العنوان عودة المغرب
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996
مشاهدات 63
نشر في العدد 1182
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 02-يناير-1996
مذكرات
صفحات من دفتر الذكريات «80»
قضيت مع أصدقائي في الجزائر فترة أقنعتني أن الحكومة لا تسير في اتجاه الفكر الإسلامي بحجة الاشتراكية التي زاد نفوذ دعاتها وأنصارها من الجزائريين والفرنسيين، بل والمصريين في دوائر الحكومة والإعلام الحكومي بصفة خاصة الذي وصل به الحد إلى أن يصبح أداة للتشهير بالإسلام وقيمه، وكل من يدعون له، وزاد ذلك في شهر رمضان، حيث قامت حملة للدعوة لعدم الالتزام بالصوم مماثلة لما دعا له بورقيبة في تونس.
هذه الظواهر جعلتني اعتقد بأن التيار الإسلامي سيتجه إلى الأعماق والجذور لإيجاد جيل جديد يقتلع هذا النظام، ويعيد الشعب إلى قيمه الثابتة ومقدساته التاريخية، وهذا عمل يحتاج إلى كتيبة من الشباب وليس لي مكان بينهم هناك في ذلك الوقت، لقد أيقنت أن وجودي في الجزائر لم يعد يحقق شيئًا لصالح شعبها المؤمن المجاهد، لذلك استأذنت من أصدقائي للعودة إلى المغرب في عطلة الصيف.
رغم أنني غادرت أصدقائي لقضاء العطلة إلا أنني في الحقيقة لم أكن حريصًا على العودة للجزائر، لذلك تركت بعض أمتعتي لدى أحد الأصدقاء المصريين، وكان مندوبًا للخطوط الجوية المصرية للطيران، وطلبت منه أن يرسلها إليّ في حالة ما إذا لم أعد للجزائر، وأذكر أنه بعد وصولي للمغرب اتصلت به وعرفته أنني لا أنوي العودة، وطلبت منه أن يرسل هذه الأشياء مع أول قادم، وقد سلمها فعلًا للسفير المصري في المغرب الذي كان في الجزائر وجاء بالقطار وكان من بينها جهاز تسجيل، وفوجئت أن السفير عندما وصل قال إنه كان معه هذا الجهاز ولكن رجال الجمارك في القطار سألوه عنه فقال إنه ليس له وإنه لي وسلمه لهم، وقال لي أنت تدبر حالك معهم فذهبت للجمرك في الدار البيضاء ودفعت ما طلبوه.
ضرب الإسلاميين في الحكومة والجيش
أود أن أقول إنني عندما تركت الجزائر تركتها غاضبًا ومعتقدًا أن الأمور ربما تنصلح هذه الظواهر جعلتني أعتقد بأن التيار الإسلامي سيتجه إلى الأعماق والجذور لإيجاد جيل جديد يقتلع هذا النظام، ويعيد الشعب إلى قيمه الثابتة ومقدساته التاريخية، وهذا عمل يحتاج إلى كتيبة من الشباب وليس لي مكان بينهم هناك في ذلك الوقت. لقد أيقنت أن وجودي في الجزائر لم يعد يحقق شيئا لصالح شعبها المؤمن المجاهد، لذلك استأذنت من أصدقائي للعودة إلى المغرب في عطلة الصيف.
رغم أنني غادرت أصدقائي لقضاء العطلة إلا أنني في الحقيقة لم أكن حريصًا على العودة للجزائر، لذلك تركت بعض أمتعتي لدى أحد الأصدقاء المصريين، وكان مندوبًا للخطوط الجوية المصرية للطيران، وطلبت منه أن يرسلها إلي في حالة ما إذا لم أعد للجزائر، وأذكر أنه بعد وصولي للمغرب اتصلت به وعرفته أنني لا أنوي العودة، وطلبت منه أن يرسل هذه الأشياء مع أول قادم، وقد سلمها فعلًا للسفير المصري في المغرب الذي كان في الجزائر وجاء بالقطار وكان من بينها جهاز تسجيل، وفوجئت أن السفير عندما وصل قال إنه كان معه هذا الجهاز ولكن رجال الجمارك في القطار سألوه عنه فقال إنه ليس له وإنه لي وسلمه لهم، وقال لي أنت تدبر حالك معهم فذهبت للجمرك في الدار البيضاء ودفعت ما طلبوه. ضرب الإسلاميين في الحكومة والجيش أود أن أقول إنني عندما تركت الجزائر تركتها غاضبًا ومعتقدًا أن الأمور ربما تنصلح ويعودون إلى رشدهم، ويسوون الخلافات بينهم. ولكن زادت الخلافات، وكان آخر شيء جعلني هو مقتل محمد الخمستي - وزير الخارجية، وكان صديقي، وكان شابًا ناشئًا وكان محل ثقة بن بيلا، ومحل ثقتي شخصيًا وكان يحب مصر والمصريين، وقد هنأته بزواجه وحضرت حفل الزفاف، وفوجئت بأنه اغتيل على أحد الجزائريين الذين شاركوا في الثورة فيما أعتقد، وقيل إن السبب كان هو زواجه من هذه السيدة، ولكني لم أستبعد وجود اعتبارات سياسية، ومعنى ذلك أن الثوار الجزائريين قد بدأوا يقتل بعضهم بعضًا في العاصمة، إن هذا الجو لا يمكن أبدًا أن يشجعني على الإقامة خصوصًا أنني لاحظت مثلًا أن بعض الجزائريين الذين كان لهم علاقة بالمصريين الناصريين ويحبون مصر كانوا يلمحون إليَّ بأن وجودي . ليس مناسبًا، وليس في محله، وأنه لا يجوز أن أستغل صداقتي بخيضر أو حتى بن بيلا لكي أفرض نفسي على المكتب السياسي، وكان آخر من سمعت منه هذا الكلام هو المرحوم محمد شعباني، وكنت أحبه جدًا، لأنه كان مسلمًا صادق الإسلام، وكان متحمسًا في إسلامه وفي الفكر الإسلامي، وكان قائد الولاية السادسة في جنوب الجزائر ممن أيدوا بن بيلا في البداية وكان عندما يحضر من مقر ولايته في الجنوب ينزل في شقة الضيافة التي أنزل بها في فيلا «جولي».. وكنت أجلس معه وأتحدث طويلًا، وكنا نتحدث عن الإسلام وكان يسرني أنه يتحمس للإسلام، وأنه يحب المصريين، ولكني لاحظت أنه أصبح فجأة يتبرم بوجودي وظهر عليه القلق من وجودي في هذا المكان، وفهمت أن هذا كان بسبب علاقته الوثيقة بالسفير المصري، أو بعض العاملين في الاستخبارات المصرية الذين حذروه من الاتصال بي وزاد الطين بلة أنه فجأة وقعت بينه وبين قادة الجيش والحكومة الجزائرية وبين بومدين بالذات خصومة، حتى أنه أعلن الثورة على الجيش الجزائري وعلى الحكومة الجزائرية وبدأ نوعًا من التمرد العسكري والحرب الأهلية بينه وبين الجيش الوطني الذي يقوده بومدين الذي اعتقله وحاكمه عسكريًا، وأعدمه رميًا بالرصاص، وكان لمقتله أثر كبير في نفسي. وكان ذلك في شهر يونيو ١٩٦٤م.
إن اغتيال خمستي وإعدام شعباني كليهما قد أصابني باليأس والإحباط ومأساة شعباني كان أثرها أكبر لأني كنت أقدره شخصيًا وأحبه رغم ما أبداه لي من جفاء كنت أعذره فيه لأني كنت أعتقد أنه تأثر فيه بإيعاز من بعض الجهات الناصرية في ذلك الوقت وكنت أعتقد أنه ما دام مسلمًا فإنه سوف يقتنع في النهاية بأن من يوغرون صدره عليَّ إنما يكرهون الإسلام ويعادونه، ولكن تمرده والمعركة بينه وبين جيش بومدين قد آلمني جدًا، وآلمني أكثر أن الجيش الجزائري تمكن من القبض عليه، وأنه حوكم وحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم مع أنه كان من الممكن معالجة الخلاف بطريق أفضل لهذا كله اعتقدت بأن الاتجاه الإسلامي داخل الجيش الجزائري قد فقد أقوى أركانه وأن محمد شعباني قد استدرج فعلًا إلى التمرد ودفع إليه دفعًا، ولم أبرئ المخابرات المصرية أو المعارضة الجزائرية من ذلك، واعتقدت أن هناك خطة لتصفية الإسلاميين من الجيش وأنها تنفذ بكل دقة ولذلك قررت أن أغادر الجزائر وغادرتها فعلًا عائدًا إلى المغرب.
لقد تركت الجزائر لشعبها لكي يفرض إرادته، وكنت واثقًا أن التيار الإسلامي يسير في مسالك الدعوة خلال القاعدة الشعبية والطلابية وأنه سيكتسح جميع القوى التي تنكرت له وعارضته، لقد أنهيت كل تعاون بيني وبين المسؤولين في جبهة التحرير، وصححت مساري بالعودة للمغرب انتظارًا لما كنت أتمناه من نمو حركة تدعو إلى الإنقاذ الإسلامي.
الجنرال أو فقير
لقد ذهبت من المغرب للجزائر صيف عام ١٩٦٢م، وقضيت فيها العام القضائي٦٢م، وعدت إلى عملي بالمغرب، وفي أثناء وجودي بالمغرب بدأت العلاقات تسوء بين المغرب والجزائر. ووصلت إلى حد الحرب على الحدود بينهما في شهر أكتوبر ١٩٦٣م، وكان هذا سببًا في أن بعض مراكز القوى في وزارة الداخلية المغربية التي كان يرأسها الجنرال أوفقير وفيها عناصر تعمل بالتعاون مع بعض القوات الأجنبية انتهزت هذه الفرصة للقضاء على عملية التعريب في المغرب، وبمجرد بدء العمليات العسكرية سارعوا إلى القبض على جميع المصريين الذين يعملون في المغرب وخصوصًا في حقل التعليم، كما استولوا على المدرسة المصرية، وذلك من أجل وقف عملية التعريب نهائيًا، وفوجئت في يوم من الأيام بأن الجنرال أوفقير وضع اسمي بين المصريين الذين يطردون من المغرب وكان ذلك في نظري نتيجة صفقة مع المخابرات المصرية والفرنسية أيضًا لحساب أوفقير شخصيًا.
لأن أوفقير كانت عبقريته في عملية الاستخبارات أنه يعمل لحساب عدة جهات في وقت واحد، ومن بين هذه الجهات وأولها ما ينفعه في علاقاته الشخصية بواسطة صفقات يعقدها مع المسؤولين في أجهزة المخابرات على المستوى العالمي مقابل منافع ذاتية أو مالية له، فهو يبيع بعض تحركاته وأعماله ونشاطاته لفرنسا وبعضها لأمريكا، وبعضها لمصر، وبعضها للملك والحكومة طبعًا، وبعضها لنفسه، فهو لا يطيق بقاء العناصر التي يخشى منافستها أو معارضتها لنفوذه أو سلطته، وهذا هو الأهم، لأنه كان يسعى لكي يصبح هو الرجل القوي في المغرب، وقد صار فعلًا كذلك -كما سنرى فيما بعد- الأمر الذي انتهى بتآمره على الملك شخصيًا مرات متعددة أدى آخرها إلى قتله بعد فشل الانقلاب الثاني الذي دبره على الملك الحسن الثاني، وكثيرون يعتقدون أنه هو الذي دبر مؤامرة الصخيرات قبل ذلك، ثم تبرأ منها وأعدم كل المشاركين فيها بتفويض حصل عليه من الملك، وكان له مصلحة شخصية في قتلهم حتى لا ينكشف دوره في تدبيرها.
تجلت عبقريته في التلفيق عندما ابتكر أولًا طريقًا بوليسيًا لإخراجي من المغرب أن اتهمني بحادث سيارة ادعى بوقوعه منذ أكثر من سنتين قبل سفري للجزائر وقدم دليلًا عليه ورقة موقعًا عليها من أحد ضباط المخابرات الذي يقيم في باريس في «مهمة عرفت فيما بعد أنها متعلقة باختطاف محمد بن بركة واغتياله، ولم يحضر التحقيق هذا الشاهد المزعوم، ولم تسمع أقواله، ولم يطلب لذلك.
التقيت به مرة واحدة في حياتي، عندما كنت في الجزائر، إذ حضر صديق عرفته من قبل وهو العقيد عبد الله التل الذي كان متحمسًا استعان به الملك حسين لإخراج جلوب باشا من الأردن ثم اختلف معه بعد ذلك ولجأ إلى مصر وتصادف أن حضر إلى الجزائر، وذكر لي أنه سمع أن ملك المغرب سوف يزورها، وقد طلب إليه أصدقاؤه الفلسطينيون أن يحضر لمقابلته هنا، وكان ملك المغرب أول رئيس دولة يزور الجزائر المستقلة وكانت المغرب حريصة على إعلان ذلك دليلًا على حسن العلاقات بينها وبين الجزائر وقد لاحظت أن الجزائريين وخاصة جماعة بن بيلا قبلوا أن يقدموا له هذا التكريم نظرًا لما أحسوه من مساعدته لهم ومساعدة المغرب أثناء الثورة وبعدها، وقد أعطوا للسفارة المغربية قصرًا من القصور التي استولوا عليها من الفرنسيين، وأحد أصدقائي في باريس المقرب الملك هو السيد محمد عواد، كان أول سفير للمغرب في الجزائر، وكنت أتردد عليه كثيرًا، ولما جاء الملك أقيمت له حفلات رسمية عديدة، وفي إحدى هذه الحفلات حضرت وكان أحد أعضاء الوفد الذي حضر مع الملك صديقي الدكتور عبد الكريم الخطيب، ولكن بعد يوم أو يومين من الزيارة قال لي عبد الكريم إنه مضطر للعودة إلى المغرب لأمر يتعلق بعمله هناك، وقال لي: أريد منك أن تنوب عني في مساعدة هذا العقيد عبدالله التل الذي جاء من مصر وكان لاجئًا سياسيًا فيها منذ أن اختلف مع ملك الأردن، وكان على علاقة وطيدة بالمصريين، ولكنه جاء للجزائر لأمر يتعلق بالفلسطينيين الذين قبض عليهم في المغرب وقيل إنه كان معهم أسلحة أو ما شاكل ذلك. وطلب منه الفلسطينيون أن يأتي إلى الجزائر والمغرب ليبحث عمن يتوسط لدى الملك الحسن الثاني للإفراج عن هؤلاء الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية التي كان يحبها هو أيضًا بسبب قيادته للجيش المرابط بها.
كان عبد الله التل يسكن في شقة الضيافة التي أسكنها في فيلا «جولي»، وكانت لي معه أحاديث وجلسات وقبل سفر الخطيب قال لي مرة أخرى إن عبدالله التل طلب مني أن أحدث الملك في هذا الأمر، وأنا عرضت الأمر على الملك فوعدني خيرًا، وقال لي عليه أن يقابل أوفقير ليعرض عليه الموضوع، وقال إنني مضطر للسفر وقد حدثت أوفقير، وكان مرافقًا للملك لكي يقوم بهذه المهمة، ووعدني بذلك وكل ما أريده منك أنه في الحفلة التي سيحضرها الملك غدًا بعد سفري تذهب إلى أوفقير وتقدم له عبد الله التل وتقول له هذا هو الشخص الذي كلمك عنه الدكتور عبد الكريم الخطيب، ويرجوك أن تهتم بموضوعه، وأن تقوم باللازم له لدى الملك وأنا طبعًا لم أكن رأيت أوفقير من قبل، ولا هو رآني فيما أعتقد ولكنه كان معروفًا وذهبت إليه في الحفل وكان معي عبد الله التل، وسلمت عليه وعرفته بنفسي، وقلت له أنا صديق الدكتور عبد الكريم الخطيب ومستشار في المجلس الأعلى بالرباط، وقد كلفني الدكتور الخطيب أن أقدم لك صديقنا العقيد عبد الله التل وأذكرك بما وعدته به من تقديمه للملك.
إنني لم أر أوفقير من قبل، ولكن عندما كلمته في تلك الليلة نظر إليَّ نظرة غريبة لم ارها من قبل من أي شخص، ولم أر عينًا في مثل هذه العكارة والاصفرار، وكان ينظر إليَّ وكأنه يستذكر عني أشياء كثيرة يعرفها. ولكنه لا يستطيع أن يقولها، وعلى العموم قال إنه سيقوم بالواجب، وفعلًا ذهب إليه عبد الله التل وقال لي بعد ذلك إنه قدمه للملك وأن الملك أمره بأن يحضر إليه في المغرب وفعلًا ذهب عبد الله التل إلى المغرب وأعتقد انه نجح في مسعاه هناك.
الحرب بين الجزائر والمغرب
أريد أن أقول إن هذه النظرة من أوفقير أكدت لي أن هناك أشياء يخفيها بشأني.
بعد فترة قصيرة من عودتي للمغرب بدأت العلاقات تسوء بين المغرب والجزائر بسبب قضية الحدود وقضية «تندوف»، وكانت قضية هامة في نظر المغرب، لأنهم يعتقدون أن الفرنسيين قد أخذوا جزءًا كبيرًا من بلادهم وضموه للجزائر قبل الثورة الجزائرية وقبل استقلال المغرب عندما قرروا أن يعيدوا الملك ويعترفوا باستقلال المغرب، لكن يظهر أنهم كانوا يريدون أن ينتقموا من المغرب فأخذوا هذا الجزء وضموه للجزائر على اعتبار أنهم سيبقون في الجزائر إلى الأبد حتى ولو اقتضى الأمر أن يتركوا المغرب فمن المصلحة أن يأخذوا منه أكثر ما يستطيعون فهم كانوا يريدون أن ينهبوا جزءًا من الأرض وهي منطقة تندوف التي ألحقوها بالجزائر، وكنت أفهم من اتصالاتي أن ملك المغرب وحكومته كانوا دائمًا يذكرون هذه القضية، وكان كل ما يفعله الجزائريون هو أنهم يعدونهم بحلها بعد الاستقلال، وكان هذا الحل المفهوم في نظر المغاربة هو عودة هذا الجزء المسلوب للمغرب، وربما لم يستكثر الجزائريون أنفسهم أن يعيدوا هذا الإقليم للمغرب نظير مساعداته لهم، لأنه لم يكن عندهم أمل كبير في أن يتحقق لهم الاستقلال بهذه السرعة، ومعنى هذا أن الأمور قد تطول فلا ضرر من إعطاء وعود سوف يطول عليها الأمد.
لقد بدأت مناوشات على الحدود بين الجيش المغربي وبين الجزائريين والظاهر أن بعض مراكز القوى في الجيش أو الإدارة المغربية، بل والجيش الجزائري أيضًا تعمدت إحداث هذه المصادمات لكي تثير الخصومات بين البلدين لمصلحة أطراف أخرى وخاصة فرنسا، والذي حصل أن الحكومة المصرية أيدت حكومة بن بيلا، لتثبت له أنه في حاجة إلى مساعدتها وأن صداقتها نافعة وضرورية، فأرسلت خبراء للجزائر وأمدتها بالسلاح، وربما بفرق عسكرية، وهذا طبعًا أغضب المغرب، وفي اعتقادي أن أوفقير كان يعمل لحساب المغرب من ناحية، ولكن لحساب قوة أجنبية أخرى يهمها إفساد العلاقات بين المغرب والجزائر ومصر طبعًا، وأن يقتنع المغاربة أنهم كذلك في حاجة إلى تأييد أجنبي. وفيما أعتقد أن هذه الجهة الأجنبية كانت فرنسا، وكان لها هدف عاجل وهو انتهاز الفرصة لإيقاف عملية التعريب التي كانت تتم في المغرب في عهد حكومة حزب الاستقلال بواسطة معلمين مصريين، وكان هناك فريق كبير من الأساتذة والمعلمين المصريين وكان أول ما فعله أوفقير أنه أمر بطرد جميع الأساتذة والخبراء المصريين الذين يعملون في المغرب وكانت هناك مدرسة مصرية استولى عليها كذلك، وهكذا كان هذا الهدف الثقافي الفرنسي الفرانكفوني هو أول مكسب كسبه الفرنسيون من هذه العملية، ومن الغريب أن أوفقير الذي يعرف أنني على أسوأ العلاقات مع الحكومة المصرية وأنني لاجئ في المغرب سارع إلى وضع اسمي كأول شخص على قائمة المصريين الذين أمر بطردهم، وأرسل لي خطابا بإنهاء تعاقدي مع وزارة العدل.
الاعتقال والطرد من الغرب
إنني انتهز الفرصة لإخراجي من المغرب وعقب تسلمي هذا الخطاب بساعتين وجدت نفسي معتقلًا بأحد مراكز الشرطة لأواجه استجوابًا استمر ساعات طويلة إلى الفجر وكان الاستجواب عن علاقتي بالجزائر وحكومة الجزائر وبن بيلا وإخوانه، وقد فهمت من الأسئلة التي وجهت إليّ أن لديهم ملفًا كاملًا عن نشاطي في الجزائر وعلاقتي بالجزائريين وكنت قد كتبت خطابًا إلى بن بيلا، وأرسلته بالبريد بعد وصولي للمغرب أخبره فيه بأنني لا أفكر في العودة إليهم بسبب بعض مواقفه التي اعتبرتها معادية لآرائي الإسلامية وضارة بالطابع الإسلامي للجزائر، وقلت له إنني فهمت من ذلك أن وجودي معهم لا فائدة له طالما كان هذا موقفه، ويظهر أن الخطاب قد اطلع عليه أوفقير أو مخابراته، وكان هذا الخطأ من جانبي هو الذي دفعهم إلى التعجيل بطردي . لأعود إلى مصر وأبتعد عن الجزائر والمغرب معًا، لأن هناك جهات عديدة له علاقة بها لا تريد اتجاهًا إسلاميًا في جميع أقطار إفريقيا الشمالية التي كانوا يحتلونها، وقد لاحظت أنهم لم يسألوني سؤالًا واحدًا عن علاقتي بحكومة مصر مثل باقي المصريين، لأنهم يعرفون أن الحكومة المصرية تحاربني، وسبق لها أن طلبت منهم مرارًا إخراجي من المغرب، ولذلك اعتقدت أن هذه العملية ضدي لم تكن لصالح الفرنسيين فقط، بل ربما كانت أيضًا صفقة شخصية بين أوفقير وبعض العاملين في المخابرات المصرية الذين كان يضايقهم وجودي بالمغرب والجزائر وكان اعتقالي تمهيدًا لإبعادي مع باقي الأساتذة المصريين الذين أعيدوا إلى مصر في نفس الليلة، لكن الدكتور عبد الكريم الخطيب -رئيس مجلس النواب في ذلك الوقت- وصله النبأ فتدخل للإفراج عني فورًا، وكان ذلك بمحض الصدفة البحتة. ولولا أن الله سخر لي من دافع عني وهو الدكتور عبد الكريم الخطيب في تلك الليلة لكنت أخرجت من المغرب وليس أمامي إلا أن أعود إلى مصر.
أنا طبعًا أعرف ماذا ينتظرني في مصر، وذلك لأنه لم يكن معي جواز سفر، فقد أخذت السفارة المصرية جوازي المصري، وأخذ أوفقير مني الجواز المغربي، فكنت سأتعرض لمحنة شديدة وهذا هو جزائي الذي أراد أوفقير ومن وراءه أن يسعى إليه لسبب واحد، وهو أنني كنت في صف الجزائريين ليس ضد المغرب ولكن ضد الفرنسيين ومن يوالونهم في داخل الجزائر الذين كانوا يريدون أن يكون استقلال الجزائر هزيمة للإسلام والعروبة، ليس في الجزائر وإنما في المغرب العربي كله، وكانوا يريدون أن تكون الجزائر قاعدة للفرانكفونية ولتنفيذ خططهم المعادية للفكر والثقافة العربية الإسلامية ووحدة المغرب والوحدة العربية والإسلامية كذلك.
وهذا هو ما حدث بالتفصيل
في أحد الأيام كنتُ في خارج المنزل في زيارة لصديقي سفير المملكة السعودية المرحوم الشيخ خير الدين الزريكلي، وجاء إليّ أخي عمر هناك، وقال إن هناك بعض رجال الشرطة يريدون مقابلتي وينتظرونني بالمنزل، فذهبت إليهم فأخذوني إلى قسم من أقسام الشرطة، ومن حسن الحظ والمصادفة البحتة أثناء ذهابي معهم التقيت مع أحد معارفي وهو سعد جبر الذي جاء لزيارتي في منزلي وعرف أنني ذاهب إلى الشرطة، وطلبت منه أن ينتظرني بالمنزل حتى أعود ظنًا مني أن الأمر سيستغرق دقائق، لكنه بقي مع أخي في المنزل ينتظر عودتي، ولما لم أعد شك في الأمر وذهب إلى الدكتور عبد الكريم الخطيب يبحث عنه في منزله ثم في المجلس الوطني «البرلمان». وكانت جلسات المجلس تعقد في المساء. ولم يستطع مقابلته إلا بعد انتهاء الجلسة، لأنه كان يرأس المجلس، وعرض عليه الموضوع فتدخل لدى الملك شخصيًا فأمر بإلغاء الطرد وأفرج عني في الفجر أو في صباح اليوم التالي، بعد أن قضيت الليلة كلها في القسم رغم انني عندما ذهبت إلى القسم كنت أظن أنه سوف تؤخد أقوالي في خمس دقائق أو ربع ساعة وأعود إلى منزلي، ولكنهم أدخلوني غرفة بها سرير، وفهمت أنها معدة للإقامة الطويلة، وحضر إليَّ أحد ضباط المخابرات وأخذ يستجويني طول الليل ويسجل أقوالي كلها عن علاقتي بالجزائر وبن بيلا وجماعته، وجميع ما قمت به من أجل القضية الجزائرية وأعتقد أن هذا لم يكن فقط لصالح المغرب وإنما لصالح جهات أجنبية أخرى يعمل لحسابها الجنرال أوفقير شخصيًا، لأنه لم يهدأ له بال بعد ذلك إلا بعد أن أخرجني نهائيًا من المغرب. إن حرب المغرب والجزائر لم تطل، ورغم أن المغاربة كانوا حاقدين على الحكام المصريين للمساعدات العسكرية التي قدمتها مصر للجزائر أثناء الحرب، إلا أنه من الواضح أنه كان لوساطة المصريين يد طولى في إنهاء الحرب والوصول إلى تفاهم بين الطرفين، وكان بن بيلا هو صاحب الفضل الأكبر في ذلك، بل كان أكثر الجزائريين رغبة في الصلح، ويظهر أن الآخرين وخاصة جماعة بومدين وبعض ضباط الجيش قد أخذوا عليه ذلك، وكان هذا من أهم الأسباب التي استغلت لتدبير الانقلاب العسكري الذي قاده بومدين ضده.
«*» أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة