; مقال- غزة وسط «الربيع العربي» | مجلة المجتمع

العنوان مقال- غزة وسط «الربيع العربي»

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012

مشاهدات 60

نشر في العدد 2032

نشر في الصفحة 28

السبت 22-ديسمبر-2012

لم يكن يعلم أبناء غزة ما يخبئه لهم القدر يوم الأربعاء ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٣هـ / ١٤ نوفمبر ۲۰۱۲م، حين داهمتهم حلقة جديدة من حلقات العدوان الصهيوني الوحشي المتكرر عليهم، بقصف جوي عنيف ومركز من طائرات تلقي حمم الموت والدمار، وقد جاء هذا العدوان بعيد اغتيال أحمد الجعبري»، القائد العام لـ كتائب عز الدين القسام» حماس.

ولم يكن مفاجئًا أن يغتال الكيان الصهيوني الجعبري»، ولا أن يشن العدوان الجوي الشامل على عزة إثر عملية اغتياله، لأن هذا هو نهجه على امتداد عقود من الصراع الإسرائيلي» الفلسطيني، بل اللافت للنظر هو عدم اكتفاء الكيان الصهيوني باغتيال «الجعبري»، باعتباره صيدا ثمينا لا يمكنها تفويته، وإنما علمها بأن إقدامها على عمل كهذا سيضعها في مواجهة مفتوحة مع «حماس» وكل فصائل المقاومة في الشعب الفلسطيني لما للقائد الجعبري» من مكان تنظيمي كبير في جهاز «حماس» العسكري، ويشكل اغتياله ضربة موجعة ل حماس لا تحتمل السكوت عليها أو غض الطرف عنها، ولأن مقتل «الجعبري» سيؤثر على وضع «حماس» القتالي والميداني نظرا لما يؤديه من أدوار عسكرية في صفوفها وبقياس حجم الضرر والتحدي، جاء رد «حماس» ومعها فصائل المقاومة الأخرى السريع والعنيف على الكيان الصهيوني.

عملية «عمود الغيمة التي أمر بها رئيس الحكومة الصهيونية «نتنياهو» وطاقمه خطط لها وأدارها بعناية، ولم يكن اختيار تسميتها مجرد صدفة أو ارتجال، فالعمليات الصهيونية السابقة والحالية واللاحقة لها دلالاتها المؤثرة، وهي نابعة من تصورات اليهود العقائدية التوراتية التي ينطلقون منها في شؤون حياتهم المختلفة وخاصة العسكرية فالمعركة دينية طابعها توراتي بالدرجة الأولى ومعنى عمود الغيمة - وفق الرؤية التوراتية - أن الرب (ربهم) يُنزل لهم نورًا يهديهم ويضيء لهم الطريق، وقد ردت «حماس» باللغة ذاتها فأطلقت على عملية ردها اسم حجارة السجيل».

العملية الصهيونية الحالية هي حلقة من سلسلة عمليات لها أول ولكن لا آخر لها، لارتباطها بالإستراتيجية الصهيونية البعيدة المدى، وهي لن تتوقف إلا عندما تتحرر فلسطين وتزول هذه الدولة المصطنعة ويرى المتأمل لهذه العملية أنها ترمي لأهداف قريبة تكتيكية وأخرى إستراتيجية بعيدة المدى من أهمها ما يستحوذ على عقول كل الإسرائيليين» أفرادا وقادة مدنيين وعسكريين وهو الأمن، ويدل استقراء العمليات العسكرية السابقة على قطاع غزة أنها كلها سعت لهذا المطمح، بدءا من عملية «سلامة الجليل» التي شنت على غزة عام ۱۹۸۲م، وقال «بيجن» في حينها: إنها ستؤمن السلام للجليل الأربعين سنة قادمة وتدحرجت الأمور وقتها إلى هزيمة جيش الاحتلال الذي لا يقهر في غزة وخروجه النهائي منها في ظلام ليلة ٢٥ مايو ۲۰۰۰م، ثم عملية الرصاص المصبوب في نهاية عام ۲۰۰۸ ومطلع ۲۰۰۹م التي أراد أولمرت» و«تسيبي ليفني أن يكسرا فيها إرادة غزة ومحو «حماس» من الوجود، ففشلا وثبتت «حماس» وازدادت قوة وشكيمة، وأخيرا العدوان الأخير على غزة الذي لن يجني منه الكيان الصهيوني إلا الاندحار والفشل.

معركة «نتنياهو» الأخيرة لم تشن لأهدافها الآنية وحسب، بل هي جزء من إستراتيجية صهيونية بعيدة المدى، فهي علاوة على أنها سعي حثيث نحو الهدف الإستراتيجي الأول وهو توفير الأمن للكيان الصهيوني، فإنها جزء من الإستراتيجية العسكرية البعيدة المدى التي يشن فيها الكيان حربا استباقية على «حماس» وكل قوى الشعب الفلسطيني الحية والمقاومة بحيث تتركها في حالة انكفاء واختباء دائمة ولا تدع لها الفرصة لترميم ما تتعرض له من ضربات عسكرية متتالية، وتجعلها في حالة ملاحقة دائمة لها، بحيث لا تتمكن من البناء ويبقيها في حالة عجز مستمر عن تشكيل أي تهديد كبير للكيان الصهيوني، يسهم في تعديل أو تغيير موازين القوى الراجحة على المدى البعيد لصالح الكيان.

رد مسبق:

ومع هذه الأمور الحيوية، نرى أن هذا الهجوم سعى إلى الرد المسبق على استعداد السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس للتوجه إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة لطلب التصويت على اعتماد فلسطين دولة غير عضو في المنظمة الدولية ضمن حدود ١٩٦٧م وقد نالت فلسطين تلك العضوية، وثانيها اختبار الكيان الصهيوني وأمريكا لدول الربيع العربي، وأنظمتها الجديدة عموما، ولمصر خصوصا، ومعرفة مدى استعداد هذه الدول لتحقيق شعارات الثورات العربية فيها، والتأكد من جدية مناصرتها للقضية الفلسطينية والانتصار لغزة المحاصرة، بعد أن انتفضت على الأنظمة الاستبدادية فيها.

بدأ الكيان الصهيوني عدوانه الجديد على غزة، وهو يدرك أن معادلة الصراع قد تغيرت عقب انتصار الثورات على الأنظمة الاستبدادية في العديد من البلدان العربية فيما عرف به الربيع العربي، وكانت غزة حينها تقف وحدها مكشوفة الظهر تجابه العدوان الصهيوني الغاشم في الحروب السابقة، ويتآمر عليها بعض بني جلدتها. وهي تجد نفسها اليوم في موقف الأقوى محمية الظهر محاطة برعاية ومؤازرة دول الربيع العربي عبر عنه رئيس مجلس الشعب المصري د. سعد الكتاتني بين أبناء غزة يوم الإثنين ۲۰۱۲/۱۱/۱۹م بقوله: إن مصر لم تعد كنزا إستراتيجيا لكم (يقصد «إسرائيل»)، بل أصبحت مصر الثورة كنزا إستراتيجيا للشعب الفلسطيني.

وفود عربية:

ثم توالت الوفود العربية المؤازرة لها والمتحدية للاحتلال الصهيوني، ليتم بعد بيان رئيس الوزراء المصري د. هشام قنديل يوم الجمعة ٢ المحرم ١٤٣٤هـ / ٢٠١٢/١١/١٦م. بأنه يتكلم باسم الشعب المصري، ليتبعها بعد ذلك وفد وزاري عربي يضم مجموعة من وزراء الخارجية العرب برئاسة الأمين العام للجامعة العربية، وبمعية وزير الخارجية التركي الذي ترمز زيارته لغزة للخلافة العثمانية ورايتها المنافحة عن فلسطين، ثم تتالت على زيارة غزة وفود عربية أخرى، وكلها تؤكد لها: لست وحدك اليوم، بل الأمة معك ومن ورائك، وتطبق عمليا مبدأ النصرة الذي حث عليه النبي الكريم في الحديث الشريف: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذله، وإن أول الغيث قطر، ثم ينهمل المطر!

وعندما تقوم مصر بكل ما تمت مشاهدته من نصرة للشعب الفلسطيني في غزة في ضوء قيود كونها لم تلتقط أنفاسها بعد، لأنها مثقلة بقيود البنك الدولي والاتفاقات الثنائية مع «إسرائيل» ومنظومة المساعدات الأمريكية وما يقال عن مصر يندرج على كل دول الربيع العربي من تونس إلى المغرب إلى ليبيا مضافا لها تركيا وكل المتعاطفين مع غزة!! لأن ثمار الربيع العربي لم تقطف بعد، وتوجد لكل من هذه الدول ظروفها الضاغطة عليها في لعبة الموازنات الإقليمية والدولية.

قراءة استراتيجية:

وشهادة يقولها العدو قبل الصديق أن «حماس» ما زالت تظهر من الحكمة والقراءة الإستراتيجية الواعية لما يجري ما يدعو للانبهار، حيث إنها - بحق - لم تضع ساعة من وقتها منذ عدوان الرصاص المصبوب قبل أربع سنوات تقريبا، في الثرثرة والمماحكات والدسائس بل واصلت تحصين مواقعها وتسليح وتدريب كوادرها والاستفادة من أخطائها، واستيعاب دروس حرب ۲۰۰۸م بعد أن توهم أولمرت»، و«باراك»، و«ليفني» أنها ستكون الحرب الأخيرة التي ستجلب له إسرائيل ولجنوبها تحديدا الهدوء لأربعين عاما مقبلة.

ومع أن غزة قدمت تحت راية الحرية والجهاد ١٦٢ شهيدا وأكثر من ۱۲۰۰ جريح لكنها أفزعت العدو وأطلقت على مدنه أكثر من ۱۵۰۰ صاروخ من كافة الأنواع، وأدخلت الرعب في قلوب كل رعاديد بني صهيون أكثر من مليونين من اليهود في كل مدن ومناطق فلسطين المحتلة على الاختباء في الملاجئ وحشرتهم في دهاليز خوفهم طوال أيام الحرب الثمانية، وخسر الاقتصاد اليهودي أكثر من ۲۵۰ مليون دولار في هذه المدة القصيرة فكيف لو امتدت بهم الأزمة أكثر من ذلك؟! أما غزة ومعها كل أحرار فلسطين، فلم تذرف إلا دموع الفرحة بما تجنيه من ثمار الصبر والنجاح والنصر على العدو الصهيوني بعد أن أجبرت هذا العدو على طلب وقف إطلاق الصواريخ، والقبول بشروط رجال المقاومة الباسلة، ووقع الاتفاق برعاية مصر الربيع العربي».

توازن نوعي:

ووقعت الهدنة دون ربطها بأي سقف زمني كما طلب نتنياهو ووزير خارجيته، ثم ربط الهدنة بفتح المعابر المؤدية لغزة لإدخال المواد إليها، وتسهيل حركة التعامل التجاري معها.

والأهم ما ذكره فوزي برهوم لوسائل الإعلام في صباح اليوم التالي لتوقيع الهدنة يوم ۲۰۱۲/۱۱/۲۲م عندما قال: لقد فرضت المقاومة معادلة التوازن النوعي مع العدو ويقصد بذلك الصواريخ التي قصفت كل مدن الكيان الصهيوني كتل أبيب (M٧٥) النوعية انتهت عملية عمود الغيمة المجنونة بالفشل، وجلب «نتنياهو» وحكومته لنفسه الهزيمة العسكرية التي قد تجره للهزيمة السياسية في الانتخابات «الإسرائيلية» المقبلة، وهي على الأبواب. وقد عبر الشارع الصهيوني تذمرًا وسخطا واضحين من النتائج التي جلبتها لهم عملية عمود الغيمة دون أن تجلب لهم الأمن والأمان، لذلك بات الصهاينة على قناعة من أن التفوق العسكري النوعي والحماية الغربية والأمريكية، لا تفيدهم شيئا في ساحة المنازلة الأبدية مع أبناء فلسطين الأحرار الذين لم ولن يتنازلوا أو يفرطوا بوطنهم فلسطين، ولن يتخلوا عن عودتهم إليه ولو تطاولت السنين والأعوام، مع حرصهم على الاستمرار في قطف المزيد من ثمار الربيع العربي»، وما هو قادم من الأيام سيحمل كل المفاجآت!

(*) مدير عام مركز الكلمة للدراسات الاستراتيجية

الرابط المختصر :