العنوان غارة جديدة على الإسلام في إندونيسيا تشنها الحكومة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1981
مشاهدات 54
نشر في العدد 533
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 16-يونيو-1981
شيخ مسلم يضع حجر الأساس لمبنى كنيسة!
لقد أصبح معلومًا عند العامة أن للمسلمين في إندونيسيا صفة تكاد تكون خصيصة إندونيسية وهي صفة التسامح الديني التي تبرز أكثر مما هي موجودة في الأقطار الأخرى ذات الأغلبية الإسلامية. ويبرز هذا التسامح في قطاع وئام التعايش الديني حتى استطاعت الأديان الأخرى مثل الكاثوليكية والبروتستانتية والهندوكية والبوذية أن تعيش بازدهار في بلد تصل نسبة مسلميه إلى ٩٠% بل ٩٥% من مجموع سكانه. بل يمكن القول بأنه في الحياة اليومية تستطيع أديان الأقليات الأخرى أن تحقق الكثير من الازدهار بعد أن أصبحت إندونيسيا مستقلة وذات سيادة أكثر مما كانت مستعمرة وتحت سيطرة حكومة نصرانية.
وبالرغم من ذلك فإنه لا يعني أن المسلمين يلوذون بالصمت حينما يحسون أن عقيدتهم قد أصبحت مهددة من قبل نشاطات الأديان الأخرى.
وبسبب ذلك كله حدثت بعض الاشتباكات الجسدية بين المسلمين والنصارى عندما يحدث مثلًا إهانة لشخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو حينما يحاول النصارى أن يبنوا بالتعسف كنيسة لهم في حي إسلامي صرف؛ حيث لا يوجد في ذلك الحي إلا نصراني أو نصرانيان وما يشبه ذلك من أحداث.
ولم تنتقص مثل تلك الأحداث من نشاط التبشير والتنصير في إندونيسيا، وبخاصة منذ سنة ١٣٨٥ هـ ( ١٩٦٥م) حتى الآن وهو الأمر الذي نعلمه جميعًا.
الحكومة تجبر الأمة
وقد ظهرت في الآونة الأخيرة اتجاهات من قبل حكومة الجمهورية الإندونيسية تسعى إلى تصعيد وئام التعايش الديني بين أتباع مختلف الأديان ولربما كان الغرض من ذلك هو الحيلولة دون حدوث مثل الاشتباكات المذكورة بين أتباع الأديان المختلفة سواء أكانت اشتباكات جسدية أم جدلًا مفتوحًا حيث يرد في تقدير أوساط الحكومة أن ذلك سينال من الاستقرار السياسي الضروري جدًا لتنشيط عمليات الإنماء.
من بين تلك الظواهر التي تحاول تحقيق تلك الاتجاهات دعوة الأوساط الحكومية الموجهة إلى المسلمين للاشتراك في الاحتفالات النصرانية، مثل عيد ميلاد المسيح وعيد الفصح وغير ذلك الأمر الذي قد يعود بالضرر عقديًا وكيانًا للمسلمين.
ولا تتصف هذه الدعوة بصفة الأمر الرسمي من الحكومة، ولكنها تبرز أكثر ما تبرز في النماذج العملية التي يقوم بها كبار موظفي الحكومة حيث يتمثل لسان الحال. كأن يقوم أحد كبار موظفي الحكومة من المسلمين بإشعال شجرة الميلاد الساطعة الأنوار في ساحة منزله طيلة أيام عيد الميلاد.
ويرى أمثال هؤلاء من موظفي الحكومة المسلمين سواء في العاصمة أو في الأقاليم أن تلك الإجراءات هي طبيعية لا غبار عليها حينما يحضرون مثلًا احتفالًا من احتفالات عيد الميلاد، بل حتى إذا شاركوا في إشعال الشموع وإنشاد ترانيم عيد الميلاد. وحدث أن أحد مشايخ الإسلام كلف بتلاوة الدعاء في مناسبة الاحتفال بوضع حجر الأساس لإقامة مبنى كنيسة كبيرة في حي «.... لانداك» بجاكرتا. «انظر تقرير علماء الشريعة بجاكرتا الذي أحيل إلى مجلس علماء إندونيسيا المركزي التي نرفقها بهذا» وكل هذا له تأثير كبير على الموظفين عمومًا من أكبر المستويات إلى عمداء القرى في الأرياف.
وفي المدارس التي أنشأتها منظمات التبشير يقرون ضرورة مشاركة تلامذتها المسلمين في الاحتفال بعيد الميلاد. الأمر الذي لم يكن معروفًا من قبل.
ولم يسكت المسلمون عن الإعراب عن ردود فعلهم تجاه ذلك، من ذلك ما قاله البروفيسور الدكتور همكا في مجلته «بانجي ماشاركات» حيث شجب في مقاله تلك البدعة الجديدة، صرعة إجبار المسلمين على المشاركة في احتفالات الأديان الأخرى وبعد إعلان بيانه عن أحد تعاليم الإسلام وهو التسامح الديني بين مختلفي الأديان واستشهد في ذلك بآيات من القرآن وقبسات من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكد في ختام مقاله على ما يأتي:
«...... ولكنني لن أنصب شجرة عيد الميلاد في ساحة منزلي فليس هذا التسامح، ولن آمر المسلمين أن يتقلدوا ميدالياتهم أو قلائدهم لأنهم ليسوا من شريعتنا، (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا)، ولذلك فإنه قبل أن نتسامح ونتعايش في وئام وسلام مع أتباع الأديان الأخرى، فإن علينا أن نتعمق ونتفهم تعاليم ديننا حتى لا يصير التسامح صراعات تفتك بالأصدقاء» (انظر العدد 311 من مجلة بانجي ماشاركات الصادر في شهر ربيع الأول سنة 1401 هـ).
١- الشيخ الحاج عبدالله شافعي، أحد المشايخ الذين يرعون عددًا من المعاهد الدينية في جاكرتا، وهي معاهد الشافعية ورئيس مجلس علماء إندونيسيا فرع جاكرتا.
٢- الشيخ الحاج عبدالله عبدالملك أحمد من رئاسة منظمة المحمدية.
٣- الحاج يونان حلمي ناسوتيون من مكتب وكالة جمعية الوصلية بجاكرتا.
٤- الشيخ الحاج هاشم عدنان أحد علماء نهضة العلماء.
٥- الحاج مشفع بشير من منظمة مركز القبلة ورئيس تحرير مجلة «قبلة» الإسلامية.
٦- الأستاذ الحاج محمد یونان ناسوتيون رئيس المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية فرع جاكرتا.
ثم اتفقوا على إجراء الاتصال بقيادة مجلس علماء إندونيسيا بجاكرتا الذي يترأسه الدكتور همكا للمباحثة بشكل جدي في هذا الموضوع ومطالبة مجلس العلماء بصفته هيئة شبه رسمية أنشأتها الحكومة نفسها، لكي يصدر فتوى موجهة إلى الحكومة تتعلق بهذا الموضوع الهام جدًا للعمل على إيقاف استمرار عملية تلبيس الحق بالباطل هذه التي تنال من الإسلام نيلًا خطيرًا.
وتمكنوا من عقد لقاء مع رئاسة مجلس علماء إندونيسيا المركزي المذكور وقدموا إليها مذكرة نرفق بهذا صورة لها بالإندونيسية مع ترجمتها باللغة العربية.
وتقبل مجلس علماء إندونيسيا المركزي، ولله الحمد والمنة، تلك الفكرة وذلك المقترح وعقد لقاء دعا إليه مختلف علماء الشريعة المنتمين إلى مختلف المنظمات والفئات بمن فيهم العلماء المنتمون إلى منظمة «القولكار». وقد توصلوا إلى رأي إجماعي شامل في ذلك الموضوع بدون استثناء وأصدروا فتوى بتاريخ ١ جمادي الأول سنة ١٤٠١هـ الموافق ٧ مارس سنة ۱۹۸۱م، مضمونها كالآتي:
۱- إن الاحتفالات بعيد الميلاد في إندونيسيا رغمًا من أن الهدف منها تكريم نبي الله عيسى عليه السلام، إلا أنه ليس من الممكن فصل تلك الاحتفالات عن الأمور التي أوردناها أعلاه.
۲- وإن المشاركة في احتفال عيد الميلاد بالنسبة للمسلمين حكمها حرام.
٣- إن على المسلمين أن يتجنبوا الوقوع في الشبهات في كل ما نهى الله عنه، وعليه فإننا نهيب بالمسلمين ألا يشاركوا في نشاطات الاحتفال بأعياد الميلاد.
هناك شبه تفهم وتفاهم مشترك بين الحاضرين في ذلك الوقت مؤداه عدم نشر تلك الفتوى في الصحف. ولكن وزير الشؤون الدينية أبدى استعداده ليتخذ كل ما من شأنه أن يحقق ما جاء في الفتوى بشكل غير معلن حتى لا تتكرر مثل تلك الاحتفالات المشتركة والمذكورة أعلاه مرة ثانية.
وبناء على هذا التفاهم المشترك لم يقم مجلس علماء إندونيسيا المركزي بنشر فتواه في الصحف ولكنه أبلغها إلى فروعه على مستوى المحافظات والبوباتيات قاصدًا أيضًا بذلك التبليغ أن يطبق مضمون الفتوى أيضًا بشكل غير معلن على تلك المستويات ريثما يتلقون نتائج جهود وزير الشئون الدينية.
لماذا سحبت الفتوى؟
لكنه رغم مضي شهر ونصف على ما حدث لم توجد أية نتائج لجهود وزير الشؤون الدينية «إذا قام بها حقًا» بينما اقترب موعد الاحتفال بعيد الفصح قامت فروع مجلس العلماء في الأقاليم بالمبادرة بنشر تلك الفتوى استنساخا وفي الصحف المحلية.
وكانت النتيجة طيبة جدًا بمعنى أنه لم يحدث بسبب ذلك أية هزة في المجتمع. وقام بعض نظار المدارس النصرانية بجاوا الوسطى بإبلاغ تلامذتهم المسلمين بأنه منذ الآن لا يطلب إليهم المشاركة في الاحتفال بعيد الفصح أو الأعياد النصرانية الأخرى. ولم يشذ عن ذلك إلا أحد قساوسة النصارى في جاكرتا المعروف بعدائه للإسلام واسمه حمران أمبري، فقد اعترض على حيثيات فتوى مجلس علماء إندونيسيا المذكورة.
وعلى النقيض مما ذكرناه عن الأقاليم، حدث بين بعض أوساط الحكومة المركزية وبين مجلس علماء إندونيسيا المركزي بجاكرتا خلاف محتدم، حيث كان وزير الشؤون الدينية هدد بالاستقالة لأن مجلس علماء إندونيسيا المركزي قد خالف ما تم الإجماع عليه. ولكن مجلس العلماء لم ير أنه قد قارف ما اتهم به وصرح رئيس المجلس شفويًا بأنه إذا أدين مجلس العلماء المركزي بارتكاب المخالفة فإن الدكتور همكا نفسه هو الذي سيستقيل لأنه هو المسؤول عما حدث.
ولكن الأمور ظلت كما هي. فوزير الشؤون الدينية لم يستقل وكذلك رئيس مجلس علماء إندونيسيا المركزي ما عدا سكرتير مجلس علماء إندونيسيا المركزي الذي أقيل من منصبه.
وفجأة ظهرت نشرة موقع عليها من قبل الدكتور همكا رئيس مجلس علماء إندونيسيا المركزي والحاج برهاني تشوكرو هاندوكو الأمين العام للمجلس وهو في نفس الوقت المدير العام لإرشاد المجتمع الإسلامي وشؤون الحج بوزارة الشؤون الدينية- محتواها كالآتي:
أ- سحب تداول الفتوى التي أصدرتها لجنة إفتاء مجلس علماء إندونيسيا بموجب مذكرتيها رقم : أ ٨٧٠ وأ ٨٨٠/ م ع ١/ ٣/ ١٩٨١ بتاريخ ٢٧ مارس سنة ١٩٨١.
ب- اعتبار أن حضور احتفالات مختلف الأديان هو أساسًا أمر طبيعي- باستثناء ما يتصف منها بالتعبديات مثل القداسات وإجراء الطقوس الدينية ونحوها.
ج- أنه لا مانع للرجل المسلم الذي يحضر ولمجرد تكريم الدعوة الموجهة إليه من قبل معتنقي الأديان الأخرى، في الاحتفالات المراسمية «وليست الطقوس الدينية ونحوها».
د - يبدأ العمل بهذا القرار من تاريخ إصداره وهو ٣٠ أبريل سنة ١٩٨١م.
قد تسببت هذه النشرة في بلبلة الجماهير، لأنها تناولت فتوى مجلس علماء إندونيسيا بالسحب من التداول وتعرضت لنفس الفتوى بما يخالف مضمونها من التفسيرات.
وأدلى وزير الشؤون الدينية -الحاج عالم شاه في ٤ رجب سنة- ١٤٠١هـ الموافق ٨ مايو سنة - ١٩٨١م بتصريح مفصل عن حيثيات سحب فتوى مجلس العلماء من التداول بين الجماهير وقدم تفسيرات لنص الفتوى مبنية على موقف الحكومة ومفاهيمها.
ونشرت جريدة «بليتا» نص تصريح للدكتور همكا رئيس مجلس علماء إندونيسيا المركزي الذي قال إن قرار مجلس العلماء الصادر بخصوص الفتوى المشار إليها لا يغير شيئًا من واقع الحكم الشرعي في موضوع الفتوى، لا جملة ولا تفصيلًا.
وقد تم تشكيل مجلس علماء إندونيسيا في ١٧ رجب سنة ١٣٩٥هـ الموافق ٢٦ يوليه سنة ۱۹۷٥م، بهدف إبراز فكرة التعاون بين العلماء والأمراء أي التعاون بين رجال السلطات في البلد وبين علماء الإسلام بوصفهم قادة للأمة المعلين لكلمة الله والمتفقهين في الدين وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم. وذلك من أجل صالح الشعب والدولة.
وكما هو مجرب طيلة عهود التاريخ أن التعاون المأمول بين الأمراء والعلماء لن يحظى بالبقاء إلا بقدر ما تكون فتاوى العلماء متفقة مع أذواق أصحاب السلطة وأهوائهم.
ولم نعلم حتى الآن ما هو المصير الذي ينتظر مجلس علماء إندونيسيا. وأن هناك ثلاثة بدائل لذلك المصير:
أ- إما أن يحل مجلس علماء إندونيسيا من قبل أصحاب السلطة، أو يحل المجلس نفسه.
ب- وإما أن ينقلب مجلس علماء إندونيسيا وتتحول صفته ليصبح مجرد جهاز من أجهزة السلطان بجوار الأجهزة الأخرى مثل وزارة الإعلام التي تسخر لترويج سياسة الحكام المتربعين على دست الحكم وتنشيط سيرته.
ج- وإما أن لا يحل مجلس العلماء ولا يحل المجلس نفسه، بل يبقى مسيسًا ويتولى أمره أناس مستعدون للبقاء في هيئة يقال عليها مجلس العلماء ولكنهم في الحقيقة إدارة من إدارات وزارة الشؤون الدينية. أما العلماء الذين هم على علم تام بمكانتهم كونهم ورثة للأنبياء، فإنهم سيتركون الهيئة المذكورة جماعات ووحدانًا بالتدريج.
ومن بين هذه البدائل الثلاثة يظهر أن البديل الأخير هذا أكثر الممكنات احتمالًا، فيكون المجلس اسمًا بلا مسمى.
وكل ما نسأله من المولى عز وجل هو أن يهب للأمة الإسلامية القوة والصمود من أجل الدفاع والمحافظة على أمن العقيدة الإسلامية وسلامتها ضد كل المحاولات المبذولة لتلبيس الحق بالباطل، كما هو حادث الآن سواء بوجود مجلس العلماء أو بدونه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل