العنوان غزة تتذكر «المجزرة» بقلوب ترتقب الأمل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009
مشاهدات 62
نشر في العدد 1882
نشر في الصفحة 26
السبت 26-ديسمبر-2009
عام على محرقة العار
ذكراها الأولى تفتح جروحا غائرة لم تندمل بعد..
- صحفي فقد ساقيه: مهما فعل الاحتلال فلن يكسر إرادتنا وصمودنا لأننا نملك الصبر والثبات والتحدي
- والدة شهيد: رغم الجرح الغائر إلا أن إيماننا بالله كبير حيث اختاره إلى جواره
عام مر على المعاناة التي حُفرت في ذاكرة الكبير والصغير، وتركت بصماتها على الحجر والشجر.. جراحها أثقلت قلوبهم النازفة، وغدت تخط عذاباتها على أشلاء الشهداء، وأنين الجرحى المبتورة أعضاؤهم والمشوّهة ملامحهم.. وعلى جدران البيوت التي دمرت وأحرقت، ترنو العيون إلى أمل موشح بالورود بعد انقضاء العام الجاري الذي أضحى أطول من أعوام سبقته.. «المجتمع» عاشت يوما كاملا مع عدد من متضرري الحرب، وعادت لترسم صور المعاناة في الذكرى الأولى لانتصار الفرقان.
جلست «أم نبيل» تنظر إلى صورة فلذة كبدها وحبيب قلبها «الشهيد مصعب»، وهي تلقن طفلته كلمة «بابا شهيد»، وتتذكر ذلك اليوم الذي خرج فيه لمقارعة الاحتلال الذي اقترب من البيت؛ حيث وجدها أكبر فرصة لإيقاع عدد من القتلى.. فقد اعتادت «أم نبيل» على وداع الأحبة؛ حيث فقدت قبل مصعب «همام» شهيداً، وتتحدث بلكنتها التي تميل إلى المصرية قائلة: « عام يمر على استشهاد الحنون الطيب صاحب النخوة والمرابط الذي يعشق الثغور، ورغم الجرح الغائر إلا أن إيماننا بالله كبير حيث اختاره إلى جواره».
وتعود «أم نبيل» بذاكرتها إلى عام مضى؛ حيث كان يجلس إلى جانبها يحدثها عن أحلامه وخططه للارتقاء بالمجاهدين والمقاومة فتقول: «كم كان يحلم بأن يُكوّن جيشًا كبيرًا من المقاومين الذين يعشقون الثغور لتكون بيتهم ومسجدهم ومن ثم الارتقاء بمقاومتهم».. وعن كيفية استشهاده تقول بدمعات حرقت وجنتيها : «كم كنت أتمنى أن أراه جسدا كاملا وأقبل وجنتيه لكن جسده كان مفتتا، حيث أطلقت الطائرات الحربية الصهيونية عليه قنبلة من نوع «دايت»، التي استخدمت لأول مرة في غزة مع مجموعة من المقاومين الذين تمنى ذووهم مثلنا أن يودعوا أبناءهم».
أربعة شهداء
أما عائلة «بنر» التي فقدت أربعة من أبنائها شهداء (أب وثلاثة من أبنائه)، فإن جراحها لم تلتئم بعد مرور عام على فقدان أربعة أعمدة في البيت، فالأطفال مازالوا ينتظرون هدايا وحضن الأب الغائب، والنساء توشّحن بالسواد، ومازالت مرارة العلقم في الأفواه.
تستذكر «أم العبد بنر» (زوجة الشهيد وأم الشهداء الثلاثة) الأيام الماضية فتقول: «شعرتُ بفقدانهم في العيد حيث بدأت أسئلة أطفالي وأحفادي تتساقط علي كالمطر، أين أبي؟ هل ذهب ليشتري لنا الألعاب والحلوى؟ ومتى سيعود ليحتضننا؟».. وتوضح أن الكلمات تجمدت في حلقها، فبأي إجابة ستجيبهم؟ فهم يحلمون بحلوى وملابس العيد، مؤكدة أن بيتهم تحول خلال عيدي الفطر والأضحى إلى عزاء.
وتكمل حديث الذكريات المؤلمة فتقول: مر العام ثقيلا عليّ؛ حيث تركوا لي خمسة عشر طفلا تتراوح أعمارهم بين العام و١٦ عامًا، ومسؤوليتهم كبيرة، لكني بحمد الله استطعتُ أن أقوم بدور الأب والأم والجدة. وتأتي الذكرى الأولى لتعيد فتح الجراح لأطفال بدأوا يعتادون على فقدان الأب، وتذكر لنا موقفا حصل مع حفيدها فتقول: «وقف محمد (۹ سنوات) مقابل صورة أبيه الشهيد» يقول لشقيقه: «في ۱۲/۲۸ ستكون الذكرى السنوية لأبي وسنذهب إلى المقبرة لزيارته ووضع الريحان والورود على قبره ونقرأ له الفاتحة»، فيرد عليه شقيقه الذي لم يتعد السادسة من عمره ليصحح له التاريخ فيقول: «لا، أبي استشهد في يوم ١٢/٢٩، واختلفا على التاريخ الحقيقي حتى احتكما إليَّ؛ فأخبرتهم بالتاريخ وطلبت منهم أن يبقى محفورا في ذاكرة كل منهما».
على كرسي متحرك
المصوّر الصحفي الجريح «مؤمن قريقع» يحاول أن ينهي معاناته بعودته إلى عمله على كرسي متحرك؛ حيث فقد هذا المبدع قدميه الاثنتين في حرب الفرقان جراء تغطيته لليوم الأول في الحرب على غزة، بعد إجرائه عمليات طبية عدة لاستعادة قدميه، إلا أنه عاد إلى غزة على كرسي متحرك بلا قدمين.
يقول قريقع: «لم أفقد الأمل في الحياة فقد كنت في كل عملية أحلم بعودة قدمي وكان أملي بالله كبيرًا»، ويصمت قليلا تسبقه تنهيدات اخترقت صمت المكان ليقول: «عندما صارحني الأطباء باستقرار الحالة وعدم عودة قدمي شكرت الله على هذه النعمة، إلا أنه انتابني خوف بأن هذه العملية قد تبعدني عن عملي وأن تتوقف أحلامي مع فقدان قدمي». ويستدرك: «لقد عدت إلى الساحة الفلسطينية على كرسي متحرك، فلم تنكسر إرادتي ونزلت الميدان، وشاركت في المسيرات وعانيت مع الجرحى، وعاشرت أهالي الأسرى، ونقلت الجرح الفلسطيني بكل صوره».
ويصمت «قريقع» ليرد على هاتفه النقال فيخبره زميله الصحفي بضرورة النزول حيث فعالية يجب تغطيتها ويعاود القول: «في الذكرى الأولى لفقدان قدمي أقول للاحتلال: مهما فعلت بنا لن تكسر إرادتنا وصمودنا، فنحن أهل غزة نملك الصبر والثبات والتحدي وخير دليل صمودنا أمام حصاركم الظالم».
الفوسفور يلتهم البيوت
استقبلتنا السيدة «أم رامز المبيض» في غرفتها التي نجت من قنابل الفوسفور الحارقة، وتجولت معنا في أرجاء البيت التي مازالت رائحة الفوسفور تزكم الأنوف فيها، والغرف تتشح بالسواد الذي صبغ الحوائط والأثاث؛ حيث أشارت إلى الدمار الذي حل ببيتها من قنابل الفوسفور المحرمة دوليا، التي أُطلقت على بيوت قطاع غزة وأتت عليها بالكامل.
وتقول: «مازالت صورة النار التي التهمت أثاث البيت وغرفه شاخصة أمام عيون أطفالي؛ حيث كنا محتمين في «بيت الدرج» من جراء تساقط القذائف على البيوت المجاورة، وبعد ساعات سقطت القذائف في بيتي؛ حيث احترق البيت في غضون ساعة فلم نستطع أن ننقذ أي قطعة ملابس أو أثاث»، موضحة أنه رغم مرور عام على معاناة الحرب التي عايشها جميع سكان القطاع إلا أنها لا تزال محفورة في الذاكرة بكل صور العذاب.
وتشير «أم رامز» إلى الغرفة التي نجت من القذائف الحارقة، وتسكن فيها الآن مع أسرتها حيث صنعت منها مطبخا وغرفة نوم، وتقول: «بعد انتهاء الحرب واحتراق البيت عشنا عامًا كاملًا مشتتين بين «كراج» الجيران والشقق المفروشة إلى أن مكثنا في بيت أهلي ما يقارب الشهرين، إلا أن الحال لم تستمر حتى قام زوجي بتصليح هذه الغرفة وتجهيزها للعيش فغطى نوافذها بالنايلون لكن البرودة الشديدة تنخر عظام أبنائي»، مشيرة إلى أنها تنتظر تحقيق حلم الإعمار التي وعدت به بعض الدول العربية أهل غزة.
تشتت وغربة
أم محمد العطار، من شمال القطاع وتحديدا من منطقة العطاطرة في «بيت لاهيًا»، جلست على ركام بيتها الذي أصبح رمادا جراء تدمير جرافات الاحتلال له أثناء اجتياحها للمنطقة؛ حيث جرفت أساسات البيت وأسقطته قطعة واحدة.
تضع «أم محمد» يدها على خدها في انتظار أي خبر يؤكد إعادة الإعمار لأهل غزة وتشيح بوجهها عن الإعلام لاعتقادها بأنه لم يحرك ساكنًا، وتخرج عن صمتها قائلة: «خرجنا إلى المدارس هربا من قصف الاحتلال العشوائي، فعدنا ووجدنا البيت قطعة واحدة بعدما تركناه طوابق متعددة، وها هو ذا عام يمضى على الحرب، وليس هناك أي تحرك على الأرض، خاصة وعود الإعمار من بعض الدول العربية التي خذلتنا، فقد تشتتت أسرتي وأصبحنا نشتاق إلى بعضنا بعضًا... وتكمل بدموع اللوعة والاشتياق أشتاق كثيرًا لأحفادي كي أجمعهم حولي، خاصة أن زوجات أبنائي تفرقن كل في اتجاه بعدما كان بيت العائلة يجمعنا وكنت أرى أحفادي يوميًا يلعبون حولي».
وتشير «أم محمد» إلى مئات الدونمات من الأراضي التي دمرتها الدبابات الصهيونية، ولم تعد صالحة للزراعة بعد حرقها بالفوسفور وحرثها من جذورها وتسترق النظر إلى البيت الذي أصبح ركاماً، فتشير إلى الوعود الكثيرة التي سمعتها من الوفود العربية والأوروبية بإعادة الإعمار لكنها لم تنفذ شيئاً على أرض الواقع. وحين طلبنا منها توصيل رسالة لمن يهمه الأمر أجهشت بالبكاء قائلة: «أريد بيتا يجمعني أنا وأسرتي تحت سقف واحد لإيقاف هذا الشتات، فقد أرهقت الإيجارات جيوب أبنائي بعدما كنا نعيش ملوكا في بيوتنا، وأتمنى أن يأتي العام القادم وقد عمرت غزة وعادت كما كانت يعمها الأمن والاستقرار السياسي».