; غزوة بدر | مجلة المجتمع

العنوان غزوة بدر

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005

مشاهدات 65

نشر في العدد 1674

نشر في الصفحة 46

السبت 22-أكتوبر-2005

  • أدوار القتال فيها موعظة خالدة تتجدد ذكراها ما بقي في الدنيا قتال بين الحق والباطل.

  • كانت بداية رائعة لحياة العزة الإسلامية لأن حق المسلمين يعتمد على القوة بجوار الدعوة.

في هذا الشهر المبارك - شهر رمضان المعظم - تطالعنا ذكرى غزوة بدر الكبرى، ففي اليوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة الشريفة، وقعت هذه الغزوة وكانت قوة المسلمين فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلًا، ليس معهم إلا سلاح خفيف، سبعون بعيرًا وفرسان، وقد خرجوا للاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام لا للقتال.

وكان جيش المشركين تسعمائة وخمسين وغيرهم سبعمائة بعير ومائة فرس، وسلاح كثير، فالقوتان غير متعادلتين، والموازنة بينهما لا تجوز في دنيا الحرب والقتال، والتقت القوتان بماء بدر، ورأي المسلمون جيش عدوهم فلجؤوا إلى الله عز وجل واستغاثوه وألقوا بأمرهم إليه.

فاستجاب لهم وأمدهم بالملائكة ثبتوهم وقاتلوا معهم، ونصرهم الله على عدوهم نصرًا عزيزًا ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)﴾ (الأنفال 9-10).

والذي يطالع أنباء موقعة بدر ويستعرض مقدماتها ونتائجها يدرك أن لها منزلة خاصة، ويدرك أن التاريخ أودع في فصولها سرًا تكتنفه الهيبة، وجعل من أدوار القتال فيها موعظة خالدة لا تفتأ تتجدد ذكراها ما بقي في الدنيا قتال بين الحق والباطل، وصراع بين الظلام والنور!.

وما ظنك بموقعة يكون مصيرها هو الفاصل في عبادة الله على هذه الأرض.. هل ستبقى أم ستفنى؟

ويشعر قائد المعركة بهذه الحقيقة الحاسمة فيلجأ إلى الله مستنجزًا وعده «لما كان يوم بدر نظر الرسول إلى المشركين وهم نحو الألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ثم استقبل القبلة ومد يده وجعل يهتف: اللهم أنجز لي ما وعدتني.. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» وما يزال يهتف بربه مادًا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وحتى نزل الوحي مطمئنًا : ﴿‌سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45] .

وما ظنك بموقعة تكون الخصومة فيها في الله، ويكون القتال فيها بداية لسلسلة من المعارك يحتدم النزاع فيها بين الحق والباطل؟ هذه السلسلة من المعارك التي خاضها المسلمون –من بعد- في فارس والرم لا تحسب الصلة بينها وبين بدر مقطوعة، إنها صلة النسب بين الأصل ونتائجه، فكأن أول سيف شهر في بدر إيذان بابتداء النضال المسلح بين الباطل والحق، كلما انتهت معركة قامت أختها.

القدر يمهد للموقعة ويفرضها

لقد فُرضت الموقعة على المسلمين فرضًا، وفوجئوا على غير استعداد بتحدي صناديد قريش وأبطالها لهم، ولم يكن بد من قبول هذا التحدي، وواجه النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بما يتطلبه من إيمان وثقة، غير أن كثيرًا من المسلمين حاول التملص، إذ كيف يواجه هذا العدو الذي لم يستعد له؟! ﴿‌كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)﴾ [الأنفال: 5-6] . ولكن القدر كان يدفع الأمور إلى مجراها الذي أعده إعدادًا محكمًا، فها هو ذا جمع بين الفريقين على غير موعد ﴿‌وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 42]. وها هو ذا يغري كليهما بالآخر ويجعله يرى عدده ضئيلًا قليلًا: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: 44]. وها هو ذا يبعث الشيطان لينفخ روح الغرور في أتباعه وليصبح بيتهم﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ (الأنفال: 48).

وهناك في المعسكر الآخر تتطور الأمور كذلك بسرعة عجيبة، فقد قام المهاجرون يتبايعون على الموت: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24).. ولكننا نقاتل عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلفك، وكان في وسع الأنصار أن يتحللوا من هذه المعركة فإنهم إنما عاهدوا الرسول على حمايته في بلدهم ومنعته مادام بينهم، فإذا خرج في حرب هجومية فليس له عليهم سبيل، ولكن الأنصار لم يتحللوا وإذا زعيمهم سعد بن معاد يقول: يا رسول الله. قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا على السمع والطاعة، فامش لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته الخضناه معك، ما يتخلف منا أحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا وعدوك، إنا لصُبر عند الحرب صُدق عند اللقاء، ولعل الله عز وجل أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله.

سلاح الإيمان

فما الذي حمل هؤلاء الأصحاب على أن يقفوا هذا الموقف مع أن جو المعركة وجوانبها المادية تجعل أشد الناس تفاؤلًا ينظر إلى آثارها من خلال غيوم سود ؟!

إنه الإيمان بالله الذي يضع أمر الله ورسوله في جانب، والدنيا كلها في جانب آخر، وإنه التسليم لله ورسوله مهما حذر العقل ونهت ظواهر الأشياء، وإنها الثقة التي لا تجادل في أن الموت في الله شرف لا يقل عن شرف النصر على الناس، وهيهات لمن يحمل هذه المبادئ أن يُذل أو يُهزم أو يكون بعيدًا عن تأييد الله ونصره.

وهكذا محت موجة الإيمان كافة عوامل التردد، وجاءت الساعة الرهيبة، ودار القتال ومشى ملك الموت بدماء الطائفة التي أذت الله ورسوله ووطئت أقدام المسلمين خدودًا وجباهًا طالما استكبرت أن تسجد لله رب العالمين.

يقول شاهد عيان لأبي لهب يخبره بما كان: « لا تسئ يا عماه، ما كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا .. لقينا رجالًا لا يتلقاهم شيء ولا يقوم لهم شيء .. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 17).

أسباب النصر

وللنصر في كل حرب أسباب فعالة واختيار الوقت والمكان المناسب للمعركة مثل الإعداد والتدريب وتوفير السلاح، وتوفير عنصر المفاجأة... إلى غير ذلك من الأسباب، ولابد للمسلمين أن يأخذوا بهذه الأسباب جميعاً لأنها سنة الله في كونه، وناموس من نواميس الحياة والأخذ بالأسباب من صميم التوكل على الله.

وهناك أسباب للنصر لا يد للبشر فيها فللحالة الجوية دخل عميق في تصريف المعارك، وقد شاهدنا كيف يوقف البرد والثلج زحف الجيوش، وكيف توقف السحب هجوم الطائرات وكيف يؤثر هذا وذاك في النهاية الحاسمة، وكذلك الإيمان الذي يملأ القلوب بالله والثقة في وعده، والإصرار والعناد من أسباب النصر، وحالة الجو بيد الله وحده وحالة القلوب كذلك بين أصابع الرحمن، وأخيرا قدرته ومشيئته ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126).

كان موقف المسلمين في المدينة بحاجة إلى تدعيم بعد ما تكاثرت فتن اليهود ودسائس المنافقين. وماذا عسى يصنع المهاجرون الغرباء عن وطنهم، والأنصار الغرباء بعقيدتهم، بين جماهير المشركين المتألبة عليهم؟ لذلك جاءت موقعة بدر وجاء النصر فيها، مكافأة رائعة لقوم ظلوا بضعة عشر عاماً مؤمنين صابرين، وعقاباً مريراً لقوم أبطرهم الطغيان وأغراهم بالعدوان ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123).

منطق القوة

لقد كانت غزوة بدر بداية رائعة لحياة العزة الإسلامية، لأن حق المسلمين ابتداء يعتمد على «القوة» بجوار «الدعوة».. وكلما تأملت بطء انتشار الدعوة الإسلامية قبل بدر وسرعتها بعدها، أيقنت أن يوماً واحداً يعمل فيه المسلمون عملاً إيجابياً لدينهم يؤثر في حياتهم أضعاف ما تؤثره الدعوات الكلامية.

مكث المسلمون ثلاث عشرة سنة يدعون إلى الله ويتكلمون ويجادلون، فلم يظفروا بأملهم العظيم، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين لله، بل كانوا مستذلين مستضعفين، حتى كان يوم بدر، ورفع المسلم سيفه، وتكلم به في رقاب الكفار كلاماً بليغاً فهمه الحمقى والأذكياء، وعقله المنصفون والمتغطرسون المتجبرون في الأرض على السواء واستمعوا له فرادي وجماعات بدؤوا يتأملون، فإذا هو رجل مكتمل القوى الروحية والجسدية معاً!.

هذه هي العبرة التي يجب أن يفهمها المسلمون من «موقعة بدر» خصوصًا أن هذه الذكرى تطالعنا وأرض فلسطين العربية مدنسة باحتلال الصهيونيين والمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، ومسرى رسول الله ﷺ مازال أسيراً في قبضة اليهود يدنسونه بدخول العاهرات والراقصات ويحفرون أساسه، تمهيداً لهدمه وتشييد هيكل سليمان على أنقاضه.

لقد تكلم العرب كثيراً كلاماً جميلاً عن حقهم في فلسطين والمسجد الأقصى، ومدوا أيديهم بأغصان الزيتون طلباً للسلام، ولكن الصهاينة المتغطرسون لم يعيروا كلامهم التفاتاً، ولم يستجيبوا لنداء السلام، وظهر للعالم أجمع أنهم يريدون الأرض والمزيد من الأرض حتى يستكملوا دولتهم «من النيل إلى الفرات»!

فمتى يتكلم المسلمون «بمنطق بدر» ليفهم المنصفون والمتغطرسون، وليستردوا وطنهم المسلوب وحقهم المغصوب ؟! إن الحق الضعيف خفي لا يظهر، أما الحق القوي فسلطان لا يقهر، على المسلمين أن يأخذوا بأسباب النصر فيعدوا ما استطاعوا من قوة، ويضعوا الخطط ويجمعوا السلاح.. ولكن إياكم أن تنسوا أن العبرة باليد التي تحمل السلاح، ولن يكون السلام فعالاً بتاراً إلا إذا حملته الأيدي المتوضئة، والقلوب العامرة بالإيمان بالله، والثقة في نصره.

عليكم أيها المسلمون بسلاح الإيمان، فهو السلاح الوحيد الذي لا يوجد في ترسانة الغرب أو الشرق، والإسلام هو الإسلام، يخرج الرجال ويصنع الأبطال في كل زمان ومكان، وما على المسلمين إلا أن يلجؤوا إلى الله، ويملؤوا قلوبهم بالإيمان به والثقة في وعده، ويحكموا شريعته في كل أمورهم، ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا .. ولهم عندئذ أن ينتظروا نصره وتأييده، فلن يخلف الله وعده. ومن أوفى بعهده من الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47).

الرابط المختصر :