العنوان عن الصحوة الإسلامية في سورية
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005
مشاهدات 58
نشر في العدد 1671
نشر في الصفحة 27
السبت 01-أكتوبر-2005
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الصحوة الإسلامية في سورية، كما كثرت الأخطاء في البحث عن أسبابها وطبيعتها وحجمها وتداعياتها ، كأنها مغطس موحل، أو غابة متوحشة، لا تمكن الباحث من التعرف الحقيقي عليها، وليس الذنب ذنب الصحوة وإنما في الأقلام والعقول التي خاضت فيها من غير ما أدوات موضوعية للبحث، مع العلم بأن الصحوة في سورية جزء من ظاهرة عامة في العالم الإسلامي، بل المعمورة كلها.
محمد الحسناوي(*)[1]
ويمكننا أن نصنف الاتجاهات التي حاولت دراسة هذه الصحوة بعد الاعتراف بوجودها، من خلال الجهات التالية:
دراسات غربية من مستشرقين وسياسيين.
تفسيرات الأنظمة العربية وحكومات المسلمين.
الكُتَّاب والدارسون العرب من غير الإسلاميين.
الدارسون الإسلاميون أنفسهم.
وليس غريبًا أن تختلف هذه الجهات في منطلقاتها وتفسيراتها، ولكن من غير المنطق والعدل والإنصاف أن يصل الخلاف إلى درجة التناقض أو الإسفاف، أو أن يتخلَّى الدارس عامدًا متعمدًا عن الإنصاف، أو أن يستجر إلى الظلم، أو إلى تنفيذ رغبات ومصالح غير بريئة.
نضرب مثلًا فاقعًا، ثم ندخل إلى تحليل الدعاوى:
في مقال جديد كتبه صحفي سوري، دأب من قبل على هذه المعالجة.. تحدث عن وجود عشرة آلاف مسجد في سورية، مقابل غرفة واحدة للحوار الوطني الديمقراطي، يعني بها (منتدى الأناسي) الذي تم التضييق عليه مؤخرًا. ثم إغلاقه رسميًّا، ومنعه من النشاط الذي كان يمارسه بسياسة (غض النظر) لا أكثر. وغرضه أن يدافع عن حق السوريين بفتح نوادٍ ثقافية وتأسيس أحزاب، وممارسة النشاط الحر والتنظيم المدني للأحزاب والهيئات المدنية. لكنه من أجل هذا الهدف الشريف عرض بالمساجد الكثيرة، ويبعدها، إن لم نقل ظلمها، عن الروح الديمقراطية، أي (من أجل برغوث حرق اللحاف)! هذا مثال للمعالجة الفجة التي تخدم الأنظمة، كما تخدم الجهات الأجنبية المعادية بقصد أو غير قصد. وفي الثمانينيات من القرن الماضي عرف النظام السوري أن القمع الأمني وحده لا يلغي الوجود (الإخواني الإسلامي) كما تريد مقررات الحزب القومية والقُطرية، فأخرج كتابًا (أسود) من ثلاثة مجلدات يشق الإسلاميين إلى ظلاميين يقودهم أبو الهدى الصيادي فالإخوان المسلمون، وإلى متنورين يقودهم عبد الرحمن الكواكبي، ثم اضطر إلى سحب المجلدات الثلاثة من التداول، لأنه اكتشف أن عبد الرحمن الكواكبي شيخ أيضًا، وأنه مؤلف كتاب يمكن أن ينسف الحزب الحاكم من أساسه نسفًا، ألا وهو (طبائع الاستبداد).
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حقود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود
والسؤال: هل فات الصحفي السوري أن سبب إغلاق (منتدى الأتاسي) -وهو آخر منتدى سوري يتنفس -هو سماحه للأستاذ علي العبد الله أن يقرأ رسالة المراقب العام للإخوان المسلمين، أي إتاحته المجال لوصل الخط السري بين أنشطة المساجد وبين المنتدى الديمقراطي العلماني، أي بين شرائح المجتمع السوري كلها وفصائله الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء بما يقوي الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية والمعارضة السورية، وذلك حلم الوطنيين الشرفاء، وهو ما اعتبره النظام (خطًّا أحمر). إن الأنظمة العربية، وفي مقدمتها النظام السوري، تبالغ في وصف الصحوة الإسلامية أمام الجهات الأوروبية والأمريكية، كما تربطها بما يسمى (الإرهاب)، لدرجة التعاون الأمني بتسليم آلاف الملفات عن الإسلاميين السوريين، أو تسلم المتهمين من معتقلي سجن (جوانتنامو) لإخضاعهم تحت التحقيق الحضاري جدًّا -للاعتراف بجرائم وهمية أو مبالغ فيها، أو تخدم الآخرين.
ولو عدنا إلى تفسير الصحوة على مستوى القُطر السوري لبادرنا إلى التذكير بأن العوامل الداخلية أهم من العوامل الخارجية، كما أن العوامل الخارجية القريبة كقضية فلسطين والوحدة العربية وسياسات التغريب والتبعية الحضارية ومشتقاتها أقوى من العوامل البعيدة. أول: العوامل الداخلية هو دور الإسلام نفسه دينًا حيًّا قابلًا للحياة ولصنع الحياة الآمنة الرافهة العادلة المدنية المسالمة ثانيها: دور الحركات الإسلامية ثالثها: إخفاق الدولة القطرية ومشروع النهضة الغربي، رابعها: ردود الفعل على سياسات الاضطهاد والتمييز التي يمارسها الحزب الحاكم في سورية خامسها: الاستفزاز الصهيوني بالاحتلال وتهويد الأرض المحتلة.
جوهر نقدنا لتفسيرات الصحوة قصورها بالاكتفاء بملاحظة الجانب السلبي القائم على ردود الفعل وحدها، كأن الإسلام والحركات الإسلامية جثة هامدة لا تتحرك إلا بمؤثر خارجي مالي أو عنفي أو ما شاكل، وأعجب من ذلك من يلجأ إلى التفسيرات المناقضة، حيث يريد قطيعة أبدية بين الإسلام وبين التيارات والعوامل الخارجية، لأن المطلوب دائمًا إقصاء هذا الإسلام والحركات المعبرة عنه.
ثم هل الصحوة الإسلامية في سورية في كثرة عدد المساجد وروادها وحسب، أم يضاف إلى ذلك وجود كليات الشريعة والجمعيات الخيرية، وحركة الطبع والنشر للكتب والشرائط والأسطوانات المدمجة للمحاضرات والأناشيد والإقبال على العلم الشرعي والحياة السوية النظيفة، ورفض العادات والتقاليد البالية من جهة، والمستوردات المنحرفة من جهة ثانية؟!
إن رواد المساجد اليوم أكثرهم شباب من طلاب الجامعات وخريجيها، وخطباؤها أساتذة جامعات. ولو أجريت دراسة إحصائية على المتورطين بمفاسد الحزب الحاكم من مرتشين، وفاسدين إداريًّا، ومخبرين، ولصوص المال العام، والحاملين في الدراسة والوظيفة على حد سواء.. لوجدتهم ليسوا من رواد المساجد.
فهل هذا الجيل من المثقفين نبت من ردود الأفعال أم من المبادرات وروح الإسلام الحنيف نفسه؟ وهل يسعى هؤلاء إلى تخريب المجتمع أم إلى إصلاحه وبنائه البناء السوي النظيف؟ هذا طرف من حديث الصحوة.. والشرح يطول .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل