنوان عندما لا يوجد مبرر للوجود لا يكون هناك دافع للبقاء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

مشاهدات 53

نشر في العدد 119

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 26-سبتمبر-1972

في قوانين الحضارة أنَّ المادة والروح لا تفنيان فناءً مطلقًا.. وأنَّ بذور الخير والشرِّ لا يمكن أن تموت موتًا أبديًّا.. إنَّ الخير أو الشرَّ يتحوَّلان إلى مادَّة خام.. لميلاد جديد.. سواء كان هذا الميلاد انبعاثة خير أو انبثاقة شرٍّ. وبوسع علماء الحضارة أن يقدِّموا نماذج عديدة تبيِّن بوضوح أنَّ «الخمر العتيقة» لا يمكن أن تذوب دون أن تدخل في صنع مآدب حضاريَّة جديدة.. تمامًا كالجسم الميِّت الذي يدخل في أجسام أخرى حيَّة يمنحها من طاقته الذاهبة طاقات جديدة مندفعة للحياة والإبداع، وكما يأكل الإنسان لحوم الدواجن والحيوانات الأخرى الحلال والأسماك.. يتحوَّل هو يومًا إلى طعام يسهم في إحياء حيوانات أخرى.. أو في منح الأرض بعض الموادّ الكيماويَّة. والحضارات تمرُّ بنفس الطريق الدائريِّ الخالد.. فأثينا برقيِّها الفلسفيِّ والأدبيِّ.. تتحوَّل إلى خميرة حضارة لروما.. والحضارة الأوربية تقوم على أنقاض الحضارة الإسلاميَّة وبقايا الحضارات الرومانيَّة. وعندما زرع أحمد بن طولون -مُنشئ الدولة الطولونيَّة- أولى بذور الحركات الانفصاليَّة في مصر عن الخلافة العباسيَّة الجامعة والأمّ، بدأت بزرعه لهذه البذرة الخبيثة بذور الانفصام تدبُّ في نفوس قوى كثيرة جائشة بالفوضى.. زاخرة بالطموح الشخصيِّ.. ناقمة على قيادة العباسيِّين الجامعة.. متأثِّرة بعوامل قوميَّة من تلك العوامل التي تدمِّر روح الحضارة وتبشِّر بمستقبل ضائع ميِّت.. لقد كانت دولة ابن طولون مثالًا لكثير من الدويلات التي شذت على الخلافة، وشيَّدت أبنيتها المتداعية على أنقاض الخلافة، ولم يعد لكثير منها علاقة بالخلافة أكثر من الاعتراف بسلطة الخليفة الاسميَّة. وبعد السقوط المتوقَّع لهذه الدولة عادت مصر وسوريا إلى حكم العباسيِّين.. بيد أنَّ بذرة الانفصال -كما ذكرنا- كانت قد وزَّعت في نفوس قوى كثيرة جائشة بالفوضى فوَّارة بالنوازع القوميَّة الوثنيَّة.. فما كادت دولة ابن طولون تموت حتَّى حلَّت محلَّها بعد برهة زمنيَّة قصيرة -في مصر- دولة الإخشيديين التي أسَّسها «محمَّد بن طغج» والَّتي عاشت آيلة للسقوط بين سنوات «۳۲۳ – 358 هـ» «935 – 969م». وكانت بداية الدولة نظيرة لنفس البداية التي انطلقت منها الدولة الطولونيَّة.. فمحمَّد بن طغج وكّلَ إليه من قبل الخلافة العباسيَّة أمر مصر لتنظيم أحوالها.. فنظَّم أحوالها لنفسه واستغلَّ بالأمر واستولى على سورية وفلسطين وضمَّ مكَّة والمدينة إلى دولته. وبموت ابن طغج حكم بعده ابنان له صغيران لم يكن لهما من الحكم إلَّا اسمه.. وكانت مقاليد الأمور في الحقيقة منوطة بيد عبد خصي حبشي يُدعى «كافور» -أبو المسك- كان ابن طغج الذي لقب الإخشيد - قد اشتراه من تاجر زيت بثمانية دنانير. وقد استقلَّ هذا العبد الحبشيَّ بإدارة مصر.. «وكانت له مع شاعر العصر أبي الطيِّب المتنبِّي قصص مشهورة» كما أنَّ هذا العبد الخصيّ نافس دولة الحمدانيِّين التي ظهرت في شمالي سوريا. وعبر خمسة حكام ضعاف -باستثناء أولهم محمد بن طفج- مشت الدولة مسرعة في طريقها إلى الموت المحقَّق.. فلم يكن الحاكمان التاليان لمؤسِّس الدولة إلَّا تابعين لكافور -كما ذكرنا- وبموت كافور وتولي «أبو الفواس أحمد» سقطت الدولة سقوطًا مريعًا على يد جوهر الصقلي قائد المعزِّ لدين الله الفاطميّ سنة ٣٥٨ هـ. ولم يقدَّر لهذه الدولة أن تخلف شيئًا يذكر من المآثر العامَّة، كما أنَّ الحياة الأدبيَّة والفنيَّة لم تكن ذات بال فيها، ولم يظهر كلمعة الشمس المتوهِّجة إلًّا ذلك الضيـف الباحث عن فضلة من كأس الحكم... يدعم بها غروره الشعري وتفوُّقه الجديد بالتقدير في ميدان الكلمة الشاعرة.. وليس الكلمة المسيطرة الآمرة.. وعندما ضنَّ عليه كافور بفضلة الكأس هرب من مصر دون تأشيرة خروج ولقى حتفه جزاءً له.. بعد أن ترك حقده على السلطة ممثَّلًا في أشهر أبياته: لا تشتر العبد إلَّا والعصا معه إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدٌ مريدًا بذلك أشهر حكام الدولة الإخشيديَّة «كافور». ولو لم يصل جوهر إلي حدود مصر لسقطت الدولة الإخشيديَّة بفعل عامل آخر.. فعندما لا يكون هناك مبرِّر للوجود.. لا يكون ثمَّة دافع للبقاء.. ولا تفعل القوى الخارجيَّة التي تسيطر على الأمم والشعوب سوى أن تتقدَّم في فراغ دون أن تصطدم بجدران حضاريَّة أو صخور قويـَّـة راسخة بالعقيدة «بمبرِّر الوجود.. ومؤهِّل البقاء». وإلى الأبد توارت دولة الإخشيديِّين.. كما توارى الطولونيُّون، وكما توارى كثيرون من بناة الدول على أساس انفعاليَّة أنانيَّة شخصيَّة دون أن يتركوا في النهاية إلَّا آثارًا ضحلة لا تساوي أصواتهم العاليـة.. ولا حمَّامات الدم التي أهدروا قيمتها الإنسانيَّة.. وحرموها حقَّ الحياة. وأبدًا تعلّمنا هذه الانقلابات أنَّه عندما لا يوجد دافع للوجود لا يوجد –بالتالي- دافع للبقاء!!
الرابط المختصر :