العنوان عودة إلى منتدى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1987
مشاهدات 113
نشر في العدد 835
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 22-سبتمبر-1987
خُطبَة الجُمعَة
قرأت المنتدى الفكري الطيب في العدد «٨٢٥» والذي عقدته المجتمع الغراء حول «خطبة الجمعة» والذي شارك فيه بعض الإخوة الخطباء وأود لو أشارك في طرح بعض النقاط:
فأمام هذا السيل المتدفق من التضليل الإعلامي الذي تمارسه بعض أجهزة الإعلام بكافة أشكالها في البلاد الإسلامية، وفي ظل ضعف الإعلام الإسلامي الملتزم بسبب المحاصرة السياسية من قبل الحكومات من جهة وضعف الإمكانيات من جهة أخرى، يبرز الدور الذي ينبغي أن تلعبه خطبة الجمعة في إعطاء المسلم جرعات كافية من المضادات الحيوية الإسلامية ضد السموم التي يتجرعها من وسائل الإعلام المختلفة وذلك لعدة اعتبارات أهمها:
الجمهور العريض الذي يحضر صلاة الجمعة وهو جمهور لا يتوفر غالبًا في الدروس والمحاضرات التي تقام في المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية، تلك التي لا تستقطب -مع الأسف - إلا أعدادًا قليلة من المستمعين الحريصين على الاستزادة من العلم من كل مصادره.
واعتبار آخر هو أن جمهور خطبة الجمعة يثق بما يقوله الخطيب ويأخذ معظم ما يقوله- إن لم نقل كله - على محمل الجد والصدق، في الوقت الذي تنعدم الشقة أو تكاد بين الجماهير وأجهزة الإعلام الموجه، وهذا طبعًا لا ينفي التأثير الذي تحدثه هذه الأجهزة، فالناس يكذبون الخبر لدى سماعه أو قراءته، ولكنه يصبح بعد فترة وجيزة حقيقة يستشهدون به في مجادلاتهم وطروحاتهم الفكرية والسياسية، فما يكذبونه اليوم يثبتونه كحقيقة في الغد.
اعتبار آخر، وجود طائفة من اللاأباليين بين صفوف المسلمين المصلين، والغائبين غيابًا شبه كامل عن ساحة الأحداث في العالم الإسلامي والذين انحصرت اهتماماتهم في شهوة البطن والفرج ولهم الحياة اليومية وطقوس العبادة التي يؤدونها مفرغة من محتواها الحقيقي والتي أصبحت عادة لا عبادة، فالصلاة الحقيقية تهذب النفس وتسمو بها إلى آفاق عُليا. فهي تقرب المسلم من الفضائل وتنأى به عن الرذائل وهذا ما أكدته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.
هذه الطائفة يجب أن تبصر بواقعها وتفهم أن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
اعتبار آخر وجود طائفة من جمهور صلاة الجمعة ممن لا يصلون غيرها، ولكنهم يعتبرونها من طقوسهم الأسبوعية التي يحرصون على المحافظة عليها وعدم التفريط بها أما بقية الصلوات في بقية الأيام فتلك متروكة إلى من التقاعد.
هذه بعض الاعتبارات التي ترفع من مسؤولية خطبة الجمعة وتجعل من اعتلاء منير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسؤولية لا يفرط فيها إلا جاهل أو سيء نية.
أما وأننا ننفي الصفتين السالفتين عن خطبائنا فإننا نود أن نفصل في بعض الصفات الشخصية والثقافية التي يجب توفرها في خطيب اليوم مع الأخذ بعين الاعتبار أننا لن نناقش الصفات التي تعرض لها الأقدمون من مثل اتساع العلم الشرعي وكذلك اللغوي والصوت الجهوري، وما إلى ذلك والتي لا يجهلها أحد، ولكني سأفصل في بعض الأمور التي تمس خطباء اليوم وما يطرحونه من موضوعات وأبدأها بأهم شرط يجب توفره في الخطيب ألا وهو متابعة المستجدات التي تحصل على الساحة الإسلامية بشكل عام وعلى ساحة البلد الذي يخطب فيه بشكل خاص، ولا نقصد بالمتابعة هنا المتابعة السطحية التي تقف عند حدود العناوين دون الغوص فيما وراءها وتحليلها وصيغها بالطابع الإسلامي وإيصالها بشكل مبسط إلى أذهان الجماهير والحق أن هذه المتابعة الجادة لما يجري ليست من ناقلة المعرفة للخطيب بل هي من صلب الثقافة الضرورية له لكي يكون خطيبًا ناجحًا ولكي يتعدى دوره مجرد إلقاء موعظة مكررة على المنبر ويستغفر الله له وللجالسين وينزل، إذ إن الجماهير بحاجة إلى من يبصرها بواقعها وبما يجري حولها من مؤامرات تحاك بليل ضد هذا الدين وأهله وأنه لمن المؤسف حقًا أن تكون الأمة مشغولة بأمر آخذ بألباب الناس ويأتي الخطيب ليحدثهم عن قضية مكررة طالما سمعوها فما أن يبدأ خطبته حتى يهيم كل واحد منهم في عالمه الخاص ولا يصحو إلا مع «وأقم الصلاة» وقد يساء فهم ما قصدته هنا بالمتابعة أن يحجم الأمر بالمتابعة السياسية وهذا ما لا أقصده إنما قصدت أن يكون الخطيب متابعًا لما يجري في كل المجالات سياسية كانت أم اقتصادية معيشية ام اجتماعية، كأن تنفش ظاهرة اجتماعية مرذولة جديدة في المجتمع فيهب خطباء البلد يحذرون الناس من هذه الظاهرة ويضعون الدواء لمعالجتها فيقضون عليها في مهدها قبل أن تستفحل وهكذا.
القضية الأخرى التي أود التطرق إليها هي قضية الإغراق في العموميات وعدم الدخول في تفاصيل المشاكل التي تواجهها الأمة فالمرء لا يكاد يسمع خطبة إلا ويسمع الخطيب يردد المقولة المعروفة والتي مفادها - إنه لا حل لمشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا بالحكم بكتاب الله وسنة رسوله فعودة إلى الله يا عباد الله والحق إن هذا الكلام صحيح ولا خلاف عليه، لكن المستمعين يعرفون هذا الكلام من جهة ومن جهة أخرى أننا سنبقى نراوح مكاننا ولن نغير أي شيء ما دمنا نطرح هذا الشعار الكبير بل الكبير جدًا، فالأمة الإسلامية قد ابتعدت في عصر الانحطاط مسافة شاسعة عن الإسلام وبالتالي فإن طرح هذا الشعار على ضخامته سيجعل كل فرد من المسلمين يعزف عن المشاركة في التغيير بانتظار الحكم بكتاب الله، فبذلك يمارس الخطباء من حيث لا يدرون عملية إبعاد للناس عن المشاركة في تغيير المجتمع ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة حيث مارس التدرج في الارتفاع بالناس من أدران جاهليتهم حتى وصل بهم إلى المستوى الذي استطاعوا به أن يتحملوا عبء حمل الإسلام ودولة الإسلام.
إن المطالبة بتحكيم كتاب الله يجب أن تكون جنبًا إلى جنب مع المحاولات الساعية إلى تقريب المجتمع من الإسلام الصحيح وانتشاله من الهوة السحيقة التي سقط فيها في عصر الانحطاط.
لذلك فعلى الخطباء أن يحددوا أساليب التغيير بشكل أكبر حتى يعلم كل فرد مسلم مسؤولياته تجاه هذا الدين ويعلم أنه مهما صغر حجمه في المجتمع فهو على ثغرة من ثغر الإسلام.
ياسر إبراهيم محمد - عمان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل