; عيدي أمين.. الرئيس المفترى عليه! | مجلة المجتمع

العنوان عيدي أمين.. الرئيس المفترى عليه!

الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009

مشاهدات 67

نشر في العدد 1852

نشر في الصفحة 26

السبت 16-مايو-2009

  • ارتفعت نسبة مسلمي أوغندا في عهده من 18% إلى 50%.
  • نشأ في أسرة مسلمة وكان ناشطًا اجتماعيًا ذكيًا وسياسيًا طموحًا... وكان يعتز بدينه ويدعو إليه.
  • شنت وسائل الإعلام الغربية حملة رخيصة لتشويه صورته.. روجت من خلالها أكاذيب ومزاعم باطلة لإسقاط نظامه.
  • أول رئيس لدولة أفريقية يطرد السفير الصهيوني.. وكانت أوغندا قبل توليه الحكم من أهم معاقل اليهود في أفريقيا.
  • أحبه النصارى لعدالته في توزيع الثروة دون تمييز.. وقام بتعيين أول رئيس كنيسة أسود بعدما كان البيض يحتكرون رئاسة الكنائس

يملك الغرب من إمكانات الدعاية المختلفة ما يقلب بها الأكاذيب إلى حقائق، وما يجعل الإنسان يتخيل الباطل حقًا، والحق باطلًا.. كما أنهم يعتمدون في سياساتهم مع الشعوب الأخرى - وحتى مع شعوبهم أحيانًا - الميكافيللية؛ أي يحترفون «النفاق العملي» أسلوبًا لتعاملهم مع الآخرين، وخاصة الشعوب المسلمة، التي تصدق كثيرًا مما يصدر عن هذه الأجهزة الدعائية التي تحترف الكذب الصريح، ولا تقيم للصدق أي وزن، ولا تعير للحق - وإن كان بواحًا - أي اهتمام!
فقد دأب الغربيون - منذ نهضتهم الحديثة في أواسط القرن التاسع عشر – على غزو عقولنا وتسميم أفكارنا قبل الغزو العسكري على ديارنا، بإرسال جيوش من المستشرقين إلى أنحاء العالم الإسلامي منتحلين - كذبًا وزورًا - صفات علماء مسلمين ومصلحين ليلتف حولهم المسلمون؛ فيتمكنوا بعد ذلك من تنفيذ دسائسهم ومخططاتهم الاستعمارية...
وتلك حقبة من الزمن لها فصولها وتأثيراتها العميقة على الأمة الإسلامية جمعاء. ومن هؤلاء من فشل في مهمته، ومنهم من حقق أهدافه؛ بدءًا بالغزو العسكري الذي احتل معظم بلاد المسلمين في المغرب والمشرق، ووصولًا إلى استخدام ما أنتجته مصانعهم من وسائل الإعلام الجبارة والمتنوعة لقلب الحقائق وتزييف الأحداث؛ بل وصنع أحداث لم تقع أصلًا وليس لها وجود أساسًا لتحقيق مآربهم وغاياتهم، كما هو الشأن في صناعة الأزمة بإقليم «دارفور» في السودان.
ومن هذا - أيضًا - ما حدث للرئيس الأوغندي المسلم الراحل الحاج عيدي أمين يرحمه الله، الذي نشأ في أسرة أوغندية مسلمة، وكان ناشطًا اجتماعيًا مفرطًا في الذكاء، طموحًا، عزيز النفس، شجاعًا إلى حد التهور، كريمًا، منصفًا، متمسكًا بدينه وداعيًا إليه.. وقد كان جنديًا في الجيش البريطاني في عهد الاستعمار، ثم في الجيش الأوغندي بعد الاستقلال وترقى حتى وصل إلى أعلى رتبة في هذا الجيش لجدارته واستقامته وكفاءته المهنية العالية.

أكاذيب ومزاعم
وكان الرئيس الأوغندي الأسبق يتوجس خيفة من الجنرال « عيدي أمين » من أجل سمعته الطيبة في الجيش الأوغندي، وعلاقته القوية بالأقلية المسلمة في أوغندا، وكان قد سبق لهذا الرئيس أن أقال الجنرال « شعبان» الذي كان قائدًا للجيش، واعتقله خوفًا من أن ينقلب عليه؛ فتوترت العلاقات بينه وبين الجنرال «عيدي أمين» باعتبار أنه اعتقل جنرالًا مسلمًا مثله بغير سبب وجيه وذات يوم، أراد الرئيس « موبوتو » أن يدبر مكيدة لاعتقال « عيدي أمين» فاستدعاه إلى قصر الرئاسة ولكن الجنرال « أمين » علم المؤامرة من مصادره الخاصة، وعند ذلك اتخذ عيدي أمين قرارا بالانقلاب على هذا الرئيس المتآمر من جهة، والعميل للبريطانيين من جهة أخرى؛ فاستولى على الحكم وكان ذلك في عام ۱۹۷۰ م، وهي فترة الانقلابات العسكرية في أفريقيا والعالم العربي بصفة خاصة، أو ما يُسمى بالعالم الثالث بصفة عامة، إلا أن انقلاب «عيدي أمين» أصاب دول العالم الغربي الاستعماري - وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة - بحالة من الهلع والهستيريا، واستنفرت كل طاقاتها، وما تملكه من قوة ونفوذ لإسقاط «عيدي أمين» وبثت في أجهزتها الإعلامية الهائلة أكاذيب ومزاعم لا أساس لها من الصحة حول هذا الرجل، فاتهموه بأنه من أكلة لحوم البشر، واتباع أساليب بهيمية في نزعاته الجنسية، وغير ذلك من كل ما هو قبيح وفاحش، هو منه بريء.

رئيس مختلف
ولكن الرئيس «عيدي أمين» كان سابقًا عصره وفريدًا في سياسته ومختلفًا عن نظرائه من الانقلابيين الذين عاصروه، فقرر أن تستقل بلاده عن الاستعمار الغربي والبريطاني خاصة - استقلالًا حقيقيًا لا صوريًا؛ في الاقتصاد والسياسة، وفي شؤونها كافة.. فقد وجد اقتصاد بلاده في أيدي حفنة من بقايا الاستعمار من الهنود البريطانيين الإقطاعيين وبعض شركائهم الأوروبيين، فعرض علي أولئك الهنود منحهم الجنسية الأوغندية بدلًا من البريطانية مقابل أن يدفعوا الضريبة الاعتيادية للبلاد التي يعيشون فيها ويأكلون من خيراتها، فقابلوا هذا الأمر بالرفض الساخر؛ متعززين بجنسيتهم البريطانية.
فالمملكة البريطانية هي صاحبة القرار في أوغندا - كما يتخيلون - غير مدركين أن
عيدي أمين يختلف عن « موبوتو »، و « جومو كينياتا »، وغيرهما من الرؤساء الأفارقة؛ فأعطاهم مهلة لتعديل أوضاعهم وترتيب أمورهم مؤكدا لهم أن هذا القرار سيادي لا رجعة فيه.
ولكنهم لم يأخذوا هذا الأمر بالجدية الكافية، لأن شياطينهم في بريطانيا كانوا يوحون إليهم هكذا، فأمر بطردهم من البلاد ومصادرة أموالهم التي لا يمكن نقلها كالعقارات والمزارع ونحوها التي تم توزيعها على المواطنين الأوغنديين دون أن يفرق في ذلك بين مسلم ونصراني ووثني. 
فحاربوه بكل الوسائل وحاصروه اقتصاديًا عن طريق الدول المجاورة واتبعوا في ذلك أساليب متعددة، من بينها أنهم أقاموا مراكز في كل الحدود الأوغندية - وخاصة مع كينيا وتنزانيا وزائير - لجمع العُملة الأوغندية المعدنية حتى يضطر الناس لشراء ما قيمته نصف شيلينغ بخمسة شيلينغات ورقية لانعدام العملة المعدنية، ثم بدؤوا بعد ذلك بتهريب وجمع العملة الورقية للغرض نفسه وكان من الأمور المعتادة للقادم من أوغندا أو المسافر إليها من حدود هذه الدول أن يرى هؤلاء المهربين وهم يجمعون العملة الأوغندية ويشترونها بأضعاف قيمتها من العملات الأخرى حتى تنعدم في السوق الأوغندية.
وسخروا لتنفيذ ذلك ميزانيات ضخمة؛ بهدف خلق أزمة مالية يثور بعدها الشعب على حكم الرئيس الذي أحبه النصارى قبل المسلمين لعدالته في توزيع الثروة بين الجميع دون تمييز وتحرير الجميع من ربقة الاستعمار البغيض.

تحرير من التبعية
ومن اللافت في مجال تحرير المواطن الأوغندي من التبعية أن الرئيس « عيدي أمين» تجول على الكنائس المقامة في البلاد فوجد أن رؤساءها من البيض ولا يوجد أفريقي واحد يتولى رئاسة كنيسة واحدة، فسأل رئيس القساوسة في أوغندا عن هذا الأمر قائلًا: إن عنصريتكم لم تسلم منها حتى الكنائس ألا يسمح نظامكم الكنسي أن يتولى الأفارقة رئاسة الكنيسة؟ فأجاب: بلى، فسأله: فلم لا يتولى نائبك الأفريقي الرئاسة؟
فذكر له أن الأمر يحتاج إلى إجراء معين، فقال له الرئيس «عيدي أمين» أنا رئيس البلاد وأصدر أمرًا بأن يتولى الأفريقي رئاسة الكنيسة بدلًا منك، فسُر لذلك النصارى في أنحاء البلاد وحتى في البلاد المجاورة التي كانت تعاني في ذلك الوقت من نظام الفصل العنصري.

مناقب لا تُنسى
ومن مناقب الرئيس «عيدي أمين» التي لا تنسى أن عدد المسلمين في أوغندا ارتفع في عهده من أقلية تشكل ۱۸ ٪ من السكان حتى وصلت نسبتهم إلى % ٥٠ من تعداد السكان أو أكثر لدعوته الخالصة إلى الإسلام.. وكان بعض الناس يعتقد - وكاتب المقال منهم - أن العدد الهائل ممن اعتنقوا الإسلام من الأوغنديين أسلموا مجاملة لـ عيدي أمين أو خوفًا منه، وأنهم بعد رحيله قد يعودون إلى أديانهم السابقة ولكن تبين أن هؤلاء حَسُن إسلامهم ولله الحمد.
كما أن من مناقبه أنه أول رئيس الدولة أفريقية غير عربية يطرد السفير «الإسرائيلي» فتزعم بذلك حملة قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني التي سادت في أفريقيا في فترة السبعينيات من القرن الماضي، مع أن أوغندا كانت قبل مجيئه من أهم المعاقل اليهودية في أفريقيا، كما أنه فتح النار على السياسة العنصرية التي كان يمارسها البرتغاليون في دول جنوب القارة مثل موزمبيق وأنجولا والبريطانيون في «روديسيا» الجنوبية زيمبابوي ( حاليًا ) وجمهورية جنوب أفريقيا.
وهذه كلها كانت محظورات لا يسمح بالمساس بها عند الغرب؛ فصبوا جام غضبهم على هذا الرئيس المتمرد على سياساتهم، والخارج عن أنظمتهم.. وهذه ردة فعل مفهومة ومتوقعة من الغرب، ولكن ما هو غير معقول ولا مفهوم أن يصدق العرب الدعاية الغربية السلبية ضد شخص الرئيس عيدي أمين وتنطبع في أذهانهم الصورة المزيفة التي تبنتها آلة الإعلام الغربي - بما فيها أفلامها الفاسدة - التي زيفت في أذهاننا كثيرًا من القضايا.. فإلى متى سنظل ضحايا لدعايتهم المغرضة؟!

الرابط المختصر :