; غش + غش – خراب وضياع | مجلة المجتمع

العنوان غش + غش – خراب وضياع

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2012

مشاهدات 59

نشر في العدد 2007

نشر في الصفحة 27

السبت 16-يونيو-2012

الغش مرض خبيث، إذا أصيبت به امة قضى على ذمتها ووحدتها ومقوماتها وحضارتها، فهو ضعف في العزيمة وفي القوة العقلية والبدنية واستئصال للأمانة والشرف، والغش نوع من الخيانة والدغل والتمويه والخرق، يطمع الناس في غير مطمع، ويرفعهم في غير مرفع، فهو إذا أخو السراب والبرق الخلب، لا ماء ولا ضياء، وهو كذلك جدب بواد غير ذي زرع، يا ويح مقترفيه ويا خراب فاعليه، وقد يتعدى هذا في بعض الأمم إلى الموجهين فيها فتكون الطامة الكبرى والداهية العظمى.

ولهذا حذر الإسلام منه ونفى الإيمان عن مقترفيه، فقال : من غشنا فليس منا ، ثم رتب الإسلام عليه العقوبة، وكذلك القوانين والأعراف، حتى لا تنحدر الأفراد وتنزلق إلى هذا المستنقع الخطير.

ويقول : ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله تعالى عليه الجنة»، وفي رواية يبيت ليلة سوداء غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»، هذه التعاليم الحاسمة تفرض على الفرد أن يكون ناصحا لأخيه دالا  له على الخير، ناصحا لأمته؛ يعمل لخيرها وبرها في كل موطن وزمان، ويفرض على أصحاب الرأي والتوجيه الإخلاص في القول والعمل ورغم أن ديننا وتعاليمنا وتقاليدنا تحذر من الغش والخداع وعدم الإخلاص، نجد أن هذا الداء قد وصل إلى نخاع الأمة من الفرد إلى القمة، ومن الحياة اليومية إلى المؤسسات الرسمية، وهذا شيء يجب الالتفات إليه ومعالجته؛ إذا أردنا بناء أمة تحظى بالاحترام والتقدير وتستطيع أن تأخذ طريقها إلى التقدم والريادة، كما ينبغي أن يكون للناس مثل يقتدون بهم في هذا الأمر، حتى تجدي الكلمة وينفع التوجيه، وتصح التربية ويجب أن يكون أصحاب التوجيه على درجة من النقاء والتجرد والشفافية تدفع إلى الاقتداء بهم، فلا تزور مثلا الانتخابات من القاعدة إلى القمة، ولا تخاطب الناس بغير الحقائق، ولا تقول ما لا تفعل، أو تعد الأمم بالكثير ولا ترى حتى القليل. والأمثلة في هذا المضمار مخجلة وفاضحة وإذا تجاوزنا ذلك إلى القمة نجد البلاء طوفانا فهذه مثلا اجتماعات على أكثر من مستوى وقراراتها كثيرة تداعب أحلام الأمة ثم تصيبها بالإحباط والغثيان، وهذه التصريحات والوعود التي يتشبث بها الناس كالغريق الذي تهالكت قواه، ثم إذا بهم يكتشفون أنهم وقعوا في الهاوية التي ليس لها من دون الله كاشفة، وهذه الأحزاب والمنظمات التي أنشئت وظهرت للوجود، وهلل الناس لها وكبروا فرحا وسروراً، فإذا بها سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.. عشرات الاتحادات، اتحادات المشرق التي هلكت وتوفاها الله تعالى. شيء يدعو إلى العجب والإحباط والرثاء ويسأل الإنسان نفسه ولم هذا العبث وهذا الخداع والغش للأمم والأفراد والشعوب ؟! ولنضرب لذلك مثلاً، والأمثلة كثيرة، فمثلا تكمن خطورة الغش في الحياة الاجتماعية والسياسية في أنه غش للمجتمع، بل غش للأمة فهو أخطر من غش صاحب طعام وضع الرديء أسفل العلبة، أو أخفي عيب سلعة؛ لأن من فعل ذلك فقد غش شخصا واحدا، ومن غش في الاختيار وللرياسة مثلا فقد غش الأمة ولتتصور عظم ذلك في الأعمال.

تخيل لو أن طالبا غش في دراسته للهندسة المعمارية، ثم تسنّى له أن يُخطط بيتاً، أو قصراً وعمارة، كيف يكون حال تلك المباني التي شيدت على شفا جرف هار؟! وتخيل أن طالبا غش في دراسته للطب البشري، كيف يكون حال المرضى؟

يُذكر أن أستاذاً في كلية الطب سأل أحد تلاميذه عن حقنَة مُعيّنة تعطى المرض معين فقال الطالب: يعطى المريض بنسبة خمسة في المائة، ثم تذكر الطالب بعد قليل، فقال: عفواً، خمسة في الألف!

فقال الأستاذ : بينما تصحح تفكيرك يكون المريض قد مات فما بالكم لو نجح الطالب في غير مادة عن طريق الغش ؟ أليس يكون غاشا للأمة جمعاء؟!

ولا شك أن غش الأمة أعظم من غش شخص واحد، وقد قال : « من غش فليس مني » (رواه مسلم)، وسبب وُرُود الحديث أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا ، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ » قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس مني».

كما أن العدالة صفة كامنة في النفس توجب على الإنسان اجتناب الكبائر والصغائر والتعفف عن بعض المباحات الخارمة للمروءة وهي مجموعة صفات اخلاقية من التقوى والورع والصدق والأمانة والعدل ورعاية الآداب الاجتماعية ومراعاة كل ما أوجبت الشريعة الالتزام به.

وبناء على هذا الشرط فلا يجوز تولية الفاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة، قال القاضي عياض: ولا تنعقد لفاسق ابتداء وعن ابن مسعود رضي الله قال : قال لنا رسول الله : «إنكم سترون بعدي أثرة»، وذكر مثله الحافظ في الفتح تولية الفاسق، هذا وقال القرطبي: ولا خلاف بين الأمة في أنه لا يجوز أن تعقد الخلافة لفاسق، ولا الإمامة كما تمنع من استدامتها، ومن الأدلة على اشتراط هذا الشرط ما يلي: ما ورد في قصة إبراهيم عليه السلام حينما قال له ربه: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢) (البقرة)، عن مجاهد : أنه أراد أن الظالم لا يكون إماماً ..»، ومن الأدلة على اشتراط هذا الشرط ما ورد في قصة إبراهيم السابقة، وقال الفخر الرازي: احتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامه بهذه الآية: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢) ، والغشاشون يظلمون الأمة كل وقت إلى الآن، من ذلك ما تندر به بيرموالتونسي في الأزمنة العجاف فقال: الأكل والشرب في إيد عصبجية والطماعين اللي غلوا الملح والميه والغشاشين اللي فاقوا على الحرامية الشاي بالمفتشر مخلوط ملوخية والبن فيه الشعير تسعين في الميه والميه والعيش برملة وطينة يا ملوخية واللحم معروض بدون أختام رسمية والميه هيه اللبن ولا اللبن هيه أفاعي متسيبة من غير رفاعية ودنيا مترتبة ترتيب فلاتية وعندما يكون التدمير رسالة، والإبادة حرفة، والخراب أسلوب حياة، يصبح على الدنيا العفاء، وعندما تصبح أرواح الناس لعبة، وإسالة الدماء هواية، ونهب ثروات الأمم ومقدراتها سياسة مشروعة ومستباحة، واستعباد الشعوب واتهامها وتجريمها بغير جريرة، أمراً تابعاً للأمزجة والأهواء، لا بد أن تقع الواقعة وتحل القارعة التي تندك منها الجبال وتنخلع لها الأكباد ، نسأل الله السلامة.. آمين.

الرابط المختصر :