العنوان عودة الروح للعلاقات بين فرنسا وإسرائيل
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1985
مشاهدات 57
نشر في العدد 704
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 12-فبراير-1985
- ميتران.. تطلعات مريبة.
- بيريز.. تعاون جديد.
تصف الصحف الإسرائلية العلاقات الفرنسية الإسرائيلية التي رجعت وثيقة مرة أخرى بعد زيارة «شمعون بيريز» رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأخيرة لأوروبا، بأنها «حب ضائع خلق من جديد»، فما هي أسرار التحول الفرنسي إلى الجانب الإسرائيلي؟، وما هي دلائل المستقبل؟..
والحقيقة أن لليهود نفوذًا قويًا في فرنسا، ففي عهد جيسكار ديستان الذي حاول أن يحافظ على علاقاته الممتازة مع العرب، كانت هناك «سيمون فيل» التي بقيت وزيرة مدة طويلة أباحت خلالها «الإجهاض» في فرنسا رغم أن أكثر الدول انحلالًا «وهي الولايات المتحدة الأمريكية» لا تقره، ثم أصبحت بعد ذلك رئيسة للبرلمان الأوروبي ردحًا من الزمن، وهذه السيدة يهودية نموذجية.
وقد رافق صعود الاشتراكيين إلى الحكم ازدیاد موجة العنصرية ضد المهاجرين المسلمين من الجزائر، والتي برزت على شكل أعمال عنف وصلت إلى حد القتل في كثير من الحوادث، من بينها مقتل طفل جزائري صغير كان يحتفل بعيد الفطر المبارك في العام الماضي، ومقتل رجل أعمال جزائري كان في زيارة لفرنسا في أحد القطارات.. ولعله نتيجة لازدياد النفوذ اليهودي في فرنسا، والذي يبدو أنه وصل الذروة في عهد حكومة ميتران.. وقد كان من أبرز هذه الدلائل المحاكمة العجيبة والاتهام الشنيع الذي وجه إلى المفكر الفرنسي الذي أسلم مؤخرًا «رجا جارودي» بأنه ضد اليهودية والسامية بعد نشره كتابه السياسي «ملف إسرائيل»، ولو أن رجا جارودي هاجم رئيس الحكومة لما هوجم بهذا الشكل، ولكنه تعرض لإسرائيل فهوجم وحوكم وتمت تبرئته بفضل الله.
وقد احتلت تصريحات «جاك شيراك» عمدة باريس الصفحات الأولى في الصحف الإسرائيلية، والتي تؤكد أن عهدًا جديدًا قد بدأ في العلاقات الفرنسية الإسرائيلية.. ومن المعروف أن فرنسا هي التي ساعدت إسرائيل على بناء مفاعل «ديمونا» النووي في صحراء النقب، كما كانت مصدر السلاح الرئيسي لها في الخمسينيات والستينيات، إلا أن حرب 67 غيرت هذه العلاقة قليلًا وأصبحت تتميز بنوع من الجفاء، لكن النفوذ اليهودي كان واضحًا، وخاصة في نشاط الاستخبارات، ومن أمثلة ذلك الاستيلاء على ستة قوارب حربية للعراق في ميناء «شير بورغ» الفرنسي، بالإضافة إلى العديد من أعمال العنف والاغتيال ضد القيادات الفلسطينية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تمت على الأرض الفرنسية وقيدت ضد مجهول!
بل إن فرنسا الآن لا تتوانى عن إبداء رغبتها بالتعاون في مجال الطاقة النووية مع إسرائيل.. و يبدو أن هذه التوجهات الفرنسية هي ثمرة طويلة للمحاولات اليهودية المستميتة طوال السنوات السابقة لإعادة الدفء إلى العلاقات الباردة.. من داخل فرنسا ومن خارج فرنسا..
فهل تناست فرنسا أن مصالحها مع العرب لا يمكن التفريط بها.. إن فرنسا تدرك ذلك، فضفقة القرن مع المملكة العربية السعودية لتزويدها بشبكة دفاعية من الصواريخ، والتي تكلفت بلايين الدولارات لم يجف مدادها بعد، والرجل الذي توسط فيها وهو رجل الأعمال السوري الأصل «أكرم عجة» زوج ابنة «مصطفى طلاس» وزير الدفاع السوري الذي زوج ابنة العشرين ربيعًا للملياردير الستيني، قد قلده وزير الدفاع الفرنسي «شارل هرنو» أرفع وسام في فرنسا شخصيًا نتيجة سمسرته لإتمام تلك الصفقة.. ولكن يبدو أن فرنسا تجد أن الوقت ملائم لإعادة هذه العلاقات وخاصة أن توجهات السياسة العربية تسير باتجاه الصلح والاعتراف مع الكيان الصهيوني، ومصر وقعت «كامب ديفيد» والأسواق العربية ملئت بالبضائع الفرنسية من تفاح ودجاج وغيره، فإذن لا بأس من الغزل الصريح مع إسرائيل..
ولعل مما يساعد على هذا، ازدياد الثقل السياسي لفرنسا في لبنان، مما يؤهلها لوراثة أمريكا هناك في المرحلة القادمة، بالإضافة إلى الصلة القوية لإسرائيل مع العديد من الدول الأفريقية في القارة السوداء التي تعشقها فرنسا لأسباب سياسية واقتصادية واستعمارية.
ولا شك أن التوجهات الجديدة للسياسة الفرنسية نحو تحسين العلاقات مع إسرائيل ذات دلائل سلبية بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، ويجب على أهل الحل والعقد في عالمنا العربي والإسلامي أن ينظروا إليها بجدية بالغة ليوقفوها عند حدها لئلا تتجاوز مرحلة الخطر.. إذ لا يجب أن ننسى أيها السادة أن فرنسا بنت الكنيسة البكر، كانت أول من لبي نداء بابا روما في الحرب الصليبية، وكان جيشها أول الجيوش التي غزت عالمنا الإسلامي في فلسطين..
ومن لم يقرأ التاريخ فليراجع تاريخ الحروب الصليبية وليعد قراءة المقال مرة أخرى.
أبو عمر الهاشمي