; غاب.. ولكنه لن يرحل..! | مجلة المجتمع

العنوان غاب.. ولكنه لن يرحل..!

الكاتب مهنا الحبيل

تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006

مشاهدات 56

نشر في العدد 1719

نشر في الصفحة 26

السبت 16-سبتمبر-2006

في هدأة المساء الحزين والزمن الحالك وحال الأمة وأوضاعها المتردية يلقي بظلاله على مثل ذلك الغياب، يغيب عنا هذه المرة شيخ الإخوان المسلمين في الخليج الشيخ عبد الله العلي المطوع واللقب الدعوي الشهير «العم بو بدر».

أخلاق الدعاة: هذه الظلال تزحف على المشهد مجددًا عند رحيل الكبار من رجالات الدعوة الإسلامية، تثير الوجدان والعقل..

أما الوجدان فأنت أمام قامة طويلة باسقة نضيرة، أعطت ثم أعطت حتى زرعت جيلًا من التيار الإسلامي المبارك في الخليج، يعود على أمته ومحيطه بروح إصلاحية عالية متسامحة، ومعطاءة يزهو بها المجتمع، وهكذا كان «العم بو بدر».

كان «العم بو بدر» شيخ الدعوة الحكيم الهادئ، البسيط في تواضعه وخطاباته وصفائه وفي إنسانيته التي تغمر الجميع بلا استثناء.

وبخلقه الحسن ووجهه الوضاء لا يستشعر أحدًا بأنه من أغنياء الناس، ولكنه أصفاهم وأسمحهم، منذ أن ينظر إليه.. لذا كان الإسلاميون في الخليج يسمونه بلقب يحبه ويحبونه «العم بو بدر» يرمز لتواضعه ولقربه من قلوبهم.

في ظل هذه الروح عاش الخليج الاتصال الفكري بعالم الدعوة المباركة، نقل الشيخ «بو بدر» فكر الإمام البنا إلى الكويت: ومنها إلى الخليج.

إعلام إسلامي

وكان الحديث عن خطاب القيم والعفة وبناء الأجيال بحسب الهوية قضية صعبة في نهاية الخمسينيات والستينيات، يحاربها كلا المعسكرين النشيطين في ذلك الحين، المعسكر الغربي والمعسكر الاشتراكي.

ومع ذلك استطاع «العم بو بدر» وإخوانه مقاومة الحرب الفكرية التي شنت على مصادر التشريع الإسلامي، وأسس جمعية الإصلاح مع أخيه المؤسس عبد العزيز العلي المطوع، فأضاءت بمنهجها وبرنامجها التربوي وبمطبوعاتها الإعلامية التي كان لها صدى كبير في ذلك الزمان، وبخاصة مجلة «المجتمع» فأنارت في جميع جوانب الخليج، بل الوطن العربي والعالم الإسلامي.

كانت «المجتمع» وبرعاية «العم بو بدر» صوت المحرومين والمعذبين في الأرض، وكانت قوى البغي والاستبداد والظلم تملأ السجون من المناضلين الإسلاميين وأسرهم نساء وأطفالًا، وقد تواطأ عليهم إعلام الشرق والغرب، وكان «العم بو بدر» وأبناؤه المنبر الوحيد والنافذة النادرة للتعرف على أحوال المسلمين ونكباتهم، والإسلاميين تحت العذاب الذي يصب عليهم لا لشيء إلا أنهم قالوا: ربنا الله ثم استقاموا.

عمل خيري

كان «للعم بو بدر» ومدرسته الكويتية شرف التأسيس أيضًا لسفن الإنقاذ والإغاثة للعمل الخيري الخليجي، وكانت الكويت عبرهم بوابة الغوث لأهلنا في فلسطين، وأفغانستان بعد الغزو السوفييتي، كانت أيديهم تنقل الخير والمساعدات الإنسانية لمناطق محرومة ومحتجبة عن الذاكرة العربية.

وكان «العم بو بدر» يتواصل سرًا ببره وإحسانه - الذي لن يضيع عند الله.. والله يا عم لن يضيع - لأولئك المسحوقين وأسرهم من الداعين إلى الله المبشرين بالمشروع الإسلامي، يواسي أسرهم وذويهم، وهم تحت العذاب الأليم.

قيادة حكيمة وسط المحن

اليوم يغادرنا العم.. يغادرنا أستاذًا مرشدًا ومعلمًا تربويًا وشيخًا حكيمًا وجبلًا مستقرًا حين تدلهم الخطوب.

يغادرنا «العم بو بدر» بعد أن علمنا كيف يتجاوز الناس محنهم وخلافاتهم، بعد أن انشق الصف في كارثة الثاني من أغسطس 1990 م، وكان «العم بو بدر» محل إجماع ومحبة الجميع، لم يحمل غلًا ولم يسعر حقدًا لأحد في أنحاء الوطن العربي، ولكنه تسامى وتصافح ليكون محل اجتماع ووحدة كما وحدنا الإمام الشهيد حسن البنا.

إن هذه الدعوة أكبر من أن تكون حزبًا أو فئامًا من الحركيين.. إنها ليست بطاقة عضوية فارغة من مبادئها، وما تجدي اللافتة الحركية إذا خلا الضمير والفكر من هوية الدعوة الأصيلة؟! إنها روح الأمة الواحدة ورسالة الضمير الإسلامي منها وإليها.. تلك هي دعوة الإخوان.

فطب يا عم في جنات الخلد.. جنات النعيم، لا نزكي على الله أحدًا، ولكن الخلق شهود الله على خلقه .. وهكذا علمناه وعرفناه..

هناك تطيب رحلتك، وهنا لن يغيب صوتك وصورتك، في سبيل الله والمستضعفين كانت حياتك فطاب مقامك سيدي وختامك.

الرابط المختصر :