العنوان غضب بالريموت كونترول!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1354
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-يونيو-1999
كان يوم الغضب الذي دعت إليه السلطة الفلسطينية في الأرض المحتلة احتجاجًا على استمرار سياسة الاستيطان الصهيوني فاشلًا، فالتفاعل كان باهتًا والمظاهرات كانت متناثرة وفي قرى محدودة، ولم تحدث مواجهات «مبرمجة» بالطريقة التي كانت تريدها السلطة، وباختصار، لم يتناسب الفعل الفلسطيني والاحتجاجات الشعبية مع الجرائم الصهيونية التي انفجر الغضب لأجلها.
أخطأت سلطة عرفات حين تعاملت مع شعبها كأنهم «روبوت» أو إنسان آلي يمكن التحكم به بالريموت كونترول، فالغضب ضد العنجهية اليهودية وسياسات الاستيطان الصهيونية لا يمكن تحشيده وتصعيده ثم تنفيسه بقرار من السلطة، كما لا يمكن تحديد بدايته ونهايته بالطريقة ذاتها، وكان عدم تجاوب الفلسطينيين مع دعوة السلطة لتأجيج يوم غضب ضد الاستيطان موضوع نقاش داخل المجلس الثوري لحركة فتح الذي اجتمع في رام الله لتقييم الموقف، واعتبره بعض أعضاء المجلس موقفًا شعبيًا من السلطة وليس من حركة الاستيطان، فالفلسطينيون لم يعودوا يثقون بسلطة تريد استغلال مشاعرهم لخدمة مصالحها التفاوضية الضيقة، وعلى حد قول أحدهم فإن الجماهير «لا يمكن أن تتعاون وتتجاوب مع سلطة نخرها الفساد تتأمر مع إسرائيل بالليل وتطلب من شعبها النزول إلى الشارع ضد إسرائيل في النهار».
سياسة الاستيطان اليهودية مستمرة ومتصاعدة منذ اليوم الأول لاحتلال الأرض الفلسطينية ولم تتوقف مع تباشير عهد التسوية بل إنها ازدادت أكثر منذ توقيع اتفاق أوسلو ووصلت إلى ذروتها بعد اتفاق واي ريفر حيث أقام المستوطنون اليهود أكثر من عشرين مستعمرة ونقطة استيطانية خلال الشهور الثمانية الماضية، فاتفاق أوسلو الذي نص على فترة انتقالية للحكم الذاتي الفلسطيني مدتها خمس سنوات قبل التفاوض على الوضع النهائي للقدس والمستوطنات اليهودية كان فرصة ثمينة للإسرائيليين لكي يبتلعوا ما شاءوا من الأرض الفلسطينية المحتلة لفرض أمر واقع لم يكن موجودًا ساعة توقيع الاتفاق.
ويتقاسم الليكود والعمل الأدوار في هذا الجانب، فلم يتوقف بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي مع تبدل الحكومات الصهيونية، بل إن نتنياهو جاء ليكمل مشاريع الاستيطان التي بدأها رابين، وقد أعلن باراك أنه لن يوقف ما شرعت حكومة نتنياهو ببنائه من مستوطنات في الضفة الغربية لكنه لن يوافق على مشاريع استيطانية جديدة، وقبيل تسليم الحكم لباراك أقر نتنياهو ميزانية إضافية قدرها ۱۲ مليون دولار المشاريع الاستيطان المختلفة.
ولم يختلف باراك في عنجهيته عن سلفه نتنياهو حيث حذر عرفات بعد يوم الغضب من أنه لن ينفذ اتفاق واي ريفر إذا لم يلتزم الفلسطينيون بالهدوء وينسجم باراك في موقفه هذا مع برنامجه المعلن كما أنه لا يخرج عن الخطوط العريضة التي وضعها لحكومته الائتلافية القادمة والتي تستند، وفق وثيقة جديدة نشرتها الصحف الإسرائيلية إلى عدد من المرتكزات التي أهمها:
ترتكز اتفاقات السلام مع الفلسطينيين والأطراف العربية الأخرى على المصالح الأمنية الحيوية للدولة اليهودية.
العمل على تسريع عملية السلام نحو الاتفاق النهائي مع الفلسطينيين والذي سيخضع لاستفتاء عام «ويعني هذا أن الطرف الإسرائيلي سيحمل السلطة الفلسطينية على تجاوز بنود اتفاق واي ريفر التي لم تنفذها حكومة نتنياهو وعلى الشروع في مفاوضات الوضع النهائي دون أن تكمل قوات الاحتلال إعادة نشر قواتها في الضفة وفق الجدول الموضوع».
القدس ستظل عاصمة دولة إسرائيل.
لن يتم بناء مستوطنات جديدة إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق حول الوضع النهائي لها، كما أن الوضع الحالي للمستوطنات لن يطرأ عليه تغيير، وستعمل الحكومة الإسرائيلية على تلبية متطلبات المستوطنات القائمة، وهو ما يعني أن حكومة باراك ستواصل دعم عمليات الاستيطان الحالية دون توقف.
وهكذا تواصل السلطة الفلسطينية تلقي الضربات دون أن يبدر منها ما يشير إلى أنها بدأت تستوعب الوضع الإسرائيلي القائم ويعكس ما أشارت إليه نتيجة الانتخابات، فإن باراك لم يحصل إلا على ٤٨٪ فقط من أصوات اليهود مقابل ٥٢٪ حصل عليها نتنياهو، ويعني ذلك أن باراك فاز بفضل الأصوات العربية لا اليهودية حيث إن حوالي ٩٥٪ من أصوات العرب (حوالي نصف مليون ناخب ذهبت لباراك، كما أن الأحزاب الدينية الإسرائيلية كسبت ۲۷ مقعدًا في الكنيست مقابل ٢٥ مقعدًا حصلت عليها في انتخابات عام ١٩٩٦.
ومع ذلك، لم تكتمل فرحة السلطة الفلسطينية بفوز باراك واليسار الإسرائيلي بسبب مسارعة باراك إلى لجم هذه الفرحة ووأدها في مهدها بعد سلسلة التصريحات والمواقف التي أعلنها من المسائل المتعلقة بعملية التسوية مع الفلسطينيين، وقد وضع ذلك السلطة في موقف حرج، فمن ناحية خاب أملها في الشريك الذي سوقته طويلًا بين الفلسطينيين وشجعت فلسطينيي ١٩٤٨م على انتخابه، وهي من ناحية أخرى تدرك مقدار عجزها عن تجميع الفلسطينيين حولها لدعم موقفها واستعادة شعبيتها وهو ما حدث في يوم الغضب!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل