العنوان غورباتشوف.. الشاهد رقم واحد على إخفاقات الماركسية
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1989
مشاهدات 57
نشر في العدد 929
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-أغسطس-1989
* الماركسية كنظرية فقدت مصداقيتها في التعامل مع الإنسان.. فقد شهد
المعسكر الاشتراكي عدة انتفاضات ضد فرضياتها غير أن استبدادية الأحزاب الشيوعية
قمعت تلك الانتفاضات.
* غورباتشوف ليس أصيلًا في دعوته لإعادة البناء فقد سبقه خورتشوف ودوبشك
ولين بياو في الصين غير أن ظروفًا قهرية أفشلت محاولاتهم الإصلاحية.
البيروستوريكا والتطورات السياسية في
المعسكر الشيوعي صنوان تزامنا وجودًا وانفعالًا، البيروستوريكا «إعادة البناء»
دعوة سياسية صاغها غورباتشوف الزعيم السوفياتي كنظرية تقنن الخروج على حتميات
الجدلية الماركسية... والتطورات السياسية خرجت على المألوف السياسي في قاموس
حكومات العمال التي عاشت تحت مسمى دكتاتورية البولورتاريا «الصعاليك» وبدت فورة
التطورات أكبر من كل تصور تطلع له أعداء وأصدقاء الاشتراكية وأنظمتها في العالم...
غير أن تساؤلا يفرض نفسه «هكذا» باحثًا عن سر العلاقة بين «نظرية» غورباتشوف
البيروستوريكا وبين تهدم الستار الحديدي وخروج الأصوات المكبوتة من قمم «جنة
العمال»!! وفي الإجابة على ذلك تكمن ملامح الحلقة المفرغة في النظام الاشتراكي
بصفة عامة... فالبيروستوريكا لا تعدو أن تحسب فعليًا في إطار استقرار واقع قائم
رفضت استبدادية الحزب الشيوعي في البلدان الاشتراكية أن تلقي له ببعض
اهتماماتها... بل وأكثر من ذلك إذ إنها حاربت كل دعوة تريد أن تلفت إليه الأنظار
وفي بعض اللمحات التاريخية ترى مصداق ذلك بدءًا بثورة المجر وانتفاضة ألكسندر
دوبشك سنة 1968 حاكم تشيكوسلوفاكيا وزعيم حزبها الشيوعي ثم انتفاضة عمال بولندا
وإن شئت انظر لأخبار الهروب المستحيل الذي يمارسه سكان برلين الشرقية هربًا من
«جنة الاشتراكية» والذي يشكل استفتاء حقيقيًا فوق مستوى التزوير وعلى كل الأصعدة.
المهم أن البيروستوريكا جسدت بعض احتجاجات
الحس الإنساني الذي استعصى أمام حركة التذويب الكلي في «محلولات» الدجل الماركسي
وللمعلومية فإن فكرة إعادة البناء «البيروستوريكا» والنقد الذاتي ليست بدعا
غورباتشوفيا خالصا فقد سبق وأن حاول نيكتا خورتشوف في مطلع الستينات أن يقوم بها
غير أنه فشل أو بالأحرى أفشل مشروعه وكان لعنصر الزمن أكبر الأثر في عدم محالفة
النصر له... إضافة إلى أن الاتحاد السوفياتي يومها كان تحت تأثير النشوة بالنصر
بعد أن حقق معدلات عالية في مجال تسابق التسلح والتصنيع الذري وهو ما لم يخالط
مشروع غورباتشوف ويمكن بذلك أن تحرر براءة غورباتشوف من الاتهام بإثارة الزعزعة في
الدول الاشتراكية.
فالواقع وحده هو الذي فرض صياغة
البيروستوريكا «النظرية» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لتقنين الاشتراكية والتي لم يعد
أحد ينعتها بالعلمية حتى لا ترمى في مزبلة التاريخ... وفي الوقت نفسه تصبح حافزًا
عمليًا على صياغة الأوضاع السياسية والإدارية في ضوء الحقائق الموضوعية وليست في
ضوء التسلط البيروقراطي الذي خلفته سوءات الإدارة الحزبية فالبيورستوريكا ربما
آلمها الظلم الذي يقع على الإنسان باسم البناء الجماعي في المزارع والحشر النكد
الذي تتكدس فيه الأجسام في المساكن والأجواء الخانقة التي يتعاطاها الفكر
والمحورية الضيقة التي ما عادت توفر الاحتياطات الأساسية... وربما كان عامل الخوف
من الانقضاض على منجزات الاشتراكية المتواضعة في بيانات المواطنين دافعًا مشاركًا
من أجل إيجاد حلول تحفظ للدولة الاشتراكية الأولى بعض وجودها... ولهذا دعت لنظام
الحوافز وأقرت حقوق الإنسان في الاحتجاج فانتفض العمال يمارسون بعض حقوقهم خارج
إطار الحزب الذي أصبح «بورجوازيًا» فأضرب مائة ألف عامل في سيبيريا وانطلقت القوى
القومية والوطنية تطالب بحقوقها والتعبير عن ثقافتها واعترفت أكثر دول المعسكر
الشيوعي بحق التدين وتراجعت عن مفهوم «الدين أفيون» بعد أن روجت له كثيرًا.. وما
زال الاضطراب يمثل القاسم المشترك بين دول المعسكر الشيوعي على مدى السنوات الخمس
الماضية.
كلما انطلقت في الاتحاد السوفياتي دعاوى
التعبير عن الحقوق لكثير من القوميات والفئات فقد انطلقت الأصوات في يوغسلافيا
ورومانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا تطالب بالحرية ففي بولندا أسقط العمال «نقابة
التضامن» الحزب الشيوعي في الانتخابات وأصبح مصير الحكومة «الشيوعية» معلقًا بقرار
نقابة التضامن... وفي المجر «هنغاريا» استجابت الحكومة إلى التعددية السياسية
وسمحت بالمشاركة في القيادة السياسية لغير الشيوعيين وحتى الصين شاركت هي الأخرى
في التطورات ولولا النكسة التراجعية التي لجأت لها قيادة هيساوبنغ لكانت دولة
الصين الشعبية أول دولة اشتراكية تتخلص من قناعها المستعار- بالرغم من قناعتنا
بأن تجربة الصين كان فيها إبداع وذاتية أوفر من كل التجارب الاشتراكية
الأخرى- وعليه فإن قراءة سريعة لمعطيات الواقع السياسي تنبئ بإن البيروستوريكا
«النظرية» ليست إلا مرحلة وسيطة لن تصمد طويلًا أما تيار التغيير الجارف الذي لن
يجعل لنبوءات الماركسية وحتمياتها أي وجود تاريخي في المستقبل القريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل