العنوان فاتورة إعمار فلسطين... من يدفع الثمن؟
الكاتب عبد الحافظ عزيز
تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002
مشاهدات 47
نشر في العدد 1518
نشر في الصفحة 48
السبت 14-سبتمبر-2002
لماذا لا يتحمل الصهاينة تكاليف الدمار الذي أحدثوه للفلسطينيين؟ ليس هذا من قبيل اللامعقول.. فقد طلبوا من ألمانيا أكثر من ذلك
العالم أجمع يرى يوميًا حجم الممارسات الصهيونية تجاه الفلسطينيين، من تدمير للبيوت والزراعات والمنشآت والمؤسسات التي بنيت بعد اتفاق أوسلو، خاصة منشآت السلطة الفلسطينية، سواء كانت مباني إدارية أو منشآت تخص البنية الأساسية للمجتمع. وتأتي هذه الممارسات الصهيونية في إطار سياسة الأرض المحروقة، لكي تجعل الحياة على أرض فلسطين بالنسبة لأهلها أمرًا مستحيلًا.
كما أن الحلول السياسية المطروحة، تحرص دائمًا على محاباة الجانب الصهيوني وتكافئه على الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني ولا أدل على ذلك من المعونات التي تمد بها أمريكا إسرائيل، حتى أثناء ارتكابها المجازر في جنين وغزة وغيرهما، والتي لا تقتصر على المساعدات العسكرية بل تمتد إلى المعونات النقدية والتي بلغت في إحدى الدفعات ۲۰۰ مليون دولار لتمويل عمليات الجدار الواقي، ولولا رعاية أمريكا الاقتصادية والعسكرية لما يفعله الاحتلال بشعب فلسطين الأعزل، لكان للأمر حسابات أخرى، فما نشرته صحف العدو الصهيوني تبرهن على هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي على الرغم من الهالة الإعلامية التي تجعل منه عملاقًا اقتصاديًا، حتى إن الجيش الإسرائيلي عجز عن سداد التزاماته تجاه الموردين للطعام والانتقالات للجنود المشاركين في عملية الجدار الواقي، فأين قوة الاقتصاد الإسرائيلي المزعومة؟
إعادة الإعمار.. صحوة ضمير
وعلى الرغم من ضبابية التسوية السياسية وعدم استشراف أي نهاية في المستقبل المنظور للممارسات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن الحديث يدور باستمرار عن تمويل بعض الجهات لعملية إعادة إعمار بعض ما أفسده وهدمه الصهاينة في الأراضي الفلسطينية، ولكن من الذي يدفع الفاتورة؟
على الصعيد الفلسطيني هدمت مشروعات البنية التحتية التي مولت في معظمها من جانب الاتحاد الأوروبي وبعض البلدان العربية، مثل: مطار غزة الدولي ومحطات تحلية المياه وغالب منشآت السلطة، فضلًا عن تدمير المباني السكنية المملوكة للأفراد وتجريف الأراضي الزراعية بالإضافة إلى توقف عجلة الاقتصاد الفلسطيني، وانعكس ذلك في زيادة معدلات البطالة بين الفلسطينيين وتوقف تام لعمل الجهاز المصرفي وعزوف الاستثمارات المحلية والأجنبية على قلتها أصلًا، وزيادة حدة الفقر، وارتفاع متوسط الإعالة لأرباب الأسر بعد وفاة مسؤوليها أو وجود أطفال أيتام برعاية أسر ترعاها النساء، وهو ما يعمق ما تسميه الأدبيات الاقتصادية "تأنيث الفقر".
وقد قدرت وكالة التنمية الفلسطينية حجم الأموال المطلوبة لإصلاح الطرق والمنازل والشركات ومقار الأمن والوزارات التي تضررت بحوالي ٤٥٠ مليون دولار بينما ذهب مندوب فلسطين لدى الجامعة العربية إلى تقدير إجمالي خسائر الاقتصاد الفلسطيني على مدار العامين الماضيين من جراء العدوان الصهيوني بنحو ۱۳ مليار دولار.
الدعوة لإعادة إعمار المناطق والمؤسسات التي دمرتها إسرائيل تأتي عبر بعد إنساني يستشعر حجم الكارثة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، لكن تكلفة الإعمار دفعت من قبل وستدفع - إن تحقق ذلك من أموال دافعي الضرائب الذين يمثلون الرأي العام في دولهم، والذي لم تعبأ به إسرائيل لقد قدم الاتحاد الأوروبي خلال الفترة من ۹٤- ١٩٩٨ قرابة نسبة ٥٠% من حجم المساعدات الدولية التي قدمت للسلطة الفلسطينية أي نحو ١,٥ مليار يورو لمشروعات البنية الأساسية في الضفة والقطاع، وبلغ حجم الدعم السنوي من الاتحاد الأوروبي للسلطة الفلسطينية على مدار الستة أعوام الماضية نحو ۱۷۹ مليون يورو. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا يقوم الاتحاد الأوروبي بدور سياسي فاعل يوقف الممارسات الإسرائيلية غير المسؤولة حتى يوفر على نفسه هذه النفقات؟
مساهمات عربية وإسلامية
ومن أبرز ما أعلن عنه لبدء برامج الإعمار أو الاستعداد لشيء من هذا القبيل، إعلان الإمارات عن استعدادها لبناء قرابة ۸۰۰ منزل بمخيم جنين وكذلك ترمیم کنيسة المهد، وما أعلن من خلال مؤتمر المانحين الذي عقد خلال شهر إبريل الماضي بأوسلو في إطار البنك الدولي عن تقديم ١.٢ مليار دولار من دول أوروبية وعربية لجهود إعادة بناء السلطة وللمساعدات الإنسانية، بينما طالب الجانب الفلسطيني المؤتمر بنحو ۱٫۸ مليار دولار لإعادة بناء البنية الأساسية فقط، علمًا بأن الأموال التي أعلن عن تقديمها من خلال مؤتمر المانحين ليست إلا تعهدات قديمة وليست وليدة الظروف الحالية، كما أعلن رئيس وزراء الصين عند زيارته للقاهرة في إبريل الماضي عن استعداد الصين للمشاركة في إعادة تعمير البنية الأساسية للفلسطينيين وخصص البنك الإسلامي للتنمية خمسة ملايين دولار لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» لترميم وإصلاح المنشآت التعليمية والصحية والمرافق العامة في المخيمات التي دمرها العدوان الإسرائيلي. ومن المقرر أن تستغرق فترة إعادة بناء البنية الأساسية فترة من ۱۳- ۱۸ شهرًا في حالة الوصول إلى تسوية سياسية توافق إسرائيل بمقتضاها على البدء في إعادة الإعمار.
تحديد المسؤوليات
لكن قبل الإقدام على تمويل برامج إعمار فلسطين لا بد للمجتمع الدولي أن يعيد النظر في أمور منها:
إن الإعمار بدون وجود دولة فلسطين بكل ما تعنيه الدولة من مقومات، يعني أن أي جهود سوف تذهب سدى نظرًا لوجود المفهوم الإسرائيلي التوسعي وتغليب الأمن بالمفهوم الإسرائيلي على كل الاعتبارات وعلى هذا الأساس فإن ما أقدمت عليه إسرائيل من تدمير المقدرات الاقتصادية في الأراضي المحتلة وارد تكراره مرة ومرات، ما لم تكن هناك دولة فلسطينية أمنها مكفول دوليًا.
ونشير هنا إلى أن الصهاينة يريدون استثمار هذا الأمر لصالحهم، فعند زيارة وزيرة الخارجية اليابانية لفلسطين المحتلة، طالبها الإسرائيليون بأن يتسلموا هم مساهمات اليابان لإعادة الإعمار، ولا تسلم الأموال للسلطة الفلسطينية لكنها رفضت هذا الطلب الغريب.
إصدار عملة فلسطينية، إذ أصبح هذا الأمر ضروريًا لفك الارتباط بين الاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي، فالاستقلال الاقتصادي يعد اليوم من أهم مقومات الدولة، لأنه يدعم إلى حد بعيد الاستقلال السياسي ويوفر التمويل اللازم لبناء الدولة، كما أن هذا الأمر يمثل رمز الهوية والاستقلال لدولة فلسطين.
إن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، إذ كان الوضع عبارة عن وصاية إسرائيلية على مقدرات الفلسطينيين الاقتصادية، فالتعاملات بالشيكل الإسرائيلي، ودخول البضائع وخروجها عبر المنافذ الإسرائيلية، وتحصيل الضرائب عبر إسرائيل، وعندما تأزمت الأمور لجأ الصهاينة إلى تعطيل وصول المساعدات للشعب الفلسطيني وإبقائها فترات طويلة بالموانئ وعلى الحدود حتى تفسد فواقع الحال أن إسرائيل تسيطر على نحو ٩٠٪ من تجارة فلسطين، وتعتمد العمالة الفلسطينية بشكل أساسي على العمل في كثير من قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي، وفي حالة فك الارتباط بين الاقتصادين سوف تدفع إسرائيل الثمن العادل للأيدي العاملة الفلسطينية، ولكثير من المواد الخام خاصة السلع الزراعية.
لا بد أن تتحمل إسرائيل تكاليف ما دمر، ولن يكون هذا من قبيل طلب اللا معقول، ولكن عند مقارنة ذلك بما تحصل عليه إسرائيل من ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية كتعويضات عن ثروات يدعون أنها كانت لليهود منذ أكثر من خمسين عامًا، فإن مطلبنا يكون عادلًا ومنطقيًا.
إذا كان اللوبي اليهودي قد نجح في تفويت فرصة فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل من قبل المجتمع الدولي، خاصة في دول الاتحاد الأوروبي حيث لم يصادق وزراء الخارجية بالاتحاد على قرار البرلمان الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية عليها، فلا أقل من أن تتحمل إسرائيل تكلفة ما قامت بتدميره، أو على الأقل تتحمل الجانب الأكبر منه، ولن يكون المجتمع الدولي متحاملًا إذا ألزمها بذلك، فهذا المجتمع بآلياته المتمثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة استطاع أن يلزم العراق بدفع تعويضات للمتضررين من حرب الخليج الثانية خصمًا من صادرات البترول العراقي على الرغم من استمرار الحصار والعقوبات الاقتصادية عليه لأكثر من ١٢ عامًا متصلة، والأمثلة كثيرة، فلا أقل من أن يتجه المجتمع الدولي بعد أن فشل في فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل إلى تحميلها تكلفة الإعمار أو الجزء الأكبر منها على الأقل ليبرئ نفسه من تهمة الكيل بمكيالين.
يحاول الاحتلال التهرب من دفع هذه التكلفة أو مجرد طرح الموضوع متدرعًا بمبدأ الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، ولجأ إلى استخدام الأدوات القانونية التي لم يفكر فيها الفلسطينيون والعرب بعد، فالمقاولون الإسرائيليون رفعوا دعاوي قضائية ضد السلطة الفلسطينية لتعويضهم عن أضرار لحقت بهم من جراء استمرار الانتفاضة، وهم يطالبون بنحو ۳۰۰ مليون دولار هذا على مستوى قطاع واحد، وقد تنحو قطاعات أخرى المنحى نفسه.
إرغام إسرائيل على دفع هذه التكلفة سوف يجعلها تعيد التفكير أكثر من مرة حالة الإقدام على ما قامت به خلال الشهور الماضية من اتباع سياسة الأرض المحروقة، وفيه أيضًا نوع من إثبات الإدانة التاريخية التي لم تتحقق بسبب عجز الآليات السياسية للشرعية الدولية ويفضل رعاية أمريكا للكيان الصهيوني.
وينبغي أن يتولى الفلسطينيون أنفسهم عملية إعادة الإعمار، وهذا سوف يحرك عجلة الاقتصاد الفلسطيني من جديد من حيث تشغيل الأيدي العاملة وبدء الأسواق في حركة الاستثمارات، وأيضًا تشجيع القطاع الخاص الفلسطيني على النمو بعد ما أصابه من خسائر كبيرة خلال الفترة الماضية، أي أن تكون عملية الإعمار معتمدة على الذاتية الفلسطينية، وأن تكون مساهمات الخارج قاصرة على التمويل، وتقديم المعونات الفنية والاستشارات التي لا تتوافر في داخل فلسطين.
ألا تشارك الشركات الإسرائيلية ولا الحكومة الإسرائيلية في عملية إعادة الإعمار كنوع من العقاب وحتى لا يقطفوا ثمرتها وهم مرتكبو جريمة التدمير وأن تتوافر مستلزمات الإنتاج أو العدد والآلات اللازمة لإعادة الإعمار من خلال الدول الداعمة لا من خلال الأسواق الإسرائيلية.
ألا تكون برامج إعادة الإعمار قاصرة على الخسائر المباشرة التي تكبدها الفلسطينيون من جراء الممارسات الصهيونية، بل لا بد من الأخذ في الاعتبار الآثار غير المباشرة مثل تكلفة توقف برامج التعليم وإتلاف الوثائق والمعلومات التي دمرت في مؤسسات السلطة ومنها على سبيل المثال ما تعرض له المركز الفلسطيني للتعبئة والإحصاء من عملية إتلاف لمعظم وثائقه ومعلوماته الإلكترونية، وأيضًا ما يعانيه أطفال فلسطين من صدمات نفسية نتيجة مشاهد القتل والتنكيل الدمار الذي لحق بذويهم وممتلكاتهم.
أن تتمتع المنتجات التصديرية ذات المنشأ الفلسطيني بمزايا الإعفاءات الجمركية والضريبية التي تحصل عليها الدول الأقل نموًا، وذلك على الصعيد العالمي بشكل عام والعربي بشكل خاص مما يشجع على بناء الاقتصاد الفلسطيني، وإن كان الوضع الطبيعي أن تكون منتجات الاقتصاد الفلسطيني في الأجل القصير موجهة للدخل، نظرًا لطبيعة الفترة التي يمر بها بعد العدوان الإسرائيلي إذ ستكون معدلات الاستهلاك مرتفعة على الصعيد الداخلي.
نقطة أخيرة يجب أن تؤخذ في الحسبان، وهي أن هناك اقتصادات أخرى أضيرت بسبب الأحداث التي شهدتها المنطقة ومن الواجب أن يتم تعويضها عما لحقها من أضرار ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما أصاب قطاع السياحة في مصر.
تقديرات مبدئية لخسائر الاقتصاد الفلسطيني([1])
بيان حجم الخسائر
قطاع الصناعة «تم تدمير ما يزيد على ٤٥ مصنعًا ومنشأة صناعية» 1.1 مليار دولار.
نسبة البطالة قفز معدل البطالة من ١٠ % عام ٢٠٠٠ إلى ٩٠% في الوقت الحالي
مستحقات ضريبية مستحقة للسلطة محتجزة لدى إسرائيل في نهاية ۲۰۰۱ 500 مليون دولار
أشجار الزيتون ثم تقطيعها 200 ألف شجرة
قطاع الزراعة 550 مليون دولار
قطاع التجارة 627 مليون دولار
قطاع الإنشاءات والإسكان 570 مليون دولار
نسبة الفقر في فبراير ۲۰۰۱ 50%
مشروعات البنية الأساسية 450 مليون دولار
نمو إجمالي الناتج المحلي بنهاية ۲۰۰۱ تراجع بنسبة 35%
نسبة العجز بالموازنة العامة في نهاية ٢٠٠١ 430%
(هذا الكلام الملون موجود في جدول داخل المجلة)
([1])الأرقام الواردة بهذا الجدول تم تجميعها من صحف ومجلات عربية نقلاً عن بعض الدراسات، وتصريحات لمسؤولين.