العنوان غورباتشوف.. ماذا فعل في أفغانستان.. وماذا يريد؟
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 778
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 05-أغسطس-1986
أعلن غورباتشوف الذي كان يتحدث في فلاديفوستوك مركز المقاطعة المجاورة للصين إنه سوف يسحب ستة أفواج من القوات السوفييتية المتواجدة في أفغانستان قبل نهاية العام الجاري.
لا شك أن هذا التصريح في زمان كهذا وهو تزامن مع بدء المحادثات التي تجري تحت إشراف الأمم المتحدة وفي مكان كهذا وهو «فلاديفوستوك» مركز المقاطعة المجاورة للصين لا يخلو عن مكر وخداع سياسيين سواء بالنسبة للرأي العام العالمي بالنسبة لقضية أفغانستان أو بالنسبة للاختلاف السياسي الموجود بين الصين والاتحاد السوفييتي وهو الاختلاف الذي بشكل أحد جذوره الغزو السوفييتي لأفغانستان والذي أعلنت الصين مرارًا أن تطبيع علاقاتها مع جارتها الشيوعية تتعلق إلى حد كبير بانسحاب القوات السوفييتية عن أفغانستان، وأيضًا أن تصريحًا كهذا لا يتمتع بأهمية عسكرية ولا سياسية:
أولًا: لأن إعلان الانسحاب قد اقتصر على عدد ضئيل بل وضئيل جدًا من القوات الموجودة حيث إن انسحاب ستة آلاف جندي من أفغانستان من مجموعة ۱۲۰ ألف جندي لا يعتبر خطوة إيجابية ولا مبادرة حسن نية.
ثانيًا: إن الانسحاب لم يشمل الفِرَق التي كانت ولا تزال تهاجم المجاهدين، بل يشمل جزءًا من الفِرَق التي كان وجودها في أفغانستان دون جدوى ولم تكن تُستخدم ضد المجاهدين كفرق الدبابات والأفواج الثلاثة المضادة للطائرات.
ثالثًا: إن هذا التصريح لم تسبقه ولم تعقبه أيَّة بادرة حسن نيَّة بالنسبة للعمليات العسكرية والهجمات الوحشية التي وصلت إلى أقصى حد من التصعيد سيما في مدينة هرات التي شهدت معارك دامية راح ضحيتها آلاف من السكان العزل وعدد كبير من المجاهدين وذلك بالإضافة إلى الخراب والدمار نتيجة القصف الجوي الهمجي وذلك في غضون الأربعة أسابيع الماضية.
وكذلك القصف المستمر والهجمات المكثفة التي تجري إلى الآن في المناطق الجنوبية المتاخمة مع الحدود الباكستانية والهجوم العسكري الضخم الذي أعلنته وكالات الأنباء ليلة ٢٩ من الشهر الماضي «يوليو» المتوقع وقوعه في المناطق التي تقع جنوبي العاصمة كابول في القريب العاجل وهذا بجانب قيامهم بعدد كبير من العمليات العدائية الأخرى ضد المواطنين في جميع أنحاء البلاد كتفتيش المنازل وإلقاء القبض على الأشخاص دون أيمبرر قانوني.
رابعًا: إن إعلان سحب لواء الدفاع المضاد للطائرات يدل دلالة واضحة على نوايا السوفييت الخفية والخبيثة، إذ لو كان الهدف من غزوهم لأفغانستان هو حماية الحُكم الشيوعي فقط لما كان لوجود مثل هذه الفِرَق أية حاجة إذ إن القوى المعارضة- على حد تعبيرهم- لم تكن على قدر كبير من الأهمية وكانت الحكومة العميلة في كابول و وسائل الإعلام السوفييتي تحاول دوما التقليل من شأنها، فعلى هذا لم يكن الاتحاد السوفييتي في حاجة لإدخال قوات كهذه خصوصًا، وأن المجاهدين الأفغان والقوى المعارضة لم تكن تملك طائرات نفاثة ومقاتلة تقتضي وجود مثل تلك القوات المضادة.
ومع ذلك كله فإن إدخال قوات كهذه إن دل على شيء فإنما يدل على أن السوفييت كانوا ينوون اقتحام باكستان أو إیران أيضًا كلما رأوا مثل هذا الاقتحام في صالحهم، والأمر الذي لا يختلف عليه اثنان هو أنه لولا المقاومة الأفغانية وصد هذا الهجوم الغاشم من قِبَل المجاهدين الأفغان وتوجيه ضربات قاسية على رؤوسهم لكان الوضع غير ما عليه الآن في المنطقة ولتدخل السوفييت بحيلة أو أخرى في شؤون باكستان وإیران.
خامسًا: إن هذا التصريح -كما قال الدبلوماسيون- لا يستهدف إلا دعم موقف كابول في محادثاتها غير المباشرة مع باكستان والتي بدأت منذ أربعة أعوام في جنيف، كما إنه يُعتبر خطوة أخرى إلى الوراء وتراجعًا مهانًا، وهذا لأنهم مع هذا وذاك كله فإن تصريح المتغطرس الروسي لا يخلو عن هزيمة عسكرية وفشل سياسي ذريع خلال الأعوام السبعة الماضية، وفوزًا واضحًا وصارمًا للقُوى المجاهدة، وكذلك هذا التصريح جعلهم يدركون أنهم مخطئون في غزوهم لأفغانستان فقد استخدموا من أول الأمر شتَّى الوسائل والدسائس والمكائد لإقناع الرأي العام سواء على المستوى الإقليمي أو المستوى العالمي، وللوصول إلى تحقيق هذا الهدف لم يترك السوفييت وعملاؤهم فيكابول بابًا إلا وطرقوها:
ولتوضيح هذا المطلب يجدر بنا أن نرجع إلى الوراء أي قبل سبع سنوات من اليوم، وعلى سبيل التحديد إلى الأسابيع الأولى من قيام الثورة الشيوعية في أفغانستان:
1- فالحكام الشيوعيون كانوا قد أصدروا عدة مراسيم وصلت ثمانية مراسيم، زاعمين أن ذلك سوف يرضي الشعب المسلم، وكان على رأس هذه المراسيم المرسوم رقم (۸) المؤرخ في ديسمبر ۱۹۷۸ الذي كان بشأن ملكية الأسرة ٦ هكتارات من الأراضي الخصبة، وكان المرسوم رقم (٦) بشأن إلغاء الديون العقارية والرهونات التي كان يدين بها الفلاحون لأصحاب العقارات والمرسوم رقم (۷) كان بشأن تطليق الزوجة من زوجها الغائب، والحد من المهور ومصاريف الزفاف.
ولكن بما أن هذه المراسيم لم تكن قابلة للهضم اضطروا إلى التراجع في جميع المجالات:
ففي المرسوم رقم (۸) أعلنوا بصراحة أن الأرض لمن يزرع الأرض، وبناء على هذا الأصل سلبوا الأراضي من أصحابها دون مقابل.
فيما كانوا يعتبرون اتخاذ هذه الخطوة من أنجح الخطوات التي أخذوها، زاعمين بذلك إنهم سوف يتمكنون من إيقاف الملايين من الفلاحين بجانب الحكومة الماركسية ولكن سرعان ما اكتشفوا خطأ هذا الزعم، حيث رأوا بأعينهم أن الذين وقفوا ضدهم وحملوا السلاح لمقاتلتهم لم يكونوا من أصحاب الأراضي أو الأثرياء بقدر ما كانوا من الفلاحين والفقراء فأول من تسلّقوا الجبال ووقفوا ضد النظام الإلحادي الحاكم كانوا من الفلاحين، وأما المرسوم الآخر الذي صدر بشأن إلغاء الديون العقارية فلم يطبق أصلًا لنفس الدليل، وكذلك المرسوم الصادر بشأن موضوع الحد من المهور لأن المرأة وجدت نفسها دون أي تعويض أو وسيلة للمعيش بعد إيقاف الصداق وإلغائه.
فهنا وبعد هذه اللطمات القاسية على خد الدولة الشيوعية أصدرت الأوامر من قبل المستشارين السوفييت وموسكو أن يتراجعوا في جميع هذه الميادين، ولذلك أوردوا عدة تعديلات على المرسوم رقم (۸) الذي كان يعتبر عمودًا فقاريًّا للبرامج الاقتصادية والسياسية للدولة العميلة فأوردوا تعديلات استثنوا بمقتضاها كثيرًا من المجالات عن مجال تطبيق هذا المرسوم على سبيل المثال:
1 - أراضي الوقف في جميع أنحاء البلاد.
٢ - الأراضي المتعلقة بعلماء وأئمة المساجد.
3- الأراضي المتعلقة بضباط الجيش ورجال الأمن.
4- الأراضي المتعلقة بزعماء القبائل.
وغير ذلك مما يعتبر تراجعًا موضوعيًّا في المرسوم، وهذا بجانب التراجع الشكلي وهو أن التركة بين الورثة بمقتضى هذا المرسوم لم تكن تعتبر أمرًا قانونيًّا إلا إذا تم في المحكمة وأمام القضاء، بينما أصدروا أخيرًا تفسيرًا آخر للموضوع كانت تعتبر التركة بمقتضاه أمرًا قانونيًّا أيًّا كان نوعها.
وبالإضافة إلى ذلك كله فإنهم تراجعوا حتى في تطبيق هذا المرسوم نفسه ككل في نهاية العام الأول من تنصيب ببارك كارمل (۱۹۷۹) - (۱۹۸۰) كحاكم لحكومة كابول العميلة حيث أصدروا تعليمات لحكام المناطق بأنهم أحرار في عدم تطبيق المرسوم المذكور إن رأوا في ذلك مصلحة، وهذا يعني تراجعًا واضحًا وصارمًا.
فالكلام على تراجعات الحكم الشيوعي في كابول وعلى السياسة السوفييتية الفاشلة طويل جدًا:
- التراجع في العناية والاهتمام بأمور الدين وإن كان شكليًّا ولخداع الناس فقط.
- التراجع في معاملة الموظفين في الإدارات.
- التراجع في تطبيق البرامج الإذاعية والإعلامية.
- التراجع في تولِّي المنصب لغير المنتمين إلى الحزب.
- التراجع في الاهتمام بتقاليد الشعب الأفغاني الأصيلة وهي تدوير المجلس الشعبي الكبير الذي يعتبر حقيقة تاريخية للشعب الأفغاني.
- والتراجع في تأسيس السلطة التشريعية المكوَّنة من مجلسين كما أعلنت إذاعة لندن في نشرتها الإخبارية عشية يوم 29/٥/١٩٨٦ أن رئيس أفغانستان الجديد أعلن عن تكوين مجلسين يُنْتَخَبُ أعضاؤهما عن طريق انتخابات مستقيمة ومباشرة وحرة.
والتراجع في اعترافهم بوجود القُوى المعارضة لدرجة أن أعلن بابراك كارمل بصراحة بأنه مستعد لإجراء مفاوضات مباشرة مع المجاهدين والقوى المعارضة.
-وأخيرًا وليس آخرًا إعلان غورباتشوف سحب جزء من قواته من أفغانستان فهذا الإعلان لا شك أنه مشوب بالمكر والدهاء كما قلنا، ولكن في نفس الوقت يعتبر تراجعًا وتقهقرًا لقوة طاغية عالمية وفشلًا مُخْجِلًا لمحاولاتهم الجوفاء ومخططاتهم السياسية والعسكرية، ويعتبر نجاحًا وفوزًا كبيرًا للمجاهدين؛ لأننا نعلم علمًا كاملًا أن جميع هذه التراجعات ليست إلا نتيجة صمود الشعب الأفغاني المسلم، ونتيجة توجيه ضربات قاسية ومدمرة إلى جسم العدو المتغطرس مما أضرَّ بمصالحه الاقتصادية والسياسية وسمعته العسكرية في العالم سيَّما في أعين حلفائه الشيوعيين.
والشعب الأفغاني الذي قدم كثيرًا من التضحيات والفداء وقدم زهاء مليوني شهيد لا يرضى لنفسه إلا إقامة حكم إسلامي في بلده، وطرد العدو المستعمر وتلقينه درسًا لا ينساه أبدًا مهما كانت التصريحات ومهما كانت الحِيَل والمراوغات.
وما ذلك على الله بعزيز.
واللهم لا حول ولا قوة إلا بالله
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل